الرئيس تبون والجزائر وقطع العلاقات مع الإمارات

بقلم / جمال الدين طالب
لم يكن قرار الجزائر، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات يوم 10 سبتمبر ، مجرد إجراء دبلوماسي عابر، بل هو جزء من الهاجس الشخصي للرئيس عبد المجيد تبون.
فالقطيعة التي نزلت بداية كخبر عاجل من التلفزيون الحكومي، ثم بيان من وزارة الخارجية جاءت بعد أشهر من تصريحات متصاعدة اللهجة للرئيس تبون، سبقتها سنوات من الهجوم الإعلامي الجزائري الخاص (المقرب من الرئاسة) ثم الحكومي على الإمارات، حتى بدا أن القرار الرسمي ليس سوى الخاتمة الدبلوماسية لموقف حسمه تبون سياسياً منذ مدة.
البيان الرسمي قال إن الجزائر قررت القطيعة بعد “استنفاد جميع السبل الكفيلة بالحفاظ على العلاقات الثنائية”، واتهم الإمارات بـ “تصرفات استفزازية أو عدائية”. وبعد ذلك مُنح السفير الإماراتي 48 ساعة للمغادرة، ثم أُغلق المجال الجوي أمام الطائرات المسجلة في الإمارات، مع استثناء مؤقت للرحلات التجارية إلى نهاية 2026.
لكن قبل البيان الرسمي بشهور، كان تبون نفسه قد مهد للقطيعة. ففي يوليو الماضي قال إن الجزائر أخّرت قرار قطع العلاقات مراعاة للانقسامات العربية، وإنها لولا ذلك لقطعت علاقاتها مع ما سماها “هذه الدويلة منذ مدة”. كما سبق أن اتهم الإمارات بمحاولة التدخل في الانتخابات الرئاسية التي جاء من خلالها إلى الحكم عام 2019، ثم في انتخابات عهدته الثانية عام 2024.
لغز الإمارات والانتخابات
في رئاسيات 12/12/ 2019 كلام تبون المقصود به ما تردد أن مدير المخابرات حينها، الجنرال واسيني بوعزة حاول التأثير في الانتخابات لصالح المترشح عزالدين ميهوبي. وقد حوكم الجنرال بعد ذلك في أبريل 2021، بعد الإطاحة به وسجنه في أبريل 2020، بهذه التهمة إلى جانب تهم أخرى بالفساد وصدر ضده حكم بالسجن 16 عاما وتم تنزيل رتبته إلى جندي.
أما حديث تبون عن تدخل آخر للإمارات في انتخابات 2024 يطرح عدة تساؤلات، على اعتبار أنه كان هو الرئيس وبيده كل السلطات؟!
وبالتفصيل في الأمر فانتخابات ديسمبر 2019 جرت وبالأحرى تم فرضها عندما كانت الجزائر تعيش ذروة الحراك الشعبي الذي طالب برحيل منظومة الحكم ورفض الرئاسيات ورفع شعار “ماكانش انتخابات مع الإمارات”، وكان فيه شعارات ضد الإمارات ربطا بـ”حليف الإمارات” رئيس أركان الجيش الراحل أحمد قايد صالح الرجل الأقوى في الدولة والحاكم الفعلي للبلاد بعد إجبار الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. وكان قايد صالح عيَّن واسيني بوعزة قائدا للمخابرات رغم أن الأخير لا خلفية استخباراتية له.
وقد فرض قايد صالح رئاسيات 12/12/2019، كما فرض عبد المجيد تبون رئيسا للبلاد، وتردد في رواية أن نوبة غضب شديدة أصابته، وأنه صفع واسيني عزة بعد أن علم بما تردد عن دوره في محاولة التدخل والتأثير على نتائج الانتخابات لصالح المترشح عزالدين ميهوبي. وإن تبدو هذه الرواية غريبة، خاصة أن المنطق يقول: هل يجرؤ واسني بوعزة على تجاوز قايد صالح لفرض عز الدين ميهوبي؟
في مقابل رواية أخرى أن قايد صالح لما علم بالنتائج الأولية أن المتقدم فيها هو المترشح الإسلامي ـ (الذي تبرأ لاحقا من هذه الصفة!)ـ والوزير السابق عبد القادر بن قرينة، يتقدم على المترشح تبون، وأن ميهوبي في المرتبة الرابعة ـ وأُعلن حينها رسميا حتى أنه سيكون هناك دور ثانٍ في الرئاسيات ـ رفض قايد صالح هذا الخيار وطلب فرض الوزير والوزير الأول السابق عبد المجيد تبون، والذي كانت انتشرت حينها صورة لهما، وقايد صالح يشعل سيجارة تبون!
