مسؤولون يحذرون من “الانهيار”.. الحرب مع إيران تستنزف الجيش الأمريكي

واشنطن ــ الرأي الجديد
واجه الجيش الأمريكي ضغوطًا متزايدة مع استمرار الحرب مع إيران، بعدما تسببت الهجمات على قواعده وسفنه في الشرق الأوسط في أضرار واسعة، مع استنزاف مخزونات الذخائر.
فيما حذر مسؤولون أمريكيون من أن استمرار هذه الضغوط قد يهدد قدرة الجيش على مواصلة الحرب بفاعلية.
وأكد موقع “ذي إنترسبت”، في تقرير للصحفي نك تورس، أن اتساع نطاق الصراع في المنطقة وضع القوات الأمريكية أمام قائمة متزايدة من التحديات، من بينها الهجمات الإيرانية على القواعد والسفن الحربية الأمريكية في الشرق الأوسط، وتراجع مخزونات الذخائر الدفاعية، وارتفاع أعداد الضحايا، ومشكلات صيانة السفن، وطول فترات انتشار القوات، والتعقيدات اللوجستية، وتراجع الروح المعنوية، إلى جانب مشكلات أخرى أثقلت كاهل القوات وأضرت بالجاهزية العسكرية وزادت الضغوط على ميزانية البنتاغون، بما يتناقض مع التصريحات المتفائلة التي أطلقتها إدارة ترامب على مدى أشهر.
وأوضح المسؤولان، بحسب “ذي إنترسبت”، أن إيران تواجه ضغوطًا اقتصادية شديدة، استنادًا إلى تقارير استخباراتية. ووصف المسؤول الأول الهجمات الإيرانية الأخيرة بالصواريخ الباليستية على السفن الحربية بأنها استراتيجية “المخاطرة القصوى”، بهدف زيادة الضغوط الاقتصادية على الولايات المتحدة قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، مضيفًا أنه لا يزال من غير الواضح أي من الطرفين “سيتراجع أولًا”.
وكان ترامب قد ألمح الأحد إلى إمكانية أن “تبقى الولايات المتحدة وتستولي على النفط” في إيران، على غرار سياسة الاستيلاء على الموارد التي تتبعها الإدارة في فنزويلا. لكن المسؤول الثاني قال إن احتلال الولايات المتحدة لإيران سيكون “شبه مستحيل”، ووصف الفكرة بأنها “غير منطقية تماما”.
وأشار “ذي إنترسبت” إلى أن قدرة إيران على اختراق الدفاعات الجوية الأمريكية في الشرق الأوسط باستخدام مسيّرات هجومية وصواريخ باليستية متطورة، كما سبق للموقع أن أفاد، وضعت الجيش الأمريكي في موقف محفوف بالمخاطر.
وأكد المسؤول الأول أن إدارة ترامب أخفقت في تقدير القدرات العسكرية الإيرانية، بينما أشار المسؤول الثاني إلى وجود “غياب تام للتخطيط” لهذه الحرب. ووفق إحصاءات رسمية صادرة عن البنتاغون، سُجلت مئات الإصابات في صفوف القوات الأمريكية جراء الهجمات الإيرانية منذ السابع من يوليو وحده.
أضرار واسعة في البحرين
وذكر مسؤولون لـ”ذي إنترسبت” أن قدرة الجيش الأمريكي على العمل بأقصى طاقته تعرضت للشلل في الساعات الأولى من الصراع، بعدما أدى هجوم إيراني في 28 فبراير إلى تدمير منشآت تابعة للبحرية الأمريكية في المنامة بالبحرين، والتي تعد أهم مركز لوجستي أمريكي في المنطقة.
ورغم أن البنتاغون ظل لأشهر يؤكد أن الضربات لم تؤثر بشكل جوهري على العمليات العسكرية، فإن القائم بأعمال وزير البحرية، هونغ كاو، أقر الأسبوع الماضي بأن الهجوم “دمر منشآت البحرية في البحرين تدميرا هائلا”.
