لماذا اختطفت إسرائيل “صائد الجواسيس” في غزة؟

غزة ــ الرأي الجديد
وبالرغم من ذلك، وبعيدا عن الضجيج الدعائي، يطرح الحدث سؤالا أكثر تعقيدا: هل يمكن بالفعل اعتبار اعتقال شخصية فلسطينية، مهما كانت أهميتها، إنجازا كبيرا لـ”إسرائيل” التي خاضت حربًا طويلة استخدمت خلالها كل ما تملك من قوة عسكرية واستخبارية، وأنهكت القطاع الصغير الذي تفرض عليه حصارا مطبقا بعد أن دمرته؟
من الاغتيال إلى الاختطاف
قالت هيئة البث الإسرائيلية، إن “إسرائيل” خططت لاغتيال العرابيد من الجو في البداية، ولكن في الأسابيع الأخيرة عدلت عن هذه الخطة وقررت اختطافه واستجوابه في عملية خاصة مشتركة بين الشاباك والقيادة الجنوبية”.
وزعمت الهيئة أن العملية “تم التخطيط لها منذ أشهر، بإشراف مقر العمليات الخاصة التابع للشاباك وبمشاركة عناصر من الجهاز نفسه، إلى جانب ميليشيات تعمل بالتعاون مع إسرائيل”.
لماذا أرادته “إسرائيل” حيا؟
وبحسب المحلل العسكري في صحيفة “هآرتس” عاموس هارئيل، كان العرابيد يرأس مجموعة أمنية متخصصة في تحديد العملاء العاملين لصالح “إسرائيل”.
وقال هارئيل إن “حماس تدير عددًا من المجموعات المعنية بالأمن الداخلي”، موضحًا أن إحداها تركز على جمع معلومات عن الجيش الإسرائيلي و”الشاباك”.
وأضاف: “أما المجموعة الأخرى، التي كان يرأسها العرابيد، فتتخصص في تحديد العملاء والجواسيس العاملين لصالح إسرائيل”.
وقال: “يمثل اعتقاله فرصة كبيرة لإسرائيل، فاستجوابه قد يكشف ما تعرفه حماس عن الشبكة التي تديرها إسرائيل في غزة”.
ويوضح ذلك، وفق الرواية الإسرائيلية، سبب العدول عن اغتيال العرابيد جوا والتوجه إلى اختطافه حيًا ونقله للاستجواب.
رسائل العملية
المحلل السياسي، وسام عفيفة قال في حديث خاص لـ”عربي21″، إن الاحتلال يحاول إرسال جملة من الرسائل من خلال هذه العملية، سواء على الصعيد الداخلي الإسرائيلي أو على صعيد الأوضاع في غزة، ملخصا ما جرى في الرسائل التالية:
استعراض انتخابي: الحدث مرتبط بالموسم الانتخابي الداخلي في “إسرائيل”، وهذا بدا ظاهرا من خلال البحث عن عمليات أمنية استعراضية، كالتي حدثت مع العرابيد، ذلك أن الائتلاف الحاكم يحتاج إلى البحث عن انجازات عسكرية، وهذه هي الورقة الأساسية والمركزية التي يمكن أن يمررها الآن للمجتمع الإسرائيلي الداخلي والناخب.
تجديد بنك الأهداف: يسعى الاحتلال خلال الأسابيع والشهور الأخيرة إلى تنفيذ عمليات الاختطاف والاغتيال في قطاع غزة، وهذا الأمر جرى تنفيذه خلال الأسابيع الماضية ولكن من خلال ميليشيات، وهناك أكثر من عملية توغل واختطاف لعناصر يعتقد أنهم مرتبطون بالمقاومة.
ويبدو أن الاحتلال يرى بأن بيئة المقاومة بعد الاستهدافات الأخيرة واغتيال أعداد كبيرة من المستويات القيادية تحتاج إلى تجديد بنك الأهداف، وذلك بالاقتراب أكثر مما تبقى من بيئة المقاومة والتي بدورها تعيد ترتيب أوراقها وهيكليتها باستمرار، ولذلك لا يعتمد الاحتلال على الاغتيالات فحسب، بل يذهب إلى تنفيذ عمليات اعتقال واختطاف باعتبار أنها مفيدة له، فمن خلال التحقيقات يستطيع أن يجدد ويحدث المعلومات لديه.