ولذلك فإن اتهام الإمارات بعد سنوات بمحاولة منع وصول تبون أو دعم منافسه يحتاج إلى قراءة ضمن التوازنات التي حكمت تلك المرحلة. فقد كان قايد صالح في الحقيقة هو “حليف الإمارات”. وكان المجاهد لخضر بورقعة سُجن حينها، وقد تجاوز الثمانين من العمر، وتم تشويهه وتخوينه في التلفزيون الجزائري، بعدما صرح ردا على اتهام قايد صالح للحراك الشعبي بأنه محرك من الخارج، بأن “قايد صالح هو الذي لا يتوقف عن التردد على الإمارات”.
فإذا كانت أبوظبي قد امتلكت فعلاً القدرة والشبكات والنفوذ لمحاولة توجيه انتخابات 2019 ضد تبون، فكيف نجح تبون في انتخابات جرت تحت إشراف ميزان قوى أمني وعسكري شديد المركزية؟ ومن كان يملك القرار الحاسم داخل الجزائر آنذاك؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية لأن الرئاسة لم تقدم للرأي العام، حتى الآن، ملفاً تفصيلياً منشوراً يوضح طبيعة التدخل الإماراتي المزعوم وحجمه وآلياته والأطراف الجزائرية التي تعاونت معه، خاصة وأن التلفزيون زاد الغموض أكثر لما قال في تقرير يهاجم الإمارات بعد قطع العلاقات معها، أن الأخيرة دعمت في رئاسيات 2019 مترشحين بصيغة الجمع وليس مترشحا واحدا.
واللافت أيضا في تفسير البعد الشخصي لتبون في قطع العلاقات مع الإمارات و”شبح رئاسيات 2019″ أنه تم سجن الكاتب الصحافي إحسان القاضي عندما كتب مقالا تساءل فيه “هل كانت الجزائر ستكون في وضع أفضل لو تم اختيار الكاتب والشاعر عزالدين ميهوبي رئيسا؟”، إلى جانب مقال آخر حول ما إذا كان هناك إجماع في أوساط قيادات العسكر حول حصيلة تبون واستمراره في الرئاسة لعهدة ثانية.
مؤامرات الإمارات
في مقابل الهجوم الإعلامي الجزائري على الإمارات، الذي كموقف شخصي أرى أنه نزل إلى مستويات لا تليق بصورة الجزائر، ولا أريد بل يغضبني أن تكون صورة الجزائر بصورة ردح الإعلام المصري خلال تهجمه على الجزائر في 2009 بسبب مباراة كرة قدم، مهما كان الموقف من الإمارات ـ وأنا موقفي ناقد للإمارات وما تقوم به، لكيلا يزايد علينا أي أحد ـ فإن الإعلام والسلطات الجزائرية لم يقدموا للرأي العام الحجج التي تدعم القرار، رغم أن العلاقات بين البلدين تراكمت فيها ملفات حقيقية للخلاف فعلا: التدخل الإماراتي في ليبيا، والساحل، والدخول على خطة الأزمة مع المغرب واللعب عليها. أما ذريعة التطبيع الإماراتي مع إسرائيل الذي انتقده الرئيس تبون، وهوجم في الإعلام الجزائري فموضوعيا ليست الإمارات الدولة العربية المطبعة الوحيدة.
من جهتها وفي رد فعلها على قطع الجزائر لعلاقاتها معها أعربت الخارجية الإماراتية، عن أملها في “أن يكون القرار مؤقتا، بما يحفظ الروابط الأخوية بين الشعبين الشقيقين”.
وأوضحت الوزارة، في بيان، “تقدير دولة الإمارات لعلاقاتها مع جميع الدول، وحرصها الدائم على تطويرها وتعزيزها، بما يخدم المصالح المشتركة ويعزز التفاهم والتعاون والازدهار”.
كما أكدت الوزارة “تقدير دولة الإمارات للشعب الجزائري الشقيق واعتزازها بالروابط التي تجمع الشعبين، ولا سيما بأبناء الجالية الجزائرية المقيمة على أرض الدولة والزائرين، وحرصها على استمرار هذه الروابط والمصالح المشتركة وتعزيزها”.
وهناك جالية جزائرية تقدر بنحو 50 ألف جزائري في الإمارات.
