أحداثأهم الأحداثدولي

تقارير إعلامية: حرب إيران وتراجع أركان القوة التقليدية

طهران ــ  الرأي الجديد

تفيد بعض التقديرات، أن المواجهة مع إيران، تتجاوز النزاع الإقليمي، وقد تفضي إلى تآكل نظام “البترودولار”، واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، وإعادة ترتيب هرم القوى الكبرى..

يُظهر رصد التقارير والتحليلات الصادرة عن مراكز إعلامية وبحثية مؤثرة ضمن التيار الرئيسي للنظام الدولي القائم خلال الأسبوعين الماضيين من سريان وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، أن ثمة قناعة آخذة في التشكل مفادها أن المواجهة العسكرية مع إيران تتجاوز إطار نزاع إقليمي محدود، وقد تفضي إلى تآكل نظام «البترودولار»، واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، وإعادة ترتيب هرم القوى الكبرى، في سيناريو يتحول فيه مضيق هرمز إلى نقطة انعطاف في الانتقال من عالم أحادي القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب.

يذكر محمد محمود كيا، عضو هيئة التدريس في معهد الإمام الخميني وأبحاث الثورة الإسلامية، في مقال نشره على موقع دبلوماسي إيراني، أن قراءة مستندة إلى ما نشرته وسائل إعلام دولية تشير إلى أن العالم يقف على أعتاب تحول استراتيجي لا يتجلى عبر الحسم العسكري المباشر، بل عبر الاستنزاف الاقتصادي وإعادة تشكيل موازين القوى الجيوسياسية.

أولًا، على مستوى البنية الاقتصادية، يُطرح احتمال اهتزاز النظام المالي العالمي القائم. فثمة تحليلات ترى أن أي حرب واسعة ضد إيران قد تعجّل بإضعاف منظومة تسعير النفط بالدولار، في ظل توجه بعض دول الخليج لإعادة تموضعها الاقتصادي، وسعي طهران إلى توسيع تعاملاتها بعملات بديلة. يتزامن ذلك مع تحذيرات من تضخم غير مسبوق في الديون السيادية عالميًا خلال السنوات المقبلة، بما يعيد إلى الأذهان مستويات لم تُسجَّل منذ الحرب العالمية الثانية، ما يعكس هشاشة داخلية في اقتصادات القوى الكبرى، حيث يصبح الاستنزاف الاقتصادي عامل تقويض يفوق أثر المواجهة العسكرية.

ثانيًا، يبرز مضيق هرمز بوصفه محورًا جيوسياسيًا حاسمًا. فالتقارير الغربية تنقل قلقًا خليجيًا من ترسيخ نفوذ طهران على هذا الممر الحيوي، فيما تشير تحليلات أكاديمية إلى أن أي تعطيل طويل الأمد لحركة الملاحة فيه قد يضع ضغوطًا عالمية على الولايات المتحدة أكثر مما يرهق إيران، نظرًا لاعتماد الاقتصاد الدولي على تدفقات الطاقة عبره. ويذهب بعض المحللين إلى أن استمرار هذا النفوذ قد يعزز مكانة إيران في معادلات القوة الدولية.

ثالثًا، تتعدى التداعيات قطاع الطاقة إلى الأمن الغذائي والاستقرار المعيشي. فالتقديرات تحذر من فقدان كميات ضخمة من الإمدادات النفطية في حال تصاعد التوتر، وما قد يتبعه ذلك من موجات تضخم واضطراب في أسواق الغذاء، وصولًا إلى مخاوف من تقنين المواد الأساسية في بعض الدول الأوروبية. وبذلك، يتحول النزاع من صراع عسكري إلى تهديد مباشر للأمن الاقتصادي والاجتماعي العالمي.

رابعًا، تعكس المعطيات الميدانية حدود فعالية الردع العسكري التقليدي. فبعض التقارير الغربية تتحدث عن تعقيدات كبيرة في فرض حصار بحري محكم، وصعوبات لوجستية قد تستغرق أشهرًا لمعالجة أي إغلاق محتمل للممرات الحيوية، ما يطرح تساؤلات حول كلفة المواجهة مقارنة بعوائدها. ويبرز في هذا السياق إدراك متزايد بأن التفوق العسكري لا يكفي لحسم نزاع تتشابك فيه أدوات القوة الصلبة مع عناصر الضعف الاقتصادي الداخلي.

خامسًا، يلاحظ تحول في مقاربة بعض الدوائر البحثية الغربية تجاه إيران، من اعتبارها «مشكلة» ينبغي احتواؤها أو تغييرها، إلى التعامل معها كفاعل إقليمي ذي وزن لا يمكن تجاوزه. يعكس هذا التحول انتقالًا من منطق الإقصاء إلى منطق إدارة التوازن، بما يعني إعادة إدماج إيران في حسابات القوة ضمن النظام الدولي المتغير.

خلاصة المشهد أن الحرب، وفق هذا المنظور، لم تعد معادلة صفرية تقاس بالمكاسب والخسائر الميدانية فحسب، بل باتت لعبة ذات تبعات اقتصادية وسياسية عابرة للحدود، قد ترتد على القوى التقليدية نفسها. ففي حال اتساع نطاق المواجهة، تواجه الولايات المتحدة مخاطر على بنيتها المالية وهيمنتها الطاقوية، بينما تجد أوروبا نفسها أمام تحديات معيشية وأمنية، في حين يمكن لإيران، عبر توظيف موقعها الجغرافي وأوراقها الاستراتيجية، أن تعزز موقعها في نظام عالمي آخذ في التحول. وتبعًا لذلك، تحذر هذه القراءات من أن الانتصار العسكري في الحروب الحديثة قد يحمل في طياته كلفة اقتصادية واستراتيجية تقوّض أسس القوة ذاتها.

المصدر: “ميدل ايست نيوز”

إضغط هنا لمزيد الأخبار

 

شاهد أيضا :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى