أزمة الكهرباء في تونس: من انتهاك للثروات.. إلى أزمة مشروع.. والخناق أجنبي

بقلم / جنات بن عبد الله
أثارت مصادقة البرلمان التونسي على 5 مشاريع قوانين لزمات في قطاع انتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة في جلسة عامة بتاريخ 28 أفريل 2026، جدلا واسعا في عدة مستويات.
وتعمق هذا الجدل وأخذ أبعادا خطيرة، بعد الانقطاعات الدورية للتيار الكهربائي التي بدأت يوم 17 جويلية وتتواصل الى حد شهر سبتمبر الجاري حيث تسببت هذه الانقطاعات في معاناة الشعب التونسي على المستويين الاجتماعي والاقتصادي.
في ظل هذه المعاناة وقف التونسيون على تضارب وتناقضات في الاطروحات والتبريرات بين الطرف السياسي بشقيه الحكومي والرئاسي من جهة، والطرف النقابي والمختصين الاقتصاديين والمهندسين من جهة ثانية.
ففي الوقت الذي بررت فيه الحكومة الطابع الاستعجالي لتمرير هذه اللزمات لإنقاذ البلاد من صائفة صعبة بسبب العجز المزدوج المالي والطاقي التي تعاني منه شركة “الستاغ”، لتوقف نزيف العملة الصعبة الموجهة لتوريد الغاز الطبيعي من الجزائر وتحقيق الانتقال الطاقي، اعتبر الخطاب الرسمي ان انقطاع الكهرباء هو عمل مدبر ويدخل في إطار المؤامرة على البلاد تقف وراءها أطراف تعمل على ضرب السلم الاجتماعي والاستقرار السياسي.
اما الطرف النقابي فقد كان رافضا لهذه اللزمات ولتبريرات السلطة بشقيها بخصوص الانقطاعات الكهربائية، حيث اعتبر عقود اللزمات “جريمة اقتصادية واجتماعية في حق الشعب التونسي وتكرارا مشوها لتجربة التسعينات التي عرفتها البلاد”، واصفا هذه العقود “بعقود الإذعان للمستثمر الأجنبي على خلفية خطورة بنود التحكيم الدولي والشراء الالزامي الكامل لإنتاج الشركات الأجنبية من الكهرباء والشراء بالعملة الصعبة”.
اما بخصوص الانقطاعات الكهربائية فقد كشف الطرف النقابي حقيقة سياسة الحكومات قبل الثورة وبعدها المتعمدة “لخنق شركة الستاغ ماليا” طيلة عقود على خلفية شح موارد ميزانية الدولة مما تسبب في تآكل المعدات والشبكات التي أصبحت عاجزة على تغطية حاجيات المواطن في هذه الصائفة.
جذور الازمة وعقدة المديونية
مع تواصل انقطاعات التيار الكهربائي والتي تعمقت مع موجة الحر غير المسبوقة التي تمر ببلادنا، ونظرا للآثار الخطيرة التي تسببت فيها هذه الانقطاعات شملت فقدان افراد من العائلة التونسية وافلاس عديد الأنشطة الاقتصادية، تنامت حركة الغضب الشعبي خاصة في ظل غياب حلول استعجالية توقف نزيف الخسائر البشرية والاقتصادية والمالية.
ولئن عرفت بلادنا في سنوات سابقة، انقطاعات للتيار الكهربائي لساعات بسبب اعطال فنية عابرة فان ما تشهده هذه الأشهر هو سابقة في تاريخ البلاد منذ الاستقلال الى اليوم حيث تحول الانقطاع من حادث فني الى واقع معيشي يومي.
ما تعرض له الطرف النقابي في طرحه من ربط بين الانقطاعات ولزمات الطاقة الشمسية ليس من باب المبالغة ولا التضليل بل هو طرح يستند الى تاريخ لزمات الكهرباء في العالم حيث عرفت فترة التسعينات من القرن الماضي موجة خصخصة واسعة في عديد الدول التي انخرطت في تطبيق برنامج الإصلاح الهيكلي لصندوق النقد الدولي.
موجة الخصخصة.. البداية بالارجنتين
موجة الخصخصة هذه قادها البنك الدولي الوكيل الرسمي للشركات العالمية والراعي لمصالحها في دول استدرجت الى الاقتراض والتداين وفرضت عليها برامج أطلق عليها تصحيحية للمسار الاقتصادي صممت كمدخل لنهب ثروات الشعوب تحت عباءة التحرير الاقتصادي والانفتاح والاندماج في العولمة تولت الحكومات القائمة على تنفيذها في إطار سياسة إعلامية تضليلية تعمل على شيطنة كل ما هو وطني ويخدم أولويات الشعوب.
