اعتذار بزشكيان وسقف الحرس.. تباين في طهران أم “تفويض منضبط”؟

طهران ــ الرأي الجديد
في ذروة التصعيد، خرج الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان برسالة مصورة حاول فيها رسم “حدود اشتباك” جديدة مع دول الجوار، حيث قدّم اعتذارا صريحا، وأكد أنه “لا عداوة” مع الجيران..
كما تحدث عن قرار من مجلس القيادة المؤقت بتعليق الهجمات على دول الجوار “ما لم تُستخدم أراضيها لمهاجمة إيران”.
لكن الرسالة نفسها فتحت بابا واسعا للجدل حين أشار بزشكيان إلى أن القوات المسلحة “تصرفت بشكل مستقل” في ظل فقدان القيادة بعد ضربات واغتيالات طالت القادة.
لم يمر وقت طويل حتى عاد بزشكيان ليقول إن “العدو حرّف تصريحاته” بهدف “زرع الفتنة مع الجيران”، مؤكدا في الوقت نفسه أن إيران “ستضطر للرد” إذا استُخدمت أراضي دول مجاورة لمهاجمتها.
من الخطاب.. إلى الممارسة المناقضة
وبين الرسالة وتصحيحها، ظلت الوقائع تضغط على الخطاب، إذ أشارت تقارير إخبارية إلى ضربات لاحقة في الخليج وتعليق مؤقت للعمليات في مطار دبي بعد سقوط شظية من اعتراض صاروخي، ما أعاد إلى الواجهة سؤال السيطرة على الإيقاع، بما معناه هل تستطيع السياسة تثبيت تهدئة تُعلنها إذا كان الميدان يرسل إشارات مختلفة؟

على خط الدبلوماسية، قدّم وزير الخارجية عباس عراقجي رواية تحاول إنقاذ “منطق التهدئة المشروطة” بإلقاء المسؤولية على واشنطن، قائلا إن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب “قتل” مبادرة بزشكيان لخفض التصعيد “على الفور”، وإن شرط التهدئة كان عدم استخدام دول الجوار لمهاجمة إيران، مضيفا أنه إذا كان ترمب يسعى إلى التصعيد فهذا ما سيحصل عليه”.
وفي المقابل، تحدث الحرس الثوري بلغة مختلفة، حيث قال المتحدث باسم الحرس علي محمد نائيني إن القوات المسلحة “مستعدة لخوض حرب واسعة النطاق لمدة تصل إلى 6 أشهر بالوتيرة ذاتها”، مستعرضا أرقاما عن إطلاق 600 صاروخ وتنفيذ 2600 هجوم بطائرات مسيّرة خلال الأسبوع الأول، إضافة إلى استهداف مواقع أمريكية وإسرائيلية وتدمير رادارات مرتبطة بمنظومة “ثاد”.
هل “النار بالاختيار” تفويضٌ منضبط أم عنوان ارتباك؟
في الداخل الإيراني، حاول يوسف بزشكيان، نجل الرئيس الإيراني، تثبيت تفسير يخفف من حدة الجدل حول عبارة الرئيس عندما استخدم “النار بالاختيار” بشأن الإستراتيجية العسكرية المعتمدة في بلاده الآن، حيث قال يوسف إن الاعتذار للجوار قد تكون له حساسية دبلوماسية لكنه “منسجم مع ثقافتنا”، وإن المقصود بما يفهم منه تفويض الميدان ليس الفوضى، بل العمل وفق تعليمات مسبقة عندما تُستهدف القيادة ويصعب الرجوع إلى المركز.

هنا تبرز عدسة “قيادة المهمة” بوصفها تفسيرا ممكنا لما يجري. وهي إستراتيجية في القيادة تقوم على أن تحدد القيادة العليا الغرض والحدود أي ما المطلوب ولماذا، ثم تترك للمستويات الأدنى حرية اختيار الكيفية وفق تطورات الميدان، بشرط وجود “فهم مشترك” و”مبادرة منضبطة” وثقة تسمح بالتحرك حين تتعطل الاتصالات أو تُستهدف القيادة.
تاريخيا، تعود جذور هذا النهج إلى “قيادة المهمة” في الجيش البروسي في القرن التاسع عشر، حين أدركت بروسيا أن إدارة الحرب بالأوامر التفصيلية لا تصمد أمام اتساع الجبهات وبطء الاتصال، فصار القائد يكتب “هدفا” عاما ويطلب تحقيق الهدف لا تنفيذ خطوات حرفية.
وفق هذه العدسة، يمكن فهم “النار بالاختيار” بطريقتين متعاكستين، إما كتعبير عن تفويض ميداني منضبط بحدود واضحة، وهو ما يجعل تعدد الرسائل مجرد توزيع وظائف بين السياسة والدبلوماسية والعسكر، أو كتعبير عن اهتزاز في الفهم المشترك بين المؤسسات، حيث تصبح العبارة نفسها موضع نزاع، فهل هي تأييد للميدان أم إشارة إلى انفلاته؟
اليمين المتشدد يحوّل الخلاف إلى اختبار شرعية
لكن محاولة التأطير هذه لم توقف الاشتباك السياسي. ففي تدوينات على منصة “إكس”، هاجم النائب حميد رسائي، الذي يقود تيار سعيد جليلي داخل البرلمان، خطاب بزشكيان واعتبره “ضعيفا وغير مقبول”، ورفض القول إن القوات المسلحة تصرفت وفق “النار بالاختيار” أو بلا تنسيق، مؤكدا أنها عملت وفق سياسة “الردع والرد بالمثل”.
وذهب إلى قلب اتجاه الاعتذار بالقول إن من يجب أن يعتذر هي “الدول التي جعلت أراضيها قواعد عسكرية أمريكية”، ثم دعا إلى الإسراع بتعيين المرشد الجديد وإنهاء عمل “مجلس القيادة المؤقت”، وطالب جهات عليا بإعلان موقف واضح من تصريحات الرئيس، قبل أن يتهم بزشكيان بأنه يتحرك ضمن “مشروع” لفرض وقف إطلاق نار وإنقاذ واشنطن وتل أبيب.

بهذا المعنى، يتحول الخلاف من مجرد اختلاف في النبرة إلى اختبار شرعية، فهل خطاب الرئاسة هو “موقف الدولة” أم “تقدير سياسي” قابل للطعن من داخل النظام؟ وهل التعدد القائم يعكس “قيادة مهمة” تُوزَّع فيها الأدوار عمدا، أم أن تعدد المراكز صار يتنافس على تعريف الهدف وحدود الحرب؟
بين ما يقوله بزشكيان عن تهدئة الجوار المشروطة، وما تقوله المؤسسة العسكرية عن الاستعداد الطويل، وما ينقله الدبلوماسيون عن “قتل التهدئة”، وما يرفعه اليمين المتشدد من اتهامات، تبدو طهران كمن يحاول ضبط معركة على الأرض ومعركة على المعنى في الوقت نفسه.
