فرض أمر واقع: ينظر لهذه العمليات بأنها تأتي في سياق فرض أمر واقع من حكومة الاحتلال على ما تسمى خارطة الطريق التي بقيت”حبرا على ورق” وبقيت تراوح مكانها بين ملادينوف، والإدارة الأمريكية والفصائل وحماس التي وافقت عليها.
وفي هذا إشارة ودلالة على الفشل في احتواء الموقف الاسرائيلي الرافض في تنفيذ الخطة، والدليل استمرار مثل هذه العمليات وهذا التوغل العميق في غزة والانتهاكات المستمرة، وتنفيذ إغارات مكثفة من الجو تعطي إشارة ودلالة بأن الحرب لم تنته.
بيئة أمنية معقدة وواقع فريد
شدد عفيفة على أن البيئة الأمنية في غزة مختلفة تماما عما كان عليه الواقع والوضع قبل الحرب، أي قبل ثلاث سنوات من المواجهة والحرب والاستنزاف وتغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي العميق، لافتا إلى ما يعترف به اليوم رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو بالسيطرة على سبعين في المئة من قطاع غزة، ما يعني أن الكثافة السكانية تتركز في حوالي ثلاثين في المئة فقط، وهي بيئة أصبحت مراقبة ومتابعة على مدار الساعة وجوا وبرا وبحرا ومن خلال العناصر البشرية المرتبطة بها الجواسيس، وبالتالي فإن هذا واقع أمني فريد من نوعه لم يكن أو يسبق لقطاع غزة أنه وصل إلى هذا المستوى أو هذه البيئة.
ورأى هذا أمر يطرح تساؤلات حول مدى قدرة المقاومة على استيعاب اللحظة الراهنة بمعطياتها الأمنية الجديدة، في ظل ما يمكن أن نسميه الآن المعركة على والجغرافيا حيث المساحة المحدودة التي يتواجد فيها الناس والسكان والمقاومة.
وأضاف: “الاحتلال حاول من خلال هذه العملية أن يسبق المقاومة بخطوة وأن يعيد تموضعه الأمني، قبل أن تستوعب اللحظة الأمنية الراهنة وتعيد تسديد صفوفها، وبالتالي هذا واقع جديد، ولا شك أن هذه العملية أضاءت الضوء الأحمر لدى المقاومة وستجبرها على أن تستحضر العبر والدروس لما حدث، لأن ما جرى محاولة لقطع أي إمكانية لإعادة ترتيب المنظومة الأمنية في قطاع غزة، على اعتبار أن الاحتلال يريد أن تبقى المنظومة الأمنية المقامة تحت ضغط واستنزاف مستمر وألا تلتقط أنفاسها”.
رواية وزارة الداخلية في غزة
وقالت وزارة الداخلية في غزة إن العملية بدأت بغارات إسرائيلية مكثفة على منطقة الكتيبة، قبل تسلل القوة الخاصة باستخدام مركبات مدنية.
وبحسب الوزارة، اشتبك العرابيد مع القوة المتسللة قبل إصابته واختطافه، فيما قتلت زوجته وأصيب عدد من أبنائه خلال الهجوم.
وتتفق الروايتان الفلسطينية والإسرائيلية على أن العملية انتهت بإصابة العرابيد ونقله إلى إسرائيل، لكنهما تختلفان بشأن تفاصيل التنفيذ وهوية المشاركين فيها.
وفي بيان رسمي، قال الجيش و”الشاباك” إن “قوات خاصة تابعة للشاباك” داهمت مبنى بمدينة غزة واعتقلت العرابيد، دون الإشارة إلى مشاركة ميليشيات متعاونة فيما أكدت وزارة الداخلية في غزة أن من نفذ هذه العملية قوة خاصة إسرائيلية.
إضغط هنا لمزيد الأخبار
















