الوجه الاقتصادي للحروب الأميركية والإسرائيلية.. ثقيل ومكلف

طهران ــ الرأي الجديد
ما يجري في إيران اليوم، يحمل مؤشرات مشابهة مع ما يحصل في العراق وأفغانستان، من خلال استهداف الصناعات الحيوية وبنى الطاقة، ما يضع الاقتصاد في مسار إنهاك تدريجي.
انطلقت الهجمات التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران اعتبارًا من 28 فبراير في إطار يتجاوز مفهوم المواجهة العسكرية التقليدية، لتأخذ طابع عدوان غير مشروع يتعارض مع القواعد والأعراف الدولية، ويقوم على منطق فرض الهيمنة وإخضاع الإرادات بدلًا من أي مبرر دفاعي.
وقد استهدفت هذه العمليات بنى تحتية مدنية حيوية تمسّ بشكل مباشر حياة السكان، ما يعكس مجددًا غياب التمييز بين الأهداف العسكرية والبنية المعيشية للمدنيين. كما يرسّخ هذا النهج استخدام استهداف البنى التحتية كأداة ضغط وعقاب جماعي، في نمط متكرر يرتبط بسجل الولايات المتحدة وإسرائيل في الحروب الحديثة، وبما يضع هذه الممارسات في إطار انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى جرائم حرب.
وقالت صحيفة شرق الإيرانية في تقرير لها، إن أحداث حربي العراق وأفغانستان تظهر كيف أدى استهداف الاقتصاد والبنية التحتية إلى تأثير طويل الأمد على الحياة اليومية للسكان، في نموذج يقوم على تدمير البنى الأساسية كوسيلة ضغط ممتدة، حتى لو كان الثمن الإضرار المباشر بملايين المدنيين.
العراق وتفكك البنية التحتية لعقود
أدت حرب عام 2003 التي شنتها الولايات المتحدة على العراق إلى تدمير واسع للبنية التحتية التي كانت تشكل أعمدة الاقتصاد. وما بدأ في الأيام الأولى عبر القصف، استُكمل لاحقًا بانعدام الأمن والتخريب وانهيار الإدارة.
في قطاع الطاقة، تراجعت قدرة إنتاج الكهرباء من نحو 4500–5000 ميغاواط قبل الحرب إلى أقل من 2500 ميغاواط في بعض الفترات، ما تسبب بانقطاعات طويلة في المدن الكبرى، حيث لم تتجاوز ساعات توفر الكهرباء في بغداد والبصرة أربع إلى ست ساعات يوميًا في بعض المراحل. واستمرت إعادة بناء الشبكة سنوات طويلة دون الوصول إلى استقرار فعلي حتى بعد أكثر من عقد.
وفي قطاع النفط، الذي يعد العمود الفقري للاقتصاد العراقي، انخفض الإنتاج من 2.5 إلى 2.8 مليون برميل يوميًا قبل الحرب إلى أقل من مليون برميل في الأشهر الأولى بعد الغزو، نتيجة تدمير أو تعطيل المصافي وخطوط الأنابيب ومرافق التصدير. وقد احتاجت إعادة الإنتاج إلى مستوياته السابقة استثمارات بعشرات المليارات من الدولارات وسنوات من العمل.
أما القطاع الصناعي فقد تلقى الضربة الأعمق، إذ كانت تعمل قبل الحرب أكثر من 190 منشأة صناعية حكومية كبرى في مجالات الحديد والإسمنت والبتروكيماويات والنسيج، لكن جزءًا كبيرًا منها دُمّر أو خرج عن الخدمة بسبب انقطاع الكهرباء والمواد الأولية وانعدام الأمن، ما أدى إلى فقدان عشرات آلاف الوظائف الصناعية وتراجع مساهمة الصناعة في الناتج المحلي.
كما تضررت البنية الحضرية بشدة، إذ تعطلت شبكات المياه والصرف الصحي، وتُقدّر التقارير أن نحو 40% من سكان المدن حُرموا من مياه الشرب الآمنة في السنوات الأولى بعد الحرب، إضافة إلى تدمير آلاف الكيلومترات من الطرق والجسور. وقد قُدّرت كلفة إعادة إعمار البنية التحتية بين 80 إلى أكثر من 100 مليار دولار.
أفغانستان وحرب الاستنزاف الاقتصادي
كانت أفغانستان تعاني أصلًا من آثار عقود من الحرب عند دخول القوات الأميركية عام 2001، لكن استمرار النزاع حال دون إعادة بناء حتى البنى المحدودة المتبقية. بلغت القدرة الإنتاجية للكهرباء أقل من 500 ميغاواط في بداية الألفية، لكن الحرب والاضطرابات أعاقت تطويرها، ما أدى إلى اعتماد أكثر من 70% من الكهرباء على الاستيراد، وهو ما منع نشوء قاعدة صناعية مستقلة.