في هذا السياق أقدمت الارجنتين على خصخصة شركتها الوطنية بالكامل لتتحول هذه التجربة الى نموذج كارثي عرفه تاريخ الخصخصة مع المؤسسات المالية الدولية والذي افرز احتجاجات شعبية واسعة.
ففي سنة 1992 وتحت ضغط ديونها الخارجية والاملاءات المباشرة لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي أصدرت الارجنتين قانونا يقضي بالتفويت في الشركة الوطنية العمومية للكهرباء وتقسيم القطاع الى أنشطة ثلاث الإنتاج والنقل والتوزيع.
لحظة مصادقة البرلمان التونسي على لزمات الطاقة
ولتمرير هذه العملية تبنت الحكومة سياسة إعلامية تضليلية زينت فيها مزايا الاستثمار الأجنبي وما سيدره على البلاد من عملة صعبة ونقل للتكنولوجيا سيخفف على ميزانية الدولة ضغوط الديون الخارجية.
ووسط رفض شعبي واسع تمت عملية الخصخصة الكاملة عبر البرلمان بالمصادقة على مشروع القانون عدد 24.065 لسنة 1992 المتعلق بالهيكلة الجديدة لقطاع الكهرباء، مع قبول الشروط المجحفة التي فرضتها الشركات الأجنبية بمباركة من البنك الدولي المتمثلة أساسا في ربط فاتورة الكهرباء بالدولار الأمريكي عوضا عن العملة المحلية حماية للمستثمر الأجنبي من مخاطر الصرف عند تحويل الأرباح الصافية للخارج.
وفي سنة 2001 دخلت الارجنتين في واحدة من أعمق الازمات الاقتصادية حيث انهارت عملتها المحلية وعجز المواطن عن دفع الفواتير لتتوقف الشركات الأجنبية عن الإنتاج وتشغيل المحطات وتطالب الدولة بالترفيع في التعريفة او دفع تعويضات بالعملة الصعبة، لتدخل البلاد تحت نظام “تخفيف الاحمال” امتد على شهور.
التجربة الأرجنتينية كانت درسا، لمن يتعظ ويقرأ التاريخ، حيث لعب الشارع دورا مركزيا في تغيير الوجهة، لتسارع الحكومة الى فرض غرامات على الشركات الأجنبية وتجميد الأسعار في خطوة نحو اعادة تأميم الشركة الوطنية وسيطرة الدولة على شبكات النقل والتوزيع.
صناعة العجز المالي
ولئن اتفقت التجربة في جنوب افريقيا مع تجربة الارجنتين في النتائج والرفض الشعبي فقد كانت بداية الشرارة مختلفة في جنوب افريقيا.
ففي الارجنتين تمت عملية الخصخصة بطريقة مفاجئة ودون مقدمات رغم مرورها بالبرلمان، في حين اتبعت حكومة جنوب افريقيا، وبتوصية من البنك الدولي، سياسة الخنق المالي المتعمد وتجميد الاستثمار مما أثر على قدرات الشركة الوطنية “اسكوم” والتزاماتها تجاه المواطن.
وفي تناغم مع تقاليدها المعادية للشعوب التي تقوم على انجاز المشاريع في اطار صفقات “القانون مقابل القروض” اعد البنك الدولي بالتواطئ مع الحكومة مشروع قانون إعادة هيكلة قطاع الكهرباء وعرض على البرلمان في صيغة منمقة تخفي حقيقة خصخصة قطاع الكهرباء بطريقة مباشرة تحت مسمى “التقرير الأبيض للسياسة الطاقية”، حيث جاء في أحد فصوله: ان الدولة ستتوقف تماما عن رصد أي تمويلات عمومية لبناء محطات توليد جديدة وسيتم تجميد توسع شركة “اسكوم” ماليا، على ان يفتح قطاع التوليد مستقبلا بنسبة 30 بالمائة للقطاع الخاص والخواص، وذلك عن طريق اللزمات أوالشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص.
وكما كان الحال في الارجنتين، وفي ظل تجميد الاستثمار العمومي وشجع الشركات العالمية التي تجري وراء الربح الكبير والسريع على حساب احترام التزاماتها المتعلقة بالاستثمار والصيانة وبناء المحطات، انهارت الشبكات ودخلت جنوب افريقيا في نفق الانقطاعات التي لم تقتصر على الأشهر بل امتدت الى سنوات متواصلة.
