السيسي يفوض بعض صلاحياته لوزير دفاعه.. ماذا وراء القرار؟

القاهرة ــ الرأي الجديد
هذه الاختصاصات منصوص عليها في “قانون التعبئة العامة” (رقم 87 لسنة 1960)، والخاصة بالمواد (9)، و(١2)، و(24)، لمدة عام، بداية من نوفمبر المقبل.
وبموجب القانون المنظم لـ”آليات حشد موارد الدولة البشرية والمادية والمرافق الحيوية في حالات الطوارئ أو الحرب”، يحصل زاهر، في أول تفويض من نوعه منذ تعيينه بقرار من السيسي في فيفري الماضي، على صلاحيات تشمل تكليف المدنيين بأعمال المجهود الحربي، أو مهام مواجهة الكوارث، فضلا عن الفصل في الاعتراضات المقدمة من المكلفين، وفقا للمادتين التاسعة والثانية عشرة من القانون.
إلى جانب استخدام (المادة 24)، التي تقول: “لرئيس الجمهورية أو من يفوضه أن يقرر إجراء تجارب على التعبئة”، وهو النص الذي يمنحه سلطة أن يُصدر قرارا بالاستيلاء على ما يخدم المجهود الحربي، ما يثير المخاوف خاصة وأن القانون لم يضع أي شرط أو يورد أي قيد على سلطة الإدارة في اتخاذ هذا التدبير.
حيث تقول “المادة 25”: “ينفذ الاستيلاء المنصوص عليه في المادة السابقة (24) بالاتفاق الودي، فإن تعذر ذلك نفذ بطريق الجبر”، مشيرة لتعويضات مقابل الاستيلاء على المواد الأولية ومواد الوقود والمواد الغذائية والمنسوجات، وغير ذلك من المواد التموينية، واستعمال مختلف وسائل الرفع والجر والنقل لمدة معينة أو الاستيلاء عليها، والاستيلاء على المقرات أو شغلها، وعلى المحال العامة والمحال الصناعية والتجارية.
أجواء إقليمية ومحلية مضطربة
بعض المصريين عبر مواقع التواصل الاجتماعي رأوا أن التفويض إجراء روتيني وتكليف اعتيادي متكرر في بعض الصلاحيات لتيسير إدارة شؤون القوات المسلحة ومتطلبات الأمن القومي، دون الحاجة لاستصدار قرار رئاسي لكل إجراء تنفيذي، بينما ذهب آخرون إلى حد التخوف من أن التفويض الذي يمنح وزير الدفاع صلاحيات “التعبئة العامة”، واستدعاء “قوات الاحتياطي”، يكون تمهيدا لدخول البلاد حالة حرب، خاصة في ظل تغيرات إقليمية متتابعة منذ طوفان الأقصى 7 أكتوبر 2023، وأوضاع مضطربة في ظل حروب: السودان ثم غزة وإيران، والشهر الجاري مع سيطرة جماعة أنصار الله الحوثي على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وانتقال قوات جوية ودفاع جوي مصرية إلى أراضي السعودية بطلب من الرياض لدعمها في حربها، بمواجهة الحوثيين في اليمن، قبل طلب الإمارات مفرزة جوية في أبوظبي.
ويصدر قرار السيسي المثير للجدل، بالتزامن مع أوضاع اقتصادية هشة، وما يثار عن وصول البلاد حد الإفلاس، وسط حجم ديون محلي وخارجي تاريخي في حدود 18.5 تريليون جنيه (نحو 360 مليار دولار)، مع ضغوط على أكثر من 109 ملايين مصري بالداخل يعانون من تفاقم أسعار أغلب السلع والخدمات، مع قرارات محتملة برفع أسعار الوقود، الشهر المقبل، تزيد من التضخم والفقر وتراجع القوة الشرائية للجنيه.
حراك الخارج والسجون
كما يجيء قرار السيسي، منح وزير دفاعه ذلك التفويض، وسط حراك سياسي لافت، وبعد أسبوعين من انعقاد “المؤتمر الوطني الأول” للمعارضة المصرية في الخارج بمدينة لاهاي بهولندا، لتدشين “حكومة موازية”، ما سبب قلقا كبير لرأس النظام، وفق تغطيات الإعلام الموازي للمؤتمر.
ويأتي قرار التفويض، عقب شهر ونصف مما أثاره أستاذ الإعلام أيمن منصور ندا، في مقال له في 15 أوت الماضي، حول نقاشات داخل سفارات أجنبية في القاهرة، أثارت لديه شعورا غير مطمئن بوقوع حدث ما، أو تغيير هام نهاية أكتوبر أو نوفمبر المقبلين، وهو بداية موعد تفويض وزير الدفاع.
وهذه الوقائع يقابلها، حديث متتابع وبشكل متقطع من أنصار السيسي، (إعلاميين وبرلمانيين)، عن ضرورة تغيير مواد الدستور فيما يتعلق بالمدد الرئاسية مرة ثانية بعد تعديلات أفريل 2019، التي منحته حكم البلاد حتى 2030، ليحصل على فرصة للاستمرار في مقعده لولاية رابعة، يكمل بها حكم البلاد 22 عاما، وهو ما يثير غضب المعارضة وتخوفاتها.
