“المتشددون” يحتجون في إيران ضد الاتفاق.. وتهديد بتحركات أوسع

طهران ــ الرأي الجديد
تصاعدت الهجمات والانتقادات داخل إيران ضد الاتفاق المرتقب مع الولايات المتحدة الذي قد يمهد لإنهاء المواجهة العسكرية وفتح مسار تفاوضي جديد بين البلدين.
وللمرة الأولى، نظم معارضو الاتفاق تجمعاً أمام مبنى وزارة الخارجية الإيرانية، فيما شهدت نقاط أخرى في طهران تجمعات مماثلة، من بينها ساحة “ابن سينا” وساحة “انقلاب”، إضافة إلى احتجاجات في مشهد وعدد من المدن الأخرى.
وردد المحتجون هتافات ضد وزير الخارجية عباس عراقجي، ورئيس البرلمان، ورئيس الوفد المفاوض محمد باقر قاليباف. كما هدد المشاركون بتوسيع نطاق تحركاتهم وتنظيم تجمعات ومسيرات إضافية خلال الأيام المقبلة.
وشارك في هذه التحركات عدد من منتقدي الاتفاق، بمن فيهم نواب في البرلمان وشخصيات مقربة من التيار الأصولي المتشدد، ولا سيما من الدوائر المرتبطة بـ ”جبهة بايداري” (جبهة الصمود). ويُطلق على هذه التحركات اسم “نمی پذیریم” أي “لا نقبل”.
يملأون بعض الساحات
وفي ساحة “ابن سينا” بطهران، رفع المحتجون شعارات من بينها: “يا عراقجي، اخجل واترك البلاد وشأنها”، و”قاليباف وعراقجي، ماذا عن دماء المرشد والشهداء؟”، فيما ركزت الشعارات الأخرى على رفض أي اتفاق لا يلتزم بما وصفه المحتجون بـ”شروط المرشد”. كما حمل المشاركون لافتات كتب عليها: “لا نقبل توقيع أي اتفاق يخالف شروط المرشد”، و”لا نقبل التفاوض من دون الالتزام بشروط المرشد”.
وشهد التجمع حضور عدد من النواب، بينهم حميد رسائي وأمير حسين ثابتي وبيجن نوباوه وكامران غضنفري وآخرون، إضافة إلى شخصيات إعلامية وثقافية محافظة. وطرح المتحدثون انتقادات حادة للاتفاق المحتمل، معتبرين أنه يتجاوز الخطوط الحمراء التي حددها المرشد الإيراني.
وقال النائب المتشدد حميد رسائي إن المرشد “لم يؤيد أو يقبل حتى الآن أي اتفاق”، مضيفاً أن الموقف من التفاوض أو وقف إطلاق النار أو أي اتفاق يعتمد على مضمونه وتفاصيله. كما طالب الحكومة بنشر النص الكامل للتفاهم المتداول إذا كانت النسخ التي يتحدث عنها المنتقدون غير صحيحة.
غير أن التصريحات الأمريكية قوبلت بمواقف أكثر تحفظاً من الجانب الإيراني. فقد أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، أن أي تفاهم محتمل مع الولايات المتحدة لن يكون اتفاقاً نهائياً، بل إطاراً لمواصلة المحادثات. كما قال في تصريحات أخرى بثها التلفزيون الإيراني إن مذكرة التفاهم المنتظرة لن تُوقّع في الموعد الذي تحدثت عنه بعض التقارير.
انتقادات.. وتحذيرات
إعلامياً، حذرت صحيفة “كيهان” المحافظة من أن يؤدي أي اتفاق سيئ إلى تحويل ما وصفته بـ”انتصار الميدان” إلى هزيمة سياسية، مؤكدة أن الولايات المتحدة لا يمكن الوثوق بها استناداً إلى تجارب سابقة مع الاتفاقات الدولية.
وفي المقابل، برزت داخل إيران أصوات تدعو إلى الحفاظ على الوحدة الداخلية وعدم تحويل الخلافات السياسية إلى صدامات علنية. فقد أعاد الحساب الإعلامي المرتبط بالمرشد الإيراني نشر تصريحات تؤكد أن “الوحدة الوطنية من أهم عوامل الانتصار”، داعياً النخب السياسية والبرلمانية إلى تجنب الخلافات العقيمة والحفاظ على التماسك الداخلي.
ودعا وزير الثقافة عباس صالحي إلى الحفاظ على الوحدة الوطنية، محذراً من تحويل الخلافات السياسية إلى انقسامات تهدد تماسك المجتمع الإيراني. كما دعت صحيفة “صبح نو” المقربة من رئيس البرلمان إلى الحذر من محاولات “شق الصفوف” في هذه المرحلة الحساسة.
كما انتقد المحلل السياسي الإصلاحي، أحمد زيد آبادي، ما وصفه بمحاولات بعض المتشددين إفشال الاتفاق عبر تعبئة الشارع، معتبراً أنهم مستعدون لجر البلاد نحو الفوضى وعدم الاستقرار لتحقيق أهدافهم السياسية. وقال إن هذه القوى لا تريد خدمة النظام بقدر ما تريد أن يكون النظام في خدمتها، محذراً من أن استمرار هذا النهج قد يضر بالدولة ومؤسساتها.
انقسامات في الساحة السياسية
من جهتها، خصصت صحيفة “سازندكي” الإصلاحية افتتاحيتها للهجوم على دعوات الاحتجاج، تحت عنوان “دعوة إلى الاضطرابات”، معتبرة أن بعض الشخصيات المحافظة تحاول استخدام الشارع للضغط على مؤسسات الدولة ومنع التوصل إلى تفاهم يتم عبر القنوات الرسمية. كما انتقدت دعوات أطلقها ميثم نيلي، المقرب من “جبهة بايداري”، للنزول إلى الشارع لمواجهة ما وصفه بـ”الاتفاق المذل”.
وتعكس هذه التطورات حجم الانقسام داخل الساحة السياسية الإيرانية بشأن الاتفاق المرتقب مع واشنطن، بين تيار يرى فيه فرصة لإنهاء المواجهة وتخفيف الضغوط، وآخر يعتبره تنازلاً استراتيجياً يهدد المصالح الإيرانية ويقوض ما حققته طهران خلال السنوات الماضية. وفي ظل استمرار الجدل، يبدو أن ملف الاتفاق لن يبقى محصوراً داخل غرف التفاوض، بل بات حاضراً بقوة في الشارع الإيراني أيضاً.
إضغط هنا لمزيد الأخبار
















