“نيويورك تايمز”: الحرب تجبر العالم على الإقرار بقوة الجغرافيا من جديد

نيويورك ــ الرأي الجديد
قالت “نيويورك تايمز”، إن الحروب والاضطرابات الاقتصادية والتغير المناخي، أعادت الجغرافيا إلى واجهة النظام العالمي، بعدما بدا لعقود أن التكنولوجيا والعولمة تجاوزتا قيود المسافات الجغرافية.
أوضحت الصحيفة، أن العالم اعتاد خلال العقود الماضية على تدفق المعلومات والأموال والسلع والأسلحة عبر الحدود بسرعة غير مسبوقة، بحيث باتت المنتجات تصل إلى المستهلكين من أقاصي العالم، فيما تستطيع الصواريخ الباليستية عبور القارات خلال دقائق.
لكن هذه الصورة تعرضت لاختبار كبير بفعل الاضطرابات الاقتصادية الناجمة عن تعطل مسارات حيوية للشحن والطاقة في الخليج العربي. وأدى الصراع في الشرق الأوسط، الذي اندلع عقب الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران قبل سبعة أشهر، إلى ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة تكاليف الاقتراض وتعطيل الإنتاج الصناعي وتهديد المحاصيل الزراعية، فضلًا عن اندلاع احتجاجات امتدت من سوريا إلى غواتيمالا.
ونقلت الصحيفة عن شانون أونيل، النائبة الأولى لرئيس الدراسات في مجلس العلاقات الخارجية، قولها إن التفكير في الاقتصاد العالمي غالبًا ما يغفل عن العامل الأساسي الذي يحركه، وهو الخدمات اللوجستية، مشيرة إلى أن السلع لا تزال بحاجة إلى الانتقال من مكان إلى آخر، وأن الصراعات والتغير المناخي يتسببان في اضطرابات متزايدة.
وأشارت “نيويورك تايمز” إلى أن دولًا وجماعات مسلحة لا تمتلك القدرات العسكرية أو التكنولوجية أو الاقتصادية لمنافسة الولايات المتحدة، تمكنت من التأثير في الاقتصاد العالمي بفضل مواقعها الجغرافية.

فقد عطلت إيران حركة الملاحة في مضيق هرمز، الممر البحري الوحيد المؤدي إلى الخليج العربي وأحد أهم نقاط اختناق إمدادات الطاقة في العالم، فيما تسيطر جماعة الحوثي المدعومة من إيران في اليمن على مضيق باب المندب، نقطة العبور الحيوية عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
ومع استئناف تدفق النفط عبر الخليج، جرى تأمين حركة الناقلات إلى حد كبير باستخدام القوة العسكرية، إذ تولت البحرية الأمريكية توجيه عدد منها. وترى الصحيفة أن هذه التطورات تذكير بأهمية الممرات البحرية، من بحر الصين الجنوبي إلى قناة السويس، في تحديد حركة التجارة العالمية والتأثير في الظروف الاقتصادية لملايين البشر.
المناخ يعيد رسم طرق التجارة
وبالتوازي مع الصراعات، يعيد التغير المناخي تشكيل الجغرافيا الاقتصادية والاستراتيجية للعالم، من خلال تعطيل طرق ملاحية قائمة وفتح مسارات جديدة.
وأدى الجفاف خلال الصيف إلى انخفاض مستويات المياه في نهري الراين والدانوب، ما تسبب في اضطراب نقل البضائع وارتفاع تكاليف الشحن وتراجع الإنتاج الصناعي، كما هدد إمدادات الكهرباء في المجر ورومانيا، اللتين تعتمد محطاتهما النووية على مياه الأنهار للتبريد.
وفي أمريكا اللاتينية، فرض مشغلو قناة بنما، التي تمر عبرها نحو 40% من حركة حاويات الشحن الأمريكية، قيودًا على الملاحة بسبب انخفاض منسوب المياه، وهي مشكلة تفاقمت بفعل ظاهرة “النينيو”.
وفي المقابل، استفادت شركات شحن صينية من ارتفاع درجات حرارة المياه لتسيير أول رحلة تجارية منتظمة عبر المحيط المتجمد الشمالي، في تطور قد يزيد المنافسة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، بالتزامن مع مساعي الرئيس دونالد ترامب للاستحواذ على غرينلاند.
وترى الصحيفة أن النظام العالمي الذي تشكل في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية يمر بمرحلة تفكك، رغم أن الجغرافيا ظلت تاريخيًا عاملًا أساسيًا في تحديد مسارات الصراعات الدولية.
وأشارت إلى أن إسبرطة، مثلًا، استخدمت في القرن الخامس قبل الميلاد سيطرتها على مضيق الدردنيل لقطع إمدادات الحبوب عن أثينا خلال الحرب البيلوبونيسية، لكن التكنولوجيا بدأت، مع تسارع العولمة منذ تسعينيات القرن الماضي، في طغيانها على أثر الجغرافيا.
تراجع النظام الدولي
وبحسب “نيويورك تايمز”، قام النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية على التعاون والمنفعة المشتركة ومنظومة من القواعد والقوانين، إلا أن هذه المنظومة بدأت تتآكل مع تحول المواجهة والإكراه إلى أدوات أكثر استخدامًا، وتراجع الثقة حتى بين الحلفاء.