ويأتي قرار السيسي، وفق رؤية محللين، استباقا لما تشير إليه تقارير حقوقية حول “حراك أكتوبر البداية”، الجماعي والذي من المحتمل أن تشهده السجون المصرية أيام 7 و8 و9 أكتوبر المقبل، والذي يتوقع البعض أن ينتقل صداه إلى الشارع المصري، وسط استعدادات أمنية واسعة لمواجهة حراك السجون وما قد يتبعه من تحرك خارجها.
وفي السياق، تتصاعد شكاوى المصريين من جرائم الشرطة بحقهم حيث طالت عمليات البطش الأمني عدد كبير من النساء مؤخرا، ما بدا في قضية الشابة دينا عزت، التي كشفت عبر مقاطع مصورة تعرض زوجها إلى الإدانة بجريمة ترويج المخدرات لرفضه العمل كمرشد للأمن، ثم سرقة أمواله ومجوهراتها، وتوقيفها وسحلها في الشارع، قبل أن يُخلى سبيها.
رئيس “حزب تكنوقراط مصر”، محمود وهبه، وفي تعليقه على قرار السيسي، قال في تصريح إعلامي: “ربما هناك خلافات داخلية خسرها السيسي”، موضحا أن “وزير الدفاع مهم له لأن اقتصاد الجيش في يده، ولن يفرط فيه”.
وأضاف: “بينما السيسي، يعاني من الضعف وقد يُتهم باتخاذ قرارات تضر باقتصاد الجيش”، مبينا أن “كل هذا يمثل تخمينات، ما عدا ضعف السيسي، فهو أمر مؤكد”.
وأشار إلى “ضرورة تشكيل الحكومة الموازية في الخارج دون تأخير، وذلك عقب نجاح المؤتمر الوطني الأول”، فيما يرى أنه “قد يكون هذا وقت اختيار مجلس رئاسي انتقالي مدني بالكامل، ومن متخصصين بصرف النظر عن خلفيتهم الأيديولوجية”.
“لأغراض مسرحية”
وعن القرار الخاص ببعض إجراءات التعبئة، أكد ضابط الجيش المصري السابق، أنه “قرار إجرائي يتكرر بشكل دوري وهو لا يعطي وزير الدفاع أكثر من مجموعة صلاحيات إجرائية، فمثلا هذا القرار لا يعطي الحق في استدعاء الاحتياط ولا رفع الحالة القتالية”.
وأوضح أنه “لذلك فهو ليس تفويضا بقرارات سيادية، فقط كما يمكن أن يقال قرارات تسيير أعمال، وفي مصر وغيرها لا يُعقل أن يفوض ديكتاتور صلاحيات سيئة عسكرية لأي شخص مهما كان”.
ولفت إلى أن “المنطقة بالتأكيد مقبلة على حدث كبير للغاية، ونحن نعيش مقدماته منذ (7 أكتوبر 2023)، والوقت تأخر كثيرا على الاستعداد لما سيحدث، فالحروب تبدأ قبل المواجهات المباشرة بسنوات، وليس مع أول طلقة مدفع”.
عادل، يرى أنه “لذلك فلا يمكن افتراض أن المسؤولين عن الجيش المصري يخططون للحرب أو للتعبئة العامة إلا لأغراض مسرحية ككل، ما قاموا به خلال السنوات الأخيرة”، مستدركا بقوله: “لكن لنحذر فإن هذا الأداء المسرحي قد ينجح مرة أو مرات، ولكن في الحرب الحقيقية تكون النتيجة كما حدث في كارثة 5 جوان 1967”.
وختم بالقول: “النظام المصري يتهاوى، وأعتقد أنه يدرك ذلك وربما يجب النظر دائما إلى ما يفعل على أنه إجراء لاستمرار السيطرة على الشعب والأرض”.
وخلال عهد السيسي، تورط الجيش المصري في العديد من المجازر بحق معارضين مصريين بينها “الحرس الجمهوري”، و”المنصة”، وفض اعتصام “رابعة العدوية والنهضة” وغيرها عام 2013، كما شهد تحولا نحو بشكل مفرط نحو السيطرة على مفاصل اقتصاد البلاد بشكل لاقى الانتقادات، وسط مخاوف من تراجع قدراته القتالية في ظل مخاطر تحيط البلاد من الشرق والغرب والجنوب.
وتراجع ترتيب الجيش المصري في تصنيف (Global Firepower) لأقوى الجيوش لعام 2025، أربعة درجات دفعة واحدة، عن ترتيبه في 2024، مسجلا المركز (19) بعد أن كان الـ(15) عالميا، لتسبقه 3 جيوش إقليمية هي: تركيا (9) عالميا، والاحتلال الإسرائيلي (15)، وإيران (16)، وجيشين لدوليتن مسلمتين هما باكستان (12)، وإندونيسيا (13) عالميا، ليكون بذلك قد تراجع 10 مراتب خلال 4 سنوات بعد أفضل تصنيف له عام 2020 والذي احتل به الترتيب التاسع عالميا.
ويتزامن تنفيذ وزير الدفاع تكليف السيسي، في نوفمبر المقبل، مع المراجعة الأخيرة من صندوق النقد الدولي للإصلاحات التي يطالب بها لثاني أكبر اقتصاد قاري والثالث عربيا مع ما يعانيه من أزمات هيكلية مزمنة وبنيوية خطيرة، لينهي بذلك تمويلا ممتدا منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، تخلله فرض الكثير من القيود على المصريين بداية من تخفيض دعم السلع التموينية وليس انتهاء بقرارات متتابعة برفع أسعار البنزين والسولار والغاز والكهرباء، وغيرها.
