وبعد مرور أكثر من ستة أشهر على الهجوم، لا تزال قاعدة “نشاط الدعم البحري (NSA)” في البحرين في حالة دمار شامل.
وكان تحقيق سابق أجرته صحيفة “وول ستريت جورنال” قد كشف أن تكلفة إعادة بناء مقر الأسطول الخامس الأمريكي وثكنات الجنود وأبراج الاتصالات في قاعدة البحرين قد تتجاوز 400 مليون دولار.
ضغوط على الأسطول الأمريكي
وأشار التقرير إلى أنه رغم تفاخر ترامب بتدمير البحرية الإيرانية باعتباره أحد أبرز إنجازاته خلال الحرب، فإن المسؤولين تحدثوا عن ضغوط هائلة تواجهها القوات البحرية الأمريكية في المنطقة.
ومع خروج مقر الأسطول الخامس عن الخدمة، ووقوع موانئ أخرى في المنطقة ضمن نطاق الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، أصبحت البحرية الأمريكية أمام تحدٍ كبير يتمثل في إبقاء أسطول يضم أكثر من 24 قطعة بحرية في حالة انتشار دائم، بينها حاملتا طائرات ضخمتان، وعدد كبير من المدمرات والطرادات المزودة بصواريخ موجهة، وغواصات هجومية وسفن إمداد.
وأوضح التقرير أنه رغم اعتماد حاملات الطائرات على الطاقة النووية، فإن الطائرات والمروحيات الموجودة على متنها، إلى جانب السفن الأخرى المرافقة لها، تستهلك ملايين الجالونات من الوقود أسبوعيًا، فيما يحتاج البحارة الموجودون على متن هذه السفن إلى مئات الآلاف من الوجبات.
ويعني ذلك أن سفن البحرية الأمريكية تضطر إلى نقل الإمدادات لمسافة تزيد على 2000 ميل من قاعدة أمريكية راسخة في جزيرة “دييغو غارسيا” بالمحيط الهندي، بما يجعل الدورات اللوجستية تستغرق ما بين 14 و18 يومًا، بحسب تقرير للمفتش العام لوزارة الحرب الأمريكية.
وقال المسؤول الثاني لـ”ذي إنترسبت” إن افتراضات البيت الأبيض بأن إيران “ستنهار” قبل البحرية الأمريكية لم تتحقق على أرض الواقع، واصفًا الوضع بأنه “صعب وغير مستدام في نهاية المطاف”.
تمديد خدمة “نيميتز” وضغوط الانتشار
وأشار “ذي إنترسبت” إلى أن البحرية الأمريكية لا تمتلك سوى 11 مجموعة ضاربة لحاملات الطائرات، وفي ظل الضغوط المستمرة الناتجة عن فترات الانتشار الطويلة، تقرر تمديد العمر التشغيلي لأقدم حاملة طائرات في الأسطول، وهي “يو إس إس نيميتز”.
وحتى الآن، جرى نشر أربع مجموعات من أصل المجموعات الضاربة الـ11 في الشرق الأوسط خلال الحرب، بينما تخضع بعض حاملات الطائرات المتبقية لعمليات إصلاح واسعة النطاق، ولن تكون جاهزة للانتشار مجددًا لسنوات مقبلة.
وأكملت المجموعة الضاربة لحاملة الطائرات “يو إس إس جيرالد آر فورد” مهمة انتشار قياسية استمرت 11 شهرًا، تضمنت أيضًا عملية غزو فنزويلا. وفي الظروف العادية، ترسو حاملة الطائرات في الميناء مرة واحدة شهريًا تقريبًا لإتاحة الفرصة للطاقم للراحة.
ووفقًا لـ”وسام الاستحقاق الرئاسي للوحدات العسكرية”، واجهت السفينة “تهديدا مستمرا من صواريخ العدو والمسيّرات الانتحارية” خلال انتشارها في الشرق الأوسط.
وفي وقت مبكر من الحرب مع إيران، تعرضت “فورد” لأضرار جسيمة جراء حريق اندلع في غرفة الغسيل، بالتزامن مع تعطل نظام إخماد الحرائق، ما أجبر أفراد الطاقم على مكافحة الحريق يدويًا لنحو 30 ساعة.
وتسبب الحريق في توقف الطلعات الجوية لمدة يومين، كما حُرم نحو 600 بحار من الوصول إلى أماكن نومهم بسبب الأضرار التي خلفها الحريق.
ورغم إعلان البحرية عن وقوع عدد قليل من الإصابات جراء الحريق، ظهرت سريعًا تقارير تفيد بتلقي أكثر من 200 بحار العلاج بسبب استنشاق الدخان أو إصابات أخرى.
مشكلات مستمرة داخل “فورد”
وأوضح التقرير أن حاملة الطائرات “فورد” عانت لسنوات من مشكلات مستمرة في شبكة الصرف الصحي، إذ سُجلت 205 حالات تعطل خلال أربعة أيام فقط في عام 2025.
وقبل مغادرة “فورد” منطقة البحر الكاريبي، كانت الحاملة تواجه مشكلات متواصلة تتعلق بالمراحيض، التي يبلغ عددها قرابة 650 مرحاضًا.
وعادت المشكلات نفسها للظهور في الشرق الأوسط، حيث عانت الحاملة من انسداد المراحيض وامتلائها بالفضلات، وفقًا لمقطع فيديو حصلت عليه شبكة “سي إن إن”.
وفي السياق ذاته، قضت حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن” معظم فترة انتشارها البحري التي استمرت تسعة أشهر دون التوقف في أي ميناء، وهو ما أدى إلى تقارير عن مشكلات حادة في الروح المعنوية، ونقص في الإمدادات، ومحاولات انتحار، إلى جانب سقوط أحد أفراد الطاقم في البحر على الأقل.
وفي الشهر الماضي، حلت حاملة الطائرات “يو إس إس جورج واشنطن” محل “لينكولن”، ما أتاح للأخيرة، التي عانت من صدأ شديد، التوجه إلى تايلاند للتوقف في أحد موانئها.
استنزاف مخزونات الدفاع الجوي
وأشار “ذي إنترسبت” إلى أنه رغم المزاعم التي رددها ترامب وبيت هيغسيث على مدى أشهر بشأن القضاء على الجيش الإيراني، شنت إيران هجمات استهدفت أكثر من 15 قاعدة في أنحاء الشرق الأوسط، استنادًا إلى معلومات من مسؤولين أمريكيين وتقارير إيرانية.
كما أفاد مسؤولون أمريكيون تحدثوا إلى الموقع، إلى جانب تقارير صحفية عديدة، بأن مخزونات صواريخ الدفاع الجوي المتطورة، ومنها صواريخ “باتريوت” و”ثاد” الاعتراضية، استُنزفت إلى درجة أن القوات الأمريكية لم تعد تسقط جميع الصواريخ والمسيّرات الإيرانية الموجهة إلى أهداف أمريكية وحليفة في الشرق الأوسط.
ورفض كل من ترامب وهيغسيث هذه المزاعم. ونشر ترامب الاثنين تصريحًا قال فيه إن الولايات المتحدة “تنتج أسلحة فائقة التطور ونخبوية أكثر من أي وقت مضى في تاريخنا”.
لكن تقرير المفتش العام المشار إليه سابقًا جاء مناقضًا لهذه التصريحات، إذ كشف أن الصراع أدى إلى “نقص استراتيجي في المخزونات”، وأظهر وجود “اختناقات في القاعدة الصناعية الخاصة بإعادة إمداد الذخائر”.
وفي مايو، قال الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية (CENTCOM)، أمام الكونغرس: “لدينا كل الذخائر اللازمة للدفاع عن قواتنا وتنفيذ مجموعة واسعة من العمليات الطارئة”.
ومع ذلك، تقر وزارة الحرب الأمريكية بأن 410 جنود أمريكيين قُتلوا أو أُصيبوا منذ 7 يوليو وحده.
ووفقًا لتحليل أجراه “المعهد الملكي للخدمات المتحدة” في مارس، استهلكت الولايات المتحدة وحلفاؤها أكثر من 11 ألف قطعة ذخيرة خلال الأيام الـ16 الأولى من الحرب وحدها.
كما استُخدم نحو 65 بالمئة من صواريخ “باتريوت” الاعتراضية خلال الفترة الممتدة بين فبراير ويوليو، ما أدى إلى بقاء أقل من 830 صاروخًا من أصل 2330 كانت موجودة قبل الحرب، بحسب تحليل أجراه “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية”.
وفي الوقت نفسه، انخفض عدد صواريخ “ثاد” (THAAD) من أكثر من 450 صاروخًا إلى أقل من 270.
أضرار في قواعد أمريكية بالمنطقة
وبالإضافة إلى تدمير قاعدة “NSA” في البحرين، تعرض مركز العمليات الجوية المشتركة في قاعدة العديد الجوية بقطر لأضرار جسيمة جراء الصواريخ الإيرانية في وقت مبكر من الحرب، ما أدى إلى خروجه من الخدمة.
وتعرض كلا الموقعين لهجوم آخر مؤخرًا، وهو ما أثار تساؤلات بشأن إمكانية إعادة بنائهما.
كما شنت إيران هجومًا على قاعدة “موفق السلطي” الجوية في الأردن الأسبوع الماضي، ما أدى إلى تضرر عدة طائرات عسكرية أمريكية، وفقًا للمسؤول الأمريكي الثاني.
وردًا على ذلك، أطلقت القوات الأمريكية عددًا “كبيرًا” من صواريخ “باتريوت” الاعتراضية لحماية القوات الأمريكية، بحسب المسؤول نفسه.
وأكد مسؤولون أمريكيون أن إيران هاجمت أيضًا “البرج 22″، وهو موقع عسكري أمريكي يقع على الحدود الشمالية للأردن مع سوريا.
وأشارت صور الأقمار الصناعية، إلى جانب الصور ومقاطع الفيديو المتداولة عبر الإنترنت، إلى تعرض القاعدة لأضرار جسيمة. ويُذكر أنه في عام 2024، أسفر هجوم بطائرة مسيّرة شنته ميليشيا مدعومة من إيران على “البرج 22” عن مقتل ثلاثة جنود أمريكيين.
وقالت إيران إنها هاجمت أيضًا منشآت عسكرية أمريكية في قاعدتي “الأمير حسن” و”الملك فيصل” الجويتين في الأردن، وقواعد “الأديري” و”أحمد الجابر” الجوية و”معسكر الدوحة” و”علي السالم” الجوية و”معسكر عريفجان” في الكويت.
وفي الأسبوع الماضي، أعلن الحرس الثوري الإيراني أن قواته شنت “هجمات متزامنة على القواعد الأمريكية في الأردن والبحرين وأربيل”، بما في ذلك “هجوم مشترك بالصواريخ والمسيّرات استهدف مقر وسكن القائد الأمريكي لقاعدة علي السالم”.
ولم تستجب القيادة المركزية (CENTCOM) لطلب التعليق على الهجمات التي استهدفت مواقعها، أو لتقديم حصيلة رسمية لعدد المواقع التي تعرضت للقصف.
لكن تقرير المفتش العام للبنتاغون كشف أن الضربات الإيرانية “ألحقت أضرارا ودمرت مئات المباني والمنشآت في القواعد الأمريكية في كل من الكويت والبحرين وقطر والإمارات والسعودية والعراق وعمان والأردن خلال الصراع”.
كما كشف التقرير عن “تدمير أو تضرر عشرات الطائرات الأمريكية”، من بينها أربع مقاتلات من طراز F-15، و12 طائرة تزود بالوقود من طراز KC-135، وما يصل إلى 30 طائرة مسيرة من طراز MQ-9 Reaper.
إضغط هنا لمزيد الأخبار
















