أهم الأحداثالمشهد السياسيوطنية

تقرير لـ “فاينانشال تايمز”: أزمة الكهرباء تشعل الغضب الشعبي ضد سعيّد

تونس ــ  الرأي الجديد (صحافة عالمية)

زادت انقطاعات التيار الكهربائي المتكررة، من حدة الغضب الشعبي ضد قيس سعيد، الرئيس “الشعبوي” الذي أطاح بالمؤسسات الديمقراطية في البلاد وأعاد الحكم الفردي.

وأدت موجة الحر الشديدة الأخيرة، التي تجاوزت فيها درجات الحرارة 45 درجة مئوية، إلى زيادة الطلب على الكهرباء، حيث لجأ المزيد من الناس إلى استخدام مكيفات الهواء، مما خلف ضغطًا هائلاً على شبكة الكهرباء المتهالكة، ودفع الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى فرض انقطاعات متناوبة للتيار الكهربائي.

وأثارت انقطاعات التيار الكهربائي، التي ترافقت أحيانًا مع انقطاعات المياه، غضبًا شعبيًا عارمًا، إذ شهدت العديد من المناطق احتجاجات ليلية، وقام شبان بإحراق الإطارات وقطع الطرق.

والأسبوع الماضي، انتظمت مسيرة مناهضة لسعيد في الذكرى الخامسة للاستيلاء على السلطة عام 2021.

وحشدت المسيرة آلاف الأشخاص الذين طالبوه بالتنحي، وهتفوا: “لا كهرباء، لا ماء، فقط سجن وأسعار مرتفعة”.

استياء شعبي
ويتناقض تزايد خيبة الأمل من حكم سعيد تناقضًا صارخًا مع الترحيب الحار الذي حظيت به إجراءاته لتقويض الديمقراطية قبل خمس سنوات، بذريعة مكافحة الفساد وإنهاء سوء إدارة الحكومة، من قبل العديد من التونسيين.

وقد هلّل له أنصاره آنذاك باعتباره منقذًا سيضع حدًا لعقد من الفوضى السياسية والتدهور الاقتصادي الذي أعقب الإطاحة بالدكتاتور زين العابدين بن علي في انتفاضة شعبية عام 2011.

وفي الآونة الأخيرة، تفاقم الاستياء بسبب الشعور بأن الأوضاع لم تتحسن كثيرًا في ظل حكمه، بحسب المحللين.

ووصفت سحر مشمش، مديرة برنامج الاقتصادات الشاملة في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط بالولايات المتحدة، انقطاعات الكهرباء والمياه في تصريح لوكالة الأنباء الفرنسية بأنها “غير مسبوقة في تاريخ تونس الحديث”. وأضافت: “لا يرى الناس أي تقدم، بل إننا نتراجع إلى الوراء… لقد خاب أملهم في الوعود التي قُطعت قبل خمس سنوات”.

سخط يتجاوز النخب
وأشارت إلى أن وتيرة الاحتجاجات ونطاقها الجغرافي “يُظهران أن السخط يتجاوز النخب السياسية والمدنية في العاصمة. وقد تصاعدت هذه الاحتجاجات منذ العام الماضي”.

وذكرت هي وآخرون أن الشركات، بما فيها المطاعم ومزارع الدواجن والألبان ومحلات بيع المواد الغذائية والمصانع، تكبدت خسائر بسبب انقطاعات التيار الكهربائي غير المجدولة في أغلب الأحيان. اشتكى الأطباء من تأثير انقطاع التيار الكهربائي على المستشفيات والمرضى الذين يعتمدون على الأجهزة الطبية المنزلية، مثل أجهزة تكثيف الأكسجين.

وقالت سابرينا، وهي مترجمة تبلغ من العمر 35 عامًا، (فضّلت عدم ذكر اسم عائلتها)، إنها “تتقدم بطلبات عمل في الخارج لأن المستقبل في تونس غامض”. وقد عطّلت انقطاعات التيار الكهربائي عملها، على الرغم من أنها أشارت إلى أنها كانت أقصر في منطقتها المرفهة في تونس مقارنةً ببعض المناطق الأخرى.

وتابعت: “الناس الآن يتحلّون بالشجاعة في توجيه اللوم إلى سعيد، وخاصة الشباب. يدرك الكثيرون، بمن فيهم أنا، أنه كان يغذي آمالنا وأوهامنا فقط”.