للخروج من النفق المظلم لم تقدم حكومة جنوب افريقيا على الغاء قانون سنة 1998 بل تجاوزته من خلال اتخاذ قرارات تضرب جوهره بضخ الأموال في المؤسسة العمومية لتعود الى العمل بكامل قدراتها وكفاءاتها الوطنية لتسيطر من جديد على السوق وبالعملة المحلية.
الخديعة التشريعية المحنطة
في تسعينات القرن الماضي لم تخرج تونس عن صراط خصخصة قطاع الكهرباء الذي وضعه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في الدول التي تطبق برنامج إصلاحات هيكلية يقوم على سياسة تقشفية تفرض على الدولة تجميد استثماراتها في القطاع العمومي.
شركة ستاغ: ضحية سياسات
في هذا السياق كانت الشركة التونسية للكهرباء والغاز من الشركات التي تضررت من هذه السياسة لتبحث عن تمويلات خارجية لمواجهة الطلب على الكهرباء. وباعتبار الصيغة التنموية لمثل هذه المشاريع ذات الصبغة الاجتماعية كان التوجه نحو البنك الدولي الذي رفض منح الشركة التونسية للكهرباء والغاز قرضا لبناء محطة توليد في رادس لتفادي الانقطاعات والظلام الشامل بنفسها واشترط صراحة: “لن تحصل تونس على قروض لدعم الميزانية او لتمويل قطاع الطاقة الا إذا الغت احتكار الدولة وفتحت انتاج الكهرباء للشركات الخاصة الأجنبية”.
في هذا السياق تم تمرير مشروع القانون عدد 27 لسنة 1996 المؤرخ في 1 أفريل 1996 المتعلق بتعديل القانون عدد 8 لسنة 1962 الخاص بإنشاء الشركة التونسية للكهرباء والغاز، في البرلمان والمصادقة عليه دون معارضة او نقاش.
ويرمي هذا التعديل الى إلغاء احتكار الدولة والشركة التونسية للكهرباء والغاز لإنتاج الكهرباء حيث نص صراحة على السماح للدولة بمنح لزمات لفائدة الذوات المعنوية والشركات الخاصة، سواء كانت تونسية او اجنبية، لإنتاج الكهرباء قصد بيعه حصريا ويصفه اجبارية للشركة الوطنية.
هذا التعديل قوبل برفض قوي من قبل أطراف نقابية حاصرتها الأجهزة الأمنية اثناء تمرير المشروع على البرلمان، تمثل كفاءات “الستاغ” والمهندسين الذين حذروا في تقارير داخلية سرية من ان هذا المشروع سيكبد الدولة خسائر فادحة بالعملة الصعبة ويسلم سيادة البلاد الطاقية للأجنبي.
وصفات محنطة وقوانين مستنسخة
يمتلك البنك الدولي وصندوق النقد الدولي نموذجا تشريعيا موحدا يقومان بفرضه على الدول النامية الغارقة في المديونية مع تغيير المسميات واللغة وذلك في تناغم مع متطلبات ما يسمى بإجماع واشنطن.
وبالرجوع الى القوانين الثلاثة، قانون الارجنتين 1992، وقانون جنوب افريقيا 1998، وقانون تونس 1996 نجد انها متطابقة وتهدف الى فتح الباب امام المستثمر الأجنبي لجمع الأرباح وتحويلها للخارج دون مخاطر، وافراغ خزينة الدولة، ونهب الاحتياطي من العملة الصعبة، وتركيع الشعوب وتعميق معاناتها وذلك من خلال مسارات أربعة:
ــــ أولا، الغاء احتكار الدولة وتجريدها من سيادتها على الطاقة. وقد جردت الشركات الوطنية الثلاث في الارجنتين وجنوب افريقيا وتونس بقوة القانون من حقها الحصري في توليد الكهرباء.
ــــ ثانيا، فرض عقود الإذعان حيث تتطابق النصوص القانونية في البلدان الثلاث في طبيعة الامتيازات الممنوحة للشركات الأجنبية والمتمثلة في بند الشراء الالزامي للشركة الوطنية بشراء كل ما تنتجه الشركة الأجنبية حتى وان زاد عن حاجتها، وبند ربط تسعيرة الفاتورة بالدولار وليس بالعملة المحلية لحماية المستثمر الأجنبي من مخاطر الصرف وتحويل الأرباح الصافية دون قيود.
ــــ ثالثا، التنصيص على الخنق المالي للشركة الوطنية وذلك من خلال تجميد الاستثمار العمومي المباشر.
ــــ ورابعا، اللجوء للتحكيم الدولي لتسوية النزاعات وذلك لقطع الطريق امام الحكومات لتغيير القانون.
ما يلاحظ ان هذه القوانين التي تترجمها عقود اللزمات صممت على أساس محاصرة الدولة ومنعها من تغيير القوانين، وتفكيك المؤسسة العمومية والقضاء عليها، وتركيع الشعوب ومصادرة حقها في ثرواتها وفي مقومات العيش الكريم.، ومنعها من التعبير عن غضبها ومن تغيير الواقع واي تحرك في هذا الاتجاه تلاحق الشركات الأجنبية هذه الدول وتقاضيها في المحاكم الدولية وتجبرها على دفع تعويضات خيالية.
أول لزمة في تونس
كشفت التجربة ان البنك الدولي لا يتحرك كممول للدول النامية في مشاريع مقاومة الفقر بل يعمل كقناص للمشاريع المربحة ذات المخاطر الصفرية لفائدة الشركات العالمية في البلدان النامية. وبالنسبة للحالة التونسية فان دور البنك الدولي في مجال الخصخصة الجزئية للشركة التونسية للكهرباء والغاز في إطار اللزمة لم يقتصر على صياغة قانون الغاء الاحتكار بل الاشراف على اعداد مسرحية الاستثمار بدءا من رفض اقراض الستاغ لبناء محطة رادس الى فتح الباب لشركات عالمية كانت تنتظر وراء الأبواب.
في هذا السياق تولت المؤسسة المالية الدولية الذراع الاستثماري المباشر لمجموعة البنك الدولي هي من صياغة كراس الشروط وترتيب طلب العروض الدولي والقيام بعملية التمويل بالدولار.
فاز في هذه الصفقة مجمع شركات اجنبية أسس بالمناسبة شركة محلية سميت شركة قرطاج للطاقة برأس مال يتكون من 60 بالمائة مساهمة أمريكية و40 بالمائة مساهمة يابانية.
صندوق النقد الدولي.. سبب الأزمة
كلفة مشروع محطة رادس 2 قدرت في حدود 261 مليون دينار لم يدفع منها مجمع الشركات الذي فاز بالصفقة سوى 20 بالمائة والبقية 80 بالمائة كان قرضا من المؤسسة المالية الدولية التابعة للبنك الدولي والبنك الياباني للتعاون الدولي. وتفيد الوثائق المالية المبرمة آنذاك ان خزينة الدولة التونسية وجيب المواطن هما الضامن القانوني الفعلي تجاه المؤسسات الدولية في حال عجز الشركة عن سداد أقساط القرض.
ووفقا لتقارير دائرة المحاسبات (المحكمة الإدارية الرقابية) فقد كانت طبيعة عقد اللزمة مريحة جدا للمستثمر الأجنبي حيث ضمنت له تدفقات نقدية مستقرة وخالية من مخاطر الصرف.
تحميل الستاغ .. المسؤولية
فبمقتضى بنود العقد التزمت الشركة التونسية للكهرباء والغاز، بتوفير الغاز الطبيعي اللازم لتشغيل المحطة مجانا. كما التزمت بمقتضى بند “الشراء أو الدفع” بدفع ثمن القدرة الإنتاجية للمحطة بالكامل وهي 471 ميغاوات سواء مهما كانت احتياجات السوق.
في هذا السياق نشير إلى أن القيمة الشهرية التي التزمت بدفعها “الستاغ”، قد ضبطت بطريقة رياضية دقيقة لتغطي أقساط القروض الدولية التي اقترضتها الشركة لبناء المحطة، ومصاريف التشغيل والصيانة اليومية للمحطة، وهامش الربح الصافي.
ليتضح في الأخير أن المواطن التونسي وعبر فواتير الكهرباء، التي يعجز عن تفكيك رموزها، هو الذي مول المشروع طيلة 20 سنة، مضافا إليه أرباح المستثمر الأجنبي أضعافا مضاعفة.
من جهة أخرى، تعهد البنك المركزي التونسي بتقديم ضمانة سيادية مطلقة بتوفير العملة الصعبة للشركة لتحويل أرباحها الصافية واقساط القروض لمدة 20 سنة، وذلك على حساب الادوية والمواد الاساسية للشعب التونسي في صورة وقوع ازمة شح في العملة الصعبة بالبلاد.