وفي كرونولوجيا التصعيد مع الإمارات وبعد أن ظل الحديث عنها محصورا في الأذرع الإعلامية فقد أخذ بعدا رسميا في يناير 2024، بإصدار المجلس الأعلى للأمن في الجزائر، بيانا أبدى فيه أسفه لما قال إنها “تصرفات عدائية مسجلة ضد الجزائر، من طرف بلد عربي شقيق””، وهو ما فُهم مباشرة على أنه تحذير للإمارات.
ورغم التصعيد وتهجمات تبون على الإمارات دون تسميتها، ففي يونيو 2024 ظهر الرئيس تبون ونظيره الإماراتي محمد بن زايد آل نهيان في حديث جانبي على هامش قمة مجموعة السبع في إيطاليا، في أول لقاء علني بينهما بعد فترة طويلة من التوتر. وسوق الإعلام الجزائري حينها صورة تبون الذي يصوب اصبعه تجاه بن زايد!
وفي سبتمبر من العام نفسه، أعلنت الرئاسة الجزائرية أن تبون تلقى اتصالا هاتفيا من محمد بن زايد لتهنئته بإعادة انتخابه، وأن الرئيسين اتفقا على عقد لقاء يجمعهما “قريبا”. وهذا ما يثير الآن عدة تساؤلات عن تصريح تبون لاحقا أن الإمارات تأمرت على تلك الانتخابات الرئاسية؟.
ورغم ذلك استمر الهجوم الجزائري على الإمارات، بل وزاد بدخول الإعلام الرسمي الجزائري مباشرة على خط المواجهة. فقد شن التلفزيون الجزائري في مايو 2025 هجوما شديد اللهجة على الإمارات عقب بث قناة “سكاي نيوز عربية” برنامجا كانت تقدمه مذيعة جزائرية استضاف المؤرخ الجزائري محمد الأمين بلغيث، تضمن تصريحات حول الأمازيغية أثارت غضبا واسعا في الجزائر. واعتبر التلفزيون الجزائري ما حدث “تصعيدا إعلاميا خطيرا” و”استهدافا لثوابت الشعب الجزائري”، متوعدا بالرد.
وفي بداية 2026، قامت الجزائر بإلغاء اتفاقية الخدمات الجوية مع الإمارات.
وفي سياق تلك الأجواء أطلق تبون تصريحات أخرى أكثر حدة هاجم فيها الإمارات بالإسم عندما وصف في مايو الماضي قرار الإمارات الانسحاب من منظمة “أوبك” و”أوبك+”، بأنه “لا حدث”، قبل أن يقول: “انتهى الخطاب وطوي الكتاب معهم، الشامي شامي والبغدادي بغدادي”. ونُظر إلى العبارة في ذلك الوقت باعتبارها مؤشرا واضحا على أن العلاقات وصلت فعليا إلى مستوى القطيعة السياسية، حتى قبل إعلانها رسميا في 10 سبتمبر 2026.
لماذا الآن؟
هناك من ربط توقيت القرار بما حدث في النيجر من محاولة انقلابية ودعم الجزائر للسلطة العسكرية الحاكمة بإرسال 4 طائرات مقاتلة في سابقة في تاريخ الجزائر، اتهامات للإمارات في الإعلام الجزائري بالضلوع في الأمر وبمناكفة الجزائر في ساحتها الخلفية الأمنية في الساحل وفي المنطقة عموما.
ولكن هناك أيضا فرضية أن قرار قطع العلاقات جاء بعد نحو أسبوعين فقط من الحرائق المفجعة التي ضربت وسط وشرق الجزائر، وخاصة في ولاية جيجل، وسط تعتيم وتستر رسمي على عدد الضحايا، الذي تقدره تقديرات محلية بالمئات.
ومن هنا يكتسب توقيت القطيعة حساسية سياسية.
ففي لحظة كان يفترض أن ينصب فيها النقاش الوطني على حصيلة الكارثة، وأسبابها، وحجم الخسائر، وجاهزية الحماية المدنية، وطائرات الإطفاء، ومسؤولية السلطات في الوقاية والاستشراف، انتقلت الأجندة السياسية والإعلامية فجأة إلى معركة داخلية عنوانها تطبيق الإعدام لمضرمي الحرائق، وسجن في فيافي الصحراء لبارونات المخدرات.. وإلى معركة خارجية ضخمة عنوانها: الإمارات المتآمرة.
كما يأتي هذا وسط ظهور نقاشات حول “رهان بقاء تبون في السلطة” بأي طريقة أو تخريجة، لأن مغاردته لها محفوف بالمخاطر له ولمحيطه كما حدث لمن سبقوه من رجال السلطة الذي انتهوا في السجن بعد خروجهم أو إخراجهم منها.. وفي خضم ذلك شبح الانتخابات الرئاسية المقبلة المقررة بعد 3 سنوات في 2029 مع ظهور مؤشرات واضحة على محاولة تسويق إنجازات تبون “الخارقة” بعد مرور عامين على عهدته الثانية، في الذكرى الثانية لرئاسيات 7 سبتمبر 2024، وتحاشي التلفزيون الرسمي ذكر العهدة الثانية، إنما اختار تعبير “عهدة الرئيس تبون”، وكأنها مفتوحة.. مع أنه دستوريا هي العهدة الثانية والأخيرة له!
ماذا عن الفاتورة الاقتصادية؟
القطيعة الدبلوماسية الكاملة بين الجزائر والإمارات… قرار سياسي غير مسبوق.. لكن ماذا عن الداعيات الاقتصادية؟.
التجارة بين الجزائر والإمارات كانت في حدود مليار دولار تقريباً حتى 2023. لكن الأهم ربما ليس حجم التجارة، وإنما طبيعة الوجود الإماراتي داخل بعض القطاعات الاستراتيجية.. وفي مقدمها في قطاع التصنيع العسكري والشراكة مع الإماراتية مع وزارة الدفاع الجزائرية في تركيب مركبات مرسيدس الألمانية وبشكل أكبر في تصنيع مدرعات “نمر” الإماراتية العسكرية بكل ما يحيل ذلك من أسئلة أمنية وسياسية.
هناك ايضا وجود استراتيجي مهم للإمارات في الجزائر عبر شركة «موانئ دبي» الإماراتية التي تدير منذ سنوات محطات حاويات في الجزائر، بينها ميناء الجزائر وميناء جن جن؛ والأخير مرتبط بعقد يمتد لـ30 عاماً منذ 2009.
هناك ملف آخر يكشف عمق الرهان والتشابك الاقتصادي بين البلدين: التبغ بما فيه من أموال طائلة تقدر بما يقارب 4 مليارات دولار وكعكة “سجائر” مالية كبيرة.
الإمارات دخلت بقوة إلى قطاع التبغ الجزائري عبر شراكات مع الشركة الوطنية الجزائرية للتبغ والكبريت. وتملك “مدار” الحكومية حالياً 51% من شركة التبغ المتحدة، و49% من الشركة الجزائرية الإماراتية للتبغ ” ستيم”، بما يعني أن الدولة الجزائرية نفسها أصبحت طرفاً مباشراً في هذه الشراكات. وتعتبر هذه الشركة ثاني أكبر دافع للضرائب في الجزائر بعد سوناطراك.
في فبراير 2024، طلبت وزارة العدل الجزائرية من الموثقين وقف إبرام عقود مرتبطة بشركتي “ستيم” و”شركة التبغ المتحدة”، في إجراء عُدّ وقتها مؤشراً واضحاً على تصاعد الخلاف حول بعض الاستثمارات الإماراتية.. وعرفت هذه الشركة اعتقالات لعدد من مدرائها الجزائريين وحديث عن توجه رسمي جزائري لتأميمها والاستحواذ عليها من ملاكها الإماراتيين ولجوء هؤلاء للتحكيم الدولي.. وهو ما لمح له الرئيس تبون في تصريح له اتهم فيه الإمارات بالـ”السعي لإفقار الجزائر”.
هناك تقديرات متداولة عن استثمارات إماراتية في الجزائر، تصل إلى 10 مليارات دولار، وإن يبدو الرقم مبالغا فيه.
اقتصادياً، قد لا تكون الصدمة المباشرة كبيرة على الناتج الجزائري، لأن المبادلات مع الإمارات لا تمثل سوى جزء محدود من التجارة الخارجية. لكن الخطر الأكبر قد يكون في تكلفة إعادة ترتيب الشراكات: الموانئ، التصنيع العسكري، الخدمات اللوجستية، الطيران، التمويل، العقود، والاستثمارات المستقبلية.
فهل تستطيع الجزائر تحويل القطيعة إلى فرصة لاستعادة السيطرة على القطاعات الاستراتيجية وتنويع شركائها؟ أم أن القرار السياسي ستكون له فاتورة اقتصادية تتكشف تدريجياً؟
ومن سيدفع هذه الفاتورة في النهاية: أبوظبي.. أم الجزائر؟
*كاتب جزائري مقيم في لندن
إضغط هنا لمزيد الأخبار
