 التدهور العام في الدولة
وقال ريكاردو فابياني، مدير قسم شمال إفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، إن سعيد وعد بأن استيلائه على السلطة سيساعد في “إعادة القوة والهيبة إلى مؤسسات الدولة، لكن لم يتحقق شيء على أرض الواقع”، مضيفا: “كان ذلك بمثابة مؤشر على التدهور العام في الدولة”.

وحتى عودة سعيد إلى الحكم المطلق عام 2021، كانت تونس تُعتبر المثال الناجح الوحيد للتحول الديمقراطي الذي انبثق عن انتفاضات الربيع العربي عام 2011.

لكن بالنسبة إلى العديد من التونسيين، لم تُعوّض حرياتهم السياسية الجديدة عن التدهور الاقتصادي وتراجع مستويات المعيشة.

فقد نظروا إلى سياسييهم، بمن فيهم الإسلاميون والعلمانيون، على أنهم انتهازيون يتنافسون على المصالح الشخصية ويتجاهلون مسؤوليات الحكم.

وانتُخب سعيد، وهو محاضر جامعي متقاعد صارم ترشح كمستقل، عام 2019 من قبل التونسيين الذين سئموا من قادتهم.. وخاض الانتخابات بشعار شعبوي لحماية البلاد من “المؤامرات” الداخلية والخارجية، والقضاء على الفساد. واعتُبر فوزه المفاجئ بمثابة توبيخ للطبقة السياسية.

وبعد أقل من عامين، شرع سعيد في تفكيك النظام الذي أوصله إلى السلطة.. عبر تركيز السلطة وشنّ حملات قمع ضد المنتقدين والمعارضين السياسيين السلميين. والزجّ بالعشرات في السجون لقضاء أحكام طويلة.

مؤشرات اقتصادية متدنية
وفي ظل حكمه، ظلّت البطالة مرتفعة عند 15%، بينما كان النمو الاقتصادي عند 2.5% في عام 2025 “معتدلاً مقارنةً بنظرائه”، وفقًا للبنك الدولي.

ولا ​​تملك الدولة المثقلة بالديون سوى احتياطيات تكفي لتغطية واردات ثلاثة أشهر فقط. وقد ساهمت السياحة والتحويلات المالية الدولية والصادرات الزراعية والصناعية في دعم الاقتصاد، لكن دون الزخم اللازم لخلق فرص عمل وتحقيق الازدهار، بحسب المحللين.

يُذكر أن سعيد رفض قرضًا بقيمة 1.9 مليار دولار من صندوق النقد الدولي في عام 2023، مصرحًا بأنه لن يقبل بشروط المُقرض.

ومع ذلك، لم يُقدّم رؤية اقتصادية بديلة، بحسب النقاد، وغالبًا ما يلجأ إلى إلقاء اللوم على الفساد في المشاكل الاقتصادية.

مسؤولون في قفص الاتهام
وأشارت بعض التقارير إلى أن انقطاع التيار الكهربائي قد يكون ناجماً عن أعمال تخريب، وحذرت من معاقبة المسؤولين الذين يثبت تقصيرهم في أداء واجباتهم. وأفادت التقارير بأن السلطات القضائية قد بدأت تحقيقات واستجوبت مسؤولين جهويين في قطاعي الكهرباء والمياه في بعض المحافظات.

وقد أثار هذا الأمر رد فعل غاضب من الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل صلاح الدين السالمي، الذي اعتبر أنّ “إلقاء اللوم على موظفي الدولة في سوء الخدمات العامة “لا يخدم الحقيقة ولا يساهم في حل المشكلات”.

من جهته ذهب حمزة مدب، الباحث في مركز مالكولم إتش كير كارنيغي للشرق إلى القول إنّ “الأسباب الحقيقية لهذه المشكلات تكمن في مزيج من نقص الاستثمار في قدرات توليد الطاقة وعدم القدرة على استيراد المزيد من الغاز من الجزائر بسبب ضائقة مالية تعاني منها الدولة”.

وأضاف: “لا بد من وجود كبش فداء.. دائماً ما يوجد خونة ومتآمرون يتآمرون في الخفاء، وليس الأمر أن هناك مشكلة هيكلية”.

شاهد أيضا :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى