أحداثأهم الأحداثدولي

غزة والمهاجرون والعلاقة بإسرائيل.. الملفات التي تهزّ أوروبا

++ أوروبا تائهة بين اليسار واليمين

الدوحة ــ  الرأي الجديد

تشهد أوروبا تغيرات دراماتيكية معقدة منذ بداية الحرب على غزة، ثم الحرب الروسية على أوكرانيا، وصولا عند الحرب الصهيو أمريكية على إيران وتداعياتها إلى الآن..

تعيش أوروبا اليوم منعطفا أيديولوجيا حادا لم تشهده منذ عقود، فبينما كانت قوى الوسط تحكم قبضتها على المشهد السياسي لعقود متتالية، وتبني تحالفاتها على براغماتية حذرة، ها هي الخريطة تتشقق أمام موجتين متعاكستين تتصادمان بعنف: موجة يمينية متطرفة تتغذى على الخوف وترفع شعارات الهوية والانغلاق، وموجة يسارية تقدمية تستيقظ على وقع أزمات وجودية متراكمة.

وفي هذا السياق المتوتر، جمعت مدينة برشلونة الإسبانية السبت الماضي نسخة رابعة من “القمة التقدمية الدولية” التي تحمل عنوان “دفاعا عن الديمقراطية”، في حين كانت مدينة ميلانو الإيطالية تستضيف في اليوم ذاته تجمعا مقابلا لقادة اليمين المتطرف الأوروبي، وكأن الجغرافيا السياسية قررت أن تكتب مشهدها الأكثر دلالة على هذا الانقسام الحاد.

    البرلمان الأوروبي لا هو يمين.. ولا هو يسار

وفي مقابلات منفصلة للجزيرة نت، قال خبراء وسياسيون أوروبيون إن ثمة قناعة مشتركة تتردد في أروقة هذه المرحلة: ما يجري في أوروبا ليس مجرد تنافس انتخابي، بل معركة قيم حقيقية يتشكل على أرضيتها مستقبل القارة وموقفها من الإنسان اللاجئ، ومن الشعب الفلسطيني تحت الحصار، ومن اتفاقيات الشراكة مع إسرائيل التي باتت محل مراجعة صارمة.

وفي هذا التقرير يفكك هؤلاء المشهد السابق من زوايا مختلفة، ويلتقون عند خلاصة واحدة: اليسار الأوروبي يمتلك الرؤية، لكنه ما زال يفتقر إلى الفعل المؤسسي الذي يحوّل الكلمات إلى واقع.

أما الجرح الأعمق الذي يتقاطع حوله المحللون فهو القضية الفلسطينية، التي باتت معيارا لمصداقية القيم الأوروبية ذاتها؛ فلا يمكن الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان مع تعليق هذه المبادئ حين تُنتهك في غزة والضفة. ومع تزايد الأصوات المطالبة بتعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، يقف اليسار الأوروبي اليوم أمام اختبار تاريخي: هل ينتقل من البيانات الختامية إلى التصويت المنسّق في البرلمان الأوروبي؟

أوروبا في مفترق الطرق

تجسد المشهدية المتزامنة لقمتي برشلونة وميلانو السبت الماضي التناقض البنيوي العميق الذي تعيشه القارة الأوروبية في هذه المرحلة الفارقة.

ففي برشلونة، انعقد ملتقى تقدمي يجمع زعماء من أوروبا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية تحت راية الديمقراطية والتعددية، في حين احتشد في ميلانو قادة اليمين المتطرف من فرنسا وهولندا وإيطاليا ودول أخرى، في أول تجمع علني منذ هزيمة رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان.

ولم يكن هذا التزامن صدفة، بل استعراضا مقصودا لمعادلة الصراع؛ فبينما جاءت ميلانو لتعلن رفض الهجرة وانتقاد بيروقراطية الاتحاد الأوروبي، جاءت برشلونة لتؤسس لرؤية مختلفة تماما تقوم على الاستقلالية الإستراتيجية لأوروبا والسلام والتضامن الدولي.

غير أن اللافت للنظر هو الضعف الذي بات يعتري اليمين المتطرف؛ فحزب الرابطة الإيطالي -الذي نظم تجمع ميلانو- لا يحظى اليوم إلا بـ6 إلى 8% من نوايا التصويت وفق أحدث الاستطلاعات، بعد أن كانت شعبيته تبلغ 17.35% عام 2018، ولا أدل على هذا التراجع من أن هذا التجمع لم يحضره أوربان نفسه، بعد أسبوع واحد فقط من إطاحة الناخبين المجريين به بعد 16 عاما في السلطة.