ورأت الصحيفة أن خطاب ترامب أمام الأمم المتحدة الشهر الماضي عكس تراجع الرؤية المتفائلة التي سادت حقبة ما بعد الحرب، ولا سيما مع تبنيه مبدأ “للغالب الغنائم” في حديثه عن الاستيلاء على احتياطيات النفط الفنزويلية.
وأضافت أن ترامب سرّع تفكك النظام العالمي، لكن جذور الأزمة أعمق، إذ إن الشبكات التي ساعدت العولمة على تحقيق نجاحها خلقت في الوقت نفسه نقاط ضعف جديدة واختلالات في موازين القوى.
وخلال حقبة “العولمة المفرطة”، اعتمدت الولايات المتحدة والصين بصورة متزايدة على السيطرة على نقاط اختناق اقتصادية بدلًا من الجغرافية؛ فاستخدمت واشنطن هيمنتها على النظام المالي لمعاقبة خصومها، بينما اعتمدت الصين على سيطرتها على المعادن الأرضية النادرة للضغط على منافسيها.
وقالت الصحيفة إن هذا الواقع يفسر سعي القوى الأضعف إلى امتلاك أدوات ضغط خاصة بها، مشيرة إلى أن إيران وجدت في الجغرافيا وسيلة رئيسية لذلك.
ونقلت عن إدوارد فيشمان، الزميل الأول في مجلس العلاقات الخارجية والدبلوماسي السابق، أن إيران، رغم خضوعها لعقوبات قاسية على مدى عقدين، لم تقترب من إغلاق مضيق هرمز، معتبرًا أن استخدام الموقع الجغرافي كسلاح يعكس ابتعاد العالم عن نموذج العولمة السابق.
ولا تقتصر أدوات الضغط على المواجهة العسكرية، إذ مارست إيران ضغوطًا على ملاك السفن لدفع رسوم مقابل المرور عبر مضيق هرمز، في مسعى للاستفادة ماليًا من حركة التجارة.
صراع على الممرات الاستراتيجية
وأثارت هذه التطورات تساؤلات بشأن مبدأ حرية الوصول إلى الممرات المائية الدولية، الذي ظل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أمرًا مسلمًا به. ولطالما أدت الولايات المتحدة دور الضامن الرئيسي لحرية الملاحة، لكن استعدادها لمواصلة هذا الدور تراجع، بالتزامن مع ازدياد استعداد قوى أخرى لتحدي نفوذها.
وتواصل الصين استعراض قوتها في المياه المحيطة بتايوان، عبر تسيير دوريات تؤكد مطالبها بالسيادة على البحار المحيطة بالجزيرة.
وفي هذا السياق، يرى هال براندز، أستاذ التاريخ في جامعة جونز هوبكنز ومؤلف كتاب “مشهد القوة: الجغرافيا وصعود وسقوط الأمم”، أن تجاهل أثر الجغرافيا خلال العقود الماضية كان نتيجة قصر نظر سياسي.
وقال براندز إن السياسات الدولية خلال نحو ثلاثة عقود قامت على افتراضين خاطئين، أولهما أن الصراع على النفوذ بين القوى المتنافسة أصبح من الماضي، والثاني أن الابتكار التكنولوجي ألغى إلى حد كبير تأثير الجغرافيا وقيودها.
وأشار إلى أن أوكرانيا ظلت بؤرة للصراع على مدى أجيال، بسبب موقعها الاستراتيجي في قلب أوراسيا، وكونها حلقة وصل بين القوى الأوروبية والآسيوية، فضلًا عن امتلاكها موانئ على البحر الأسود وأراضي زراعية خصبة. وتتمتع تايوان بدورها بموقع استراتيجي محوري بين اليابان وإندونيسيا، وتشكل جزءًا رئيسيًا من سلسلة الجزر الممتدة قبالة الساحل الصيني.
ولفتت الصحيفة إلى أن التكنولوجيا والصناعة والجغرافيا ظلت متداخلة، مشيرة إلى أن تطوير البنية التحتية لاستخراج النفط ونقله في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية حوّل مضيق هرمز من ممر بحري مهم إلى نقطة اختناق أساسية للاقتصاد العالمي وقطاع الطاقة.
كما تدفع الاضطرابات في طرق الشحن الرئيسية إلى البحث عن بدائل، من بينها إنشاء مزيد من خطوط الأنابيب، وهو ما يمكن أن يعيد على المدى الطويل رسم الخرائط الاقتصادية والعسكرية، إلى جانب تأثير التطور التكنولوجي والتحولات في العلاقات التجارية.
وخلصت “نيويورك تايمز” إلى أن تراجع النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية قد يقود إلى عالم يشهد صراعات متزايدة، فيما ستؤدي الجغرافيا دورًا أكثر أهمية في تحديد مسارات تلك الصراعات.
إضغط هنا لمزيد الأخبار
