وفي الوقت الذي تروج فيه الحكومات والبنك الدولي، أن نظام اللزمات هو “استثمار مجاني يكسب الدولة محطة توليد كهرباء دون تحمل أعباء ديون جديدة”، هو مغالطة كبرى، بل إن الأمر أخطر من ذلك فعقود اللزمة في الأخير، هي واجهة لنهب أموال الشعوب.
إعادة تكرار الازمات
اقتصرت التجربة التونسية في مجال خصخصة الكهرباء في تسعينات القرن الماضي على ابرام عقد لزمة وحيد مع شركة قرطاج للطاقة فقد حالت الوثائق المالية للبنك المركزي التونسي المتعلقة بتحويلات كبيرة للأرباح الصافية من جهة، ووثائق الشركة التونسية للكهرباء والغاز المتعلقة بتسجيل نزيف حقيقي من العملة الصعبة مقابل توريد الغاز الطبيعي دون اعادة التجربة التي شكلت عبئا ماليا ثقيلا فاق بكثير كلفة الاقتراض المباشر.
هذه النتائج الى جانب الرفض الذي مارسته النقابة والمهندسون داخل إدارة الشركة التونسية للكهرباء والغاز شكلا ضغطا قويا ليقرر النظام العودة الى نموذج القروض العمومية المباشرة بدلا من منح لزمات جديدة للشركات الأجنبية حيث تفاوض مع الصناديق العربية والأوروبية للحصول على قروض تنموية ميسرة لبناء 6 محطات توليد كهرباء خارج نظام اللزمات.
هذه المحطات الست أنجزت كلها كاستثمارات عمومية تابعة للشركة التونسية للكهرباء والغاز بطاقة اجمالية إضافية تقدر بـ 2376 ميغاوات، ودخلت حيز التشغيل بعد الثورة وهي، محطة بئر مشارقة (2013)، محطة سوسة (2014 – 2015)، محطة بوشمه (2016)، محطة المرناقية (2017 – 2020)، محطة غنوش (2011)، محطة رادس-ج (2019 -2022).
بعد 22 سنة…
لا نستغرب ان يسجل رئيس الحكومة يوسف الشاهد في سيرته المهنية كرئيس حكومة 2016 -2019 توقيع ثاني لزمة في مجال الطاقة بعد 22 سنة عن ابرام اول لزمة في تاريخ تونس في عهد الرئيس المخلوع بن علي. ورغم ان حكومته كانت في نهاية عهدتها وتعمل بصفتها حكومة تصريف اعمال ومستقيلة سياسيا فقد تسنى، في ظل الفراغ السياسي، تمرير اتفاقية مبدئية للزمة طاقة ثانية في تاريخ تونس متعلقة بمحطة القيروان في ديسمبر 2019، مهد لها القانون عدد 12 لسنة 2015 المتعلق بإنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة.
وجاء تمرير هذه الاتفاقية في ظل تضليل إعلامي ممنهج روج للاتفاقية على انها طوق النجاة الاستراتيجي العاجل لإنقاذ التونسيين من الظلام، مع حجب لحقيقة شروط العقد التي كانت تكرارا لعقد محطة رادس 2 حيث تلتزم الدولة فيه بنفس الشروط وهو الدفع الاجباري لشراء الإنتاج طوال ربع قرن وبالعملة الصعبة.
ولكن قبل تاريخ 2019 شكل تمرير مشروع القانون عدد 12 لسنة 2015 المتعلق بإنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة محطة تشريعية تاريخية مريرة باعتباره استكمل تفكيك احتكار الشركة التونسية للكهرباء والغاز في انتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة.
أعمال شركة “ستاغ”
فقد تمت صياغة مشروع القانون في عهد حكومة المهدي جمعة ومررته حكومة الحبيب الصيد مقابل تأمين البنك الدولي وصندوق النقد الدولي السيولة لدفع رواتب الموظفين.
فقد وضع صندوق النقد الدولي في ذلك الوقت شرطا تعاقديا جاء فيه انه لن يتم صرف بقية أقساط القروض لدعم ميزانية الدولة الا إذا صادق البرلمان التونسي على قانون ينهي احتكار الشركة التونسية للكهرباء والغاز ويسمح للشركات الأجنبية بإنتاج وتصدير الطاقة.
هذا القانون شكل البيئة التشريعية التي فتحت الباب امام اللزمات الخمس التي صادق عليها البرلمان في افريل 2026، قانون إضافي في جراب الدولة التونسية والشعب التونسي لمزيد محاصرته وسلب سيادته.
إضغط هنا لمزيد الأخبار
