   رئيس وزراء إسبانيا الذي أعاد لأوروبا جزءا من حجمها

ويقرأ رئيس جمعية أصدقاء الشعب الفلسطيني في مدريد عيسى الصويص هذا التحول بوصفه مؤشرا دالا، “فما حدث في المجر وسقوط أوربان يدل على أن خطاب (الرئيس الأمريكي دونالد) ترامب في طريقه إلى الاندثار، بينما خطاب (رئيس الوزراء الإسباني) بيدرو سانشيز يتجه نحو الصعود”.

ويذهب الصويص -في تصريحاته للجزيرة نت- إلى أن “الشعوب الأوروبية بدأت تنظر إلى رئيس الوزراء الإسباني كأنه القيادي الذي يمثلها”.

سانشيز.. قائد من الأطراف يقتحم المركز

لم تكن إسبانيا مرشحة لأن تتزعم موجة اليسار الأوروبي، فما تزال تحمل في ذاكرتها جروح الأزمة الاقتصادية والتوترات الانفصالية الكتالونية، ومع ذلك، أثبت رئيس الوزراء الحالي أنه قادر على الحكم حتى في القضايا الأكثر إشكالية.

فالحكومة الإسبانية سارعت إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ووجهت نقدا علنيا للسياسات الإسرائيلية، ورفضت منح الولايات المتحدة استخدام القواعد الإسبانية في الحرب على إيران، كما أغلقت المجال الجوي أمامها.

وداخليا، انتهج سانشيز خطابا تقدميا يجمع بين العدالة الاجتماعية، وتقليص الفوارق الاقتصادية، وتعزيز الديمقراطية التشاركية، والانتقال البيئي العادل. وعلى المستوى الأممي، أظهر خطابه خلال قمة برشلونة نزعة واضحة نحو إصلاح الأمم المتحدة لمواجهة السياسات الأحادية لليمين، منددا بالهجمات على النظام الدولي متعدد الأطراف.

ويصف الأكاديمي الفرنسي والكاتب الصحفي بيير لويس ريموند ما تمثله هذه القمة بأنها “محاولة لفتح الطريق أمام إعادة هيكلة اليسار الأوروبي بطريقة تمنحه ما يكفي من التماسك الأيديولوجي لمواجهة تحديات اليمين، خاصة اليمين المتطرف المبني على تفضيل الانطوائية والانعزال وزرع الخوف من الآخر”.

أعمدة اليسار الجديد

ثمة فجوة تاريخية بين ما يُعلنه اليسار الأوروبي من قيم وما يُترجمه فعليا في السياسات. لذا، تبدو إعادة تعريف الأدوات ومنهج العمل أمرا لا مناص منه إذا أريد لهذا التيار أن يتحول من أقلية حسنة النوايا إلى أغلبية فاعلة.

   الصندوق الأوروبي التائه بين اليمين واليسار!!

ويُحدد ريموند 3 أعمدة تقوم عليها رؤيته لليسار إذا أراد أن يتحول من التنظير إلى الفعل المؤثر:

  • التقدم لضمان غد أفضل للجميع.
  • الانفتاح على الآخر واحترام قيمه وتسهيل ظروف اندماجه.
  • نظرة مجتمعية بتحسين المستوى المعيشي والقدرة الشرائية والانخراط في المشاريع الصناعية الكبرى.

ولن يتم ذلك -حسب تصريحات ريموند للجزيرة نت- إلا عبر تكثيف الاستثمارات في التعليم والصناعة، وتيسير الوصول إلى الثقافة، وتوفير ظروف الاندماج للمهاجرين.

أما المستشارة السابقة في مجلس مدينة ميلانو وعالمة الاجتماع سمية عبد القادر فتذهب إلى أبعد من ذلك؛ إذ تشير إلى أن إعادة بناء الرؤية المشتركة تستلزم “الانخراط في نقد ذاتي حقيقي للإخفاقات، وعدم الاكتفاء بالاحتفاء بالقيم التي نُعلنها”، وتنبّه إلى أن الرؤية المشتركة يجب أن تُعاد “انطلاقا من الاحتياجات الملموسة للناس، لا من المنصات البرنامجية لمؤتمرات الأحزاب فقط”.

