النار تعود إلى سيدي بوزيد بعد 16 عاما من الثورة.. امرأة تضرم النار في جسدها

سيدي بوزيد ــ الرأي الجديد
أعادت حادثة إقدام امرأة في مقتبل العمر على إضرام النار في جسدها، اليوم، وسط مدينة سيدي بوزيد، إلى الواجهة ذاكرة المدينة التي ارتبط اسمها قبل نحو 16 عاما بحادثة الشاب محمد البوعزيزي..
وتحولت حادثة البوعزيزي من واقعة فردية إلى شرارة احتجاجات واسعة انتهت بسقوط نظام الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي.
وبحسب المعطيات الأولية المتداولة، فقد أقدمت المرأة على إضرام النار في جسدها وسط المدينة، قبل أن يتدخل الحاضرون والجهات المعنية ويتم نقلها إلى المستشفى الجهوي لتلقي الإسعافات اللازمة.
ولم تتضح، حتى الآن، الأسباب التي دفعتها إلى الإقدام على ذلك، كما لم تصدر ـ وفق المعطيات المتاحة ـ رواية رسمية تفصيلية تكشف خلفيات الحادثة أو دوافعها. ومن ثمّ، فإن الربط بين الواقعة الحالية وأسباب اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية محددة يظل سابقا لأوانه، في انتظار ما ستكشفه الجهات الرسمية والتحقيقات والمعطيات الميدانية.
لكن مجرد وقوع الحادثة في سيدي بوزيد، المدينة التي شهدت في 17 ديسمبر 2010 إضرام محمد البوعزيزي النار في جسده، يمنحها دلالة خاصة في الذاكرة التونسية.
حاضرة في كل ذكرى
لم تعد سيدي بوزيد في الذاكرة التونسية مجرد مدينة داخلية تعاني من التفاوت التنموي، بل أصبحت رمزا للحظة التي خرج فيها الغضب الاجتماعي من نطاقه المحلي إلى المجال الوطني.
ومع ذلك، فإن التشابه في الوسيلة والمكان لا يعني بالضرورة تشابها في الأسباب أو النتائج. فحادثة البوعزيزي أصبحت مفهومة تاريخيا ضمن سياق أوسع من الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية التي سبقتها وتلتها، بينما لا تزال واقعة المرأة التي أضرمت النار في جسدها اليوم في بدايتها، ولا تتوافر بعد معلومات رسمية كافية تسمح بتحديد دوافعها أو وضعها ضمن سياق سياسي أو اجتماعي بعينه.
ويبقى السؤال الآن محصورا في معرفة ما حدث للمرأة، ولماذا أقدمت على فعلتها، وما إذا كانت الواقعة مجرد مأساة فردية أم أنها تعكس، بصورة ما، ظروفا اجتماعية أوسع. وهذه أسئلة لا يمكن الإجابة عنها قبل صدور المعطيات الرسمية والاستماع إلى رواية المعنيين بالحادثة.
حادثة جديدة في وضع مختلف
وتكتسب حادثة اليوم، أهمية إضافية لأنها تأتي في ظرف تونسي تتداخل فيه الضغوط الاقتصادية مع أزمة سياسية وحقوقية مستمرة. ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن الحادثة التي شهدتها سيدي بوزيد اليوم مرتبطة بهذه الأوضاع أو أن للمرأة التي أقدمت على إحراق جسدها دوافع سياسية أو اقتصادية، فلا تزال الأسباب مجهولة، وأي استنتاج من هذا النوع سيكون سابقا لأوانه.
لكن توقيت الواقعة ومكانها يجعلانها محملة بدلالة أكبر في بلد لا تزال الأسئلة التي فجرتها أحداث ديسمبر 2010 ـ حول الكرامة والعمل والعدالة الاجتماعية والقدرة على التعبير والمشاركة السياسية ـ حاضرة في النقاش العام، وإن تغيرت طبيعة المشهد جذريا منذ ذلك الحين.
في المكان نفسه الذي تحولت فيه مأساة فردية قبل نحو ستة عشر عاما إلى شرارة احتجاجات أطاحت بنظام بن علي، تأتي اليوم حادثة فردية أخرى في بلد يعيش ضغوطا اقتصادية وتوترا سياسيا واسعا. وبين الواقعتين فارق كبير في السياق والدوافع والنتائج، لكن الذاكرة التي يحملها المكان تجعل السؤال حاضرا: ماذا تقول هذه الحادثة الجديدة عن المزاج الاجتماعي في تونس؟
وهو سؤال يبقى مفتوحا إلى أن تتضح أولا حقيقة ما دفع المرأة إلى فعلتها، وما إذا كانت الواقعة تعكس ظرفا شخصيا خاصا بها أم أنها، على نحو ما، تتقاطع مع أوسع مناخ اجتماعي واقتصادي وسياسي تعيشه البلاد.
المصدر: “العربي 21”
إضغط هنا لمزيد الأخبار
