كما بقي القطاع الصناعي هشًا، حيث توقفت مصانع النسيج والإسمنت التي أُنشئت سابقًا أو دُمّرت، مثل مصانع غلبهار وبغرامي التي كانت تشغل آلاف العمال. وأصبح الاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات الخارجية التي وصلت في بعض السنوات إلى أكثر من 40% من الناتج المحلي، ما عمّق هشاشة البنية الاقتصادية.
وفي سوق العمل، أدى غياب البنية التحتية والاستثمار إلى عدم خلق وظائف مستقرة، وانتشار العمل غير الرسمي وضعيف الإنتاجية، ما أبقى النمو الاقتصادي محدودًا حتى في فترات الاستقرار النسبي.
نمط مشترك: الحرب ضد الإنتاج
تكشف تجربتا العراق وأفغانستان عن نمط واحد يقوم على تحويل العمليات العسكرية إلى تدمير ممنهج للبنية التحتية، ما يؤدي إلى تراجع الإنتاج وارتفاع البطالة على المدى القصير، وتعطيل التنمية على المدى الطويل. ولا يقتصر التعافي على التمويل فقط، بل يحتاج أيضًا إلى الاستقرار السياسي والأمني وثقة المستثمرين، وهي شروط قد تجعل إعادة الإعمار تمتد لسنوات طويلة.
ما يجري في إيران اليوم، رغم اختلاف الحجم والظروف، يحمل مؤشرات مشابهة من خلال استهداف الصناعات الحيوية وبنى الطاقة، ما يضع الاقتصاد في مسار إنهاك تدريجي. تُقدّر كلفة إعادة الإعمار في قطاعات مثل الحديد والطاقة بمليارات الدولارات، لكن الخسائر الحقيقية تشمل تراجع الإنتاج والاستثمار وارتفاع البطالة وضغوط المعيشة.
وقد أظهرت تجارب الولايات المتحدة وإسرائيل السابقة اعتماد استهداف البنى التحتية كجزء من استراتيجية تهدف إلى إضعاف طويل الأمد بدلًا من حسم سريع، ما يجعل منع دخول الاقتصاد في حلقة تدهور طويلة الأمد أكثر أهمية من إعادة البناء المادي فقط.
الحروب قد تبدأ في ساحات القتال، لكن آثارها الحاسمة تظهر في المصانع ومحطات الطاقة ومعيشة السكان، كما يثبت نموذج العراق وأفغانستان حيث لا يعني توقف الحرب انتهاء الأزمة.
في الحرب الـ 40 يومًا على إيران، استهدفت الولايات المتحدة وإسرائيل البنى الاقتصادية غير العسكرية، بما في ذلك قطاعا الصلب والبتروكيماويات. وتعرضت أجزاء من خطوط الإنتاج في مجمع مباركة للصلب لأضرار أدت إلى توقف بعض الأفران وخطوط الدرفلة.
تكلفة إعادة الإعمار والضغط الخفي
تبلغ قيمة إعادة إعمار مجمع مباركة للصلب نحو 17 مليار دولار، وإذا احتاج 20% فقط من بنيته إلى إصلاح، فإن الكلفة قد تصل إلى 3–4 مليارات دولار. أما في مجمع فولاد خوزستان، فقد تتجاوز كلفة إعادة الإعمار مليار دولار، ما يعني أن إعادة القطاعين إلى وضعهما السابق قد تتطلب نحو 5 مليارات دولار في ظل ظروف اقتصادية صعبة.
ولا يقتصر الأثر على الخسائر المباشرة، بل يمتد إلى تعطيل الاستثمار في وقت تتزايد فيه القيود، ما يجعل إعادة الإعمار أكثر تعقيدًا.
صدمة على العمالة وسلاسل الإنتاج والطاقة
يوفر مجمع مباركة للصلب نحو 30 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة، بينما يدعم فولاد خوزستان حوالي 20 ألف وظيفة في سلاسله الإنتاجية. وأي اضطراب في هذه المنشآت يؤدي إلى صدمة في سوق العمل تنعكس على دخول الأسر الإيرانية والاستهلاك، ما يرفع احتمالات الركود.
وتشير التقديرات إلى أضرار في عدة محطات كهرباء بقدرة إجمالية تقارب 1000 ميغاواط، ما يعني الحاجة إلى نحو مليار دولار لإعادة تأهيلها، إضافة إلى تأثير نقص الكهرباء على بقية القطاعات الصناعية.
وتظهر طبيعة الأهداف أن الاستهداف لم يكن عسكريًا فقط، بل اقتصاديًا بشكل مباشر، عبر ضرب الطاقة والصلب باعتبارهما ركيزتين للإنتاج الصناعي.
