وتلفت سمية -في تصريحاتها للجزيرة نت- هي الأخرى إلى 3 مرتكزات عملية يجب توفرها لنهضة اليسار في أوروبا:

  • العودة إلى الاهتمام بالجذور المحلية والأطراف والمجتمعات التي تشعر بأنها مهمشة، وهي تنتهي غالبا إلى التصويت الاحتجاجي لليمين.
  • بناء سردية بديلة ذات مصداقية لا تكتفي بقول “لا” لليمين، بل تقترح نموذجا مختلفا وملموسا.
  • تحالفات عابرة للحدود، تماما كتلك التي تُبنى بين الأحزاب التقدمية الأوروبية، إذ إن اليمين منسّق بالفعل على المستوى القاري، وعلى اليسار أن يكون كذلك أيضا.

وعلى الصعيد التطبيقي، يقدم الصويص إسبانيا بوصفها شاهدا حيا على ما يمكن أن يُنجزه اليسار حين يُمسك زمام الحكم، فهي منحت تصاريح إقامة رسمية لنحو 600 ألف شخص، وسهلت إجراءات التوثيق للمقيمين غير النظاميين، وهو ما أسهم في دفع الاقتصاد الإسباني إلى الارتفاع.

غزة غيرت مفاهيم أوروبا

لا يمكن فهم صعود اليسار الأوروبي بمعزل عن الصدمة الأخلاقية التي أحدثتها الحرب على غزة في وعي الجمهور الأوروبي، فما شهده العالم من مجازر وتجويع متعمد وصور الأطفال تحت الأنقاض أفرز تمردا شعبيا حقيقيا ضد وسائل الإعلام التقليدية التي انكشف انحيازها، وبات الجمهور الأوروبي يستقي الأخبار من مصادرها الأصيلة.

هذه الصحوة الجماهيرية نفسها هي التي دفعت نحو 400 وزير وسفير ومسؤول سابق في الاتحاد الأوروبي إلى توقيع نداء عاجل يطالب بتعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد وإسرائيل، وذلك بعد عريضة للمفوضية الأوروبية وقّع عليها أكثر من مليون أوروبي يطالبون بالأمر نفسه.

وهذا التحول الواضح في الموقف الأوروبي هو ما دفع الدبلوماسية السويدية السابقة آن ديسمور لتقرّ بأن “هناك متغيرات جارية في علاقات الاتحاد الأوروبي مع إسرائيل”، مستندة في ذلك إلى أن “عددا متزايدا من سكان الاتحاد الأوروبي يعارضون الانتهاكات الإسرائيلية المنهجية والممتدة منذ زمن طويل لحقوق الإنسان في فلسطين”.

وتُحدد ديسمور التي كانت سفيرة لبلادها في عدة دول بالشرق الأوسط الأهمية الحقيقية لأي مراجعة لاتفاقية التجارة قائلة إن “الاتحاد الأوروبي هو أكبر شريك تجاري لإسرائيل، ولن يكون الأثر الاقتصادي هو الأهم، بل الرسالة السياسية بأن الاتحاد الأوروبي يتحرك ويحاسب إسرائيل على انتهاكاتها لحقوق الإنسان والقانون الدولي”.

وتذهب المستشارة السابقة في مجلس مدينة ميلانو إلى أن “ما يحدث في غزة كارثة إنسانية غير مسبوقة في العصر الأوروبي المعاصر، واتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل يتضمن بنودا خاصة بحقوق الإنسان انتُهكت بصورة متواصلة، وهذا يعني الوقوع في مخالفة هذه البنود”.

ومن زاوية أخلاقية، ينظر الأكاديمي الفرنسي ريموند إلى أن “مواضيع الهجرة والقضية الفلسطينية أحدثت شروخا في الطبقة السياسية الأوروبية”، وأن اليسار لن ينعكس تأثيره على السياسة الخارجية الأوروبية بصورة مؤثرة “إلا إذا كان قد أعاد إثبات نفسه عبر بلورة سياسات فاعلة يمكن قياس تقدمها في كل هذه الموضوعات”.

بيد أن إسبانيا سانشيز -كما يراها الصويص- تقدم مسارا جديرا بالتأمل، فهي لا تتعامل مع الهجرة بوصفها تهديدا بل رافدا اقتصاديا، كما قادت خطاب قطع العلاقات التجارية مع إسرائيل، وتدعم الحل العادل للدولتين، وتطالب بملاحقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قضائيا.

ويخلص الخبراء إلى أن اليسار الأوروبي يمتلك اليوم زخما لم يكن له قبل سنوات قليلة، لكن هذا الزخم ليس كافيا ليصبح أغلبية إلا إذا توفرت له القدرة على الانتقال من مجرد الإعلان والخطابات إلى الفعل الملموس والمستدام.

المصدر: الجزيرة

إضغط هنا لمزيد الأخبار

شاهد أيضا :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى