صدام في الشمال.. ممر مائي ينذر بحرب لا تبقي ولا تذر

بحر قزوين ــ الرأي الجديد
يطلق جندي طائرة مسيرة رخيصة بقيمة 350 دولاراً، وعندما تصيب سفينة يتضور آلاف الناس جوعاً شرقاً وغرباً، ويرتفع مؤشر الخطر، ما ينذر بحرب لا تبقي ولا تذر.
يحصل ذلك في ممر مائي عريق كان خاضعاً ذات يوم للإمبراطورية العثمانية. وعلى مر التاريخ، تصادمت فيه مصالح الأقوياء، وشهد صراعات وحروباً بين كثير من الشعوب؛ كالإغريق والرومان والبيزنطيين والقوط، وقبائل الهون والآفار والبلغار، والصليبيين، وشعب البندقية، والتتار.
وبشكل لافت، يستعيد هذا الممر زخمه، فتتصارع فيه اليوم إرادات ومصالح الأتراك والروس والأوكرانيين ودول الناتو وأمم أخرى، ويتطاير منه شرر يقتل الناس ويغرق السفن.

وفي الغالب تكون هذه السفن محملة بآلاف الأطنان من القمح الذي يستحوذ الروس والأوكرانيون على 30% من إنتاجه على مستوى العالم.
وهذه ليست المرة الأولى التي يكون فيها البحر الأسود مسرحاً لعمليات عسكرية تهدد البشرية في أرواحها وأقواتها، لقد حصل ذلك في 2022.
روسيا وأوكرانيا.. طرفا التصعيد
والجديد الآن انشغال القوى الدولية بالحرب الأمريكية الإيرانية وتداعياتها على مضيق هرمز، مما يجعل التصعيد في البحر الأسود جبهة منسية تقريباً.
بيد أن اشتعال هذه الجبهة من جديد لا بد أن يفرض نفسه قريباً على المسرح الدولي لأنها تمس أقوات الناس في مختلف أنحاء العالم.
رسمياً، طرفا التصعيد هما روسيا وأوكرانيا اللتان تخوضان حرباً قاتلة، خلفت حتى الحين نحو مليوني قتيل وجريح، وفق تقديرات.
وقد بدأت الحرب في 24 فيفري 2022، عندما غزت روسيا الشرق الأوكراني لمنع كييف من الانضمام إلى حلف الناتو وفتح حدودها أمام جيوش الغرب، ولم تتوقف منذ ذلك الحين.
وقالت روسيا إنها نفذت ضربات ضد أربع سفن وبنية تحتية للموانئ في جميع أنحاء أوكرانيا، وسط تقارير تقول إن البحر الأسود أصبح أخطر بيئة في العالم للشحن التجاري.
وقبل 3 أيام فقط، قال رئيس شركة روس آتوم الروسية الحكومية للطاقة النووية أليكسي ليخاتشوف إن مسيرتين أوكرانيتين أصابتا سفينة مدنية تابعة للشركة كانت تبحر في البحر الأسود -خلال الليل- فأغرقتاها.
كذلك زعم الجيش الأوكراني أنه هاجم أربع ناقلات روسية في البحر الأسود وبحر آزوف.
وفي ملمح على حجم التصعيد، قال قائد قوات الأنظمة المسيّرة الأوكرانية روبرت بروفدي -عبر تطبيق تلغرام- إن ما مجموعه 205 ناقلات (130 في بحر آزوف و75 في البحر الأسود) جرى قصفها خلال الأسابيع الثلاثة الماضية.
ووصفت تقارير صحفية هذه الهجمات بأنها حملة بحرية عشوائية، تتجاوز الأهداف العسكرية إلى ضرب السفن المحملة بالقمح والنفط والحديد، وغير ذلك من السلع.

شظايا تستدرج أطرافا أخرى
لكن شظايا الحرب تصيب الأتراك والإيرانيين والأفارقة، مما يكبّد الاقتصاد العالمي خسائر جديدة، وينذر باستدراج أطراف وازنة إلى الصراع.
وقد أدانت أنقرة هجوماً بطائرات مسيّرة تعرضت له -مساء الاثنين الماضي- سفينتان تجاريتان تابعتان لشركتي شحن تركيتين في البحر الأسود.
وجاء في بيان للخارجية التركية أن السفينتين المدنيتين “يسار” و”ناديزدا” -المملوكتين لشركتي شحن تركيتين- استُهدفتا بطائرات مسيّرة عقب مغادرتهما ميناء نوفوروسيسك الروسي ليل الاثنين، مؤكدة أن الهجوم أوقع إصابات في صفوف الطاقمين.
وهذه ليست سابقة من نوعها، ففي نهاية جوان الماضي تعرضت سفينة صيد تركية لهجوم قرب سواحل شبه جزيرة القرم، أسفر عن مقتل شخص وإصابة أربعة آخرين.
تركيا -التي تتمتع بثقل عسكري وسياسي عالمي- سبق لها أن لعبت دوراً حيوياً في تسوية أزمة تصدير الحبوب في 2022.
أما في هذه المرة فقد مسها الضر، ولم تجد بداً من الحديث بلغة حاسمة، حيث حذرت -في ماي الماضي- من خطر “تصعيد خارج نطاق السيطرة” في البحر الأسود.
جاء ذلك بعد هجوم بمسيّرة استهدف سفينة شحن تركية، ووفق البحرية الأوكرانية فإن الهجوم تم تنفيذه بواسطة مسيّرة روسية.
وبعد تحميلها بشحنة من الذُّرة، تعرضت سفينة تحمل علم غينيا بيساو لهجوم قبالة ميناء أوديسا، فغرقت على الفور ولقي 5 من طاقمها حتفهم فيما تم إنقاذ 8 آخرين، كان ذلك في 19 جويلية الماضي. وطبعاً، لم تتأخر أوكرانيا في تحميل روسيا المسؤولية عن الهجوم.
ووفق تحليلات، فإن روسيا ربما تهدف إلى ردع الشركات الأجنبية عن شراء المنتجات الأوكرانية واستخدام ممرها البحري في البحر الأسود.

خلل في الحسابات
لكن الحادث الأخطر يتعلق بتعرض سفينة إيرانية لهجوم في بحر قزوين، وهو مسرح آخر للتصعيد بين الروس وجيرانهم الأوكرانيين.
الهجوم -الذي أدى إلى مقتل بحار إيراني- تبنته كييف في اللحظة الأولى، قائلة إنه استهدف سفينتين تخضعان للعقوبات الدولية.
وفي الحقيقة، فإن كييف تعرف جيداً خطر المسيّرات الإيرانية، ولعلها رأت أنه من الحكمة امتصاص غضب إيران.
وقد قال محسن رضائي -مستشار المرشد الإيراني- إن طهران كانت مستعدة لتوجيه ضربات إلى ثلاثة أهداف في أوكرانيا عقب الهجوم الذي استهدف السفينة، لكنها ألغت العملية بعد اعتذار كييف.
المصدر: الجزيرة نت
إضغط هنا لمزيد الأخبار
















