أحداثأهم الأحداثاقتصاد عالمياقتصادياتدولي

مغادرة الإمارات لـ “أوبيك”: رسالة سياسية مشفرة إلى السعودية

 الرأي الجديد

خروج الإمارات من “أوبيك” في ظل إغلاق مضيق هرمز يسلّط الضوء على أبعاد سياسية تتجاوز سوق النفط، ويعكس توترات داخلية في تحالف المنتجين والتأثيرات على أسعار النفط.

أعلنت الإمارات خروجها من منظمة أوبيك في وقت حسّاس تعيشه سوق النفط العالمية بسبب النقص الذي في الإمدادات عقب إغلاق مضيق هرمز منذ نحو شهرين. صحيح أن خروج الإمارات من الحلف النفطي، لا يؤثّر بشكل كبير على المنظّمة لناحية التأثير على السعر الذي تفرضه، لكن له دلالات وأبعاد سياسية تتجاوز الحسابات التقنية المرتبطة بحصص الإنتاج، إلى ما هو أبعد من سوق الطاقة نفسها.

فالخروج الإماراتي من أوبيك هو خروج من مظلّة سياسية تتمتّع فيها السعودية بالثقل الأكبر، بحكم موقعها كأكبر منتج داخل المنظمة وصاحبة الكلمة الأكثر تأثيراً في قراراتها. لذلك، تبدو الخطوة الإماراتية أقرب إلى رسالة سياسية موجهة إلى الرياض، تعلن فيها أبو ظبي رغبتها في تحرير قرارها النفطي من الوصاية غير المعلنة لـ«الكارتيل النفطي» الأهم في العالم.

هذه الخطوة تعني تراجع التزام الإمارات بسقف جماعي للإنتاج، ويعكس رغبة متزايدة في تحرير قرارها النفطي من القيود التي فرضتها معادلة «أوبك+» خلال السنوات الماضية، خصوصاً في ظلّ صعود التباينات بينها وبين السعودية حول الحصص، والاستثمارات المستقبلية، ودور كل دولة في سوق الطاقة العالمي. وفي لحظة تشهد فيها الإمدادات اضطراباً حاداً بفعل إغلاق مضيق هرمز، يبدو القرار أقرب إلى إعلان سياسي بأن أبو ظبي تريد أن تتصرّف كمنتج مستقل، قادر على توظيف طاقته الإنتاجية في خدمة مصالحه المباشرة، لا في خدمة توازنات المنظمة وحدها.

الموقف الأميركي

ينظر الأميركيون إلى «أوبيك» بعينين مختلفتين. في الخطاب السياسي العلني، تُقدَّم المنظمة ككتلة تتحكّم بالأسعار وتضغط على المستهلك الأميركي كلما ارتفعت كلفة البنزين. لذلك، لم يكن غريباً أن يهاجم دونالد ترامب «أوبيك» أكثر من مرة، فعلى سبيل المثال، كتب عام 2018 أن «احتكار أوبيك يجب أن يخفض الأسعار الآن». وفي الأيام الأخيرة رحّب ترامب، بعد إعلان خروج الإمارات، بالخطوة قائلاً إنها «أمر جيد» لخفض أسعار النفط والغاز والطاقة عموماً. لكن هذه العلاقة أكثر تعقيداً من خطاب المواجهة.

فالولايات المتحدة، التي أصبحت أكبر منتج للنفط في العالم، تستفيد من إضعاف قدرة «أوبيك» على فرض أسعار مرتفعة، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى حدّ أدنى من الانضباط في السوق، كي لا تنهار الأسعار إلى مستويات تضرب صناعة النفط الصخري الأميركية. فإنتاج النفط الصخري أعلى كلفة من النفط التقليدي الخليجي، وتُظهر بيانات «دالاس فيد» ووكالة الطاقة الأميركية أن شركات الحفر الأميركية تحتاج، في المتوسط، إلى أسعار بحدود الستينات من الدولارات للبرميل كي يكون حفر آبار جديدة مجدياً في أهم الأحواض الصخرية، مثل «البرميان». لذلك، فإن واشنطن تريد «أوبيك» أضعف سياسياً وأكثر قابلية للضغط، لكنها لا تريد سوقاً منفلتة بالكامل تؤدي إلى هبوط حاد في الأسعار، لأن ذلك يهدّد قطاعاً بات جزءاً أساسياً من قوتها الطاقوية.

وقد بلغ إنتاج الولايات المتحدة من الخام مستوى قياسياً في 2025 نحو 13.6 مليون برميل يومياً، ما يعزز موقعها كأكبر منتج عالمي. من هنا، يبدو الموقف الأميركي من خروج الإمارات من «أوبيك» جزءاً من معادلة الترحيب بأي خطوة تُضعف الكارتل وتحدّ من نفوذ السعودية داخله، مع الحرص في الوقت نفسه على ألّا يتحوّل ضعف أوبيك إلى فوضى سعرية ترتدّ على صناعة النفط الأميركية نفسها.

من السياق الأوسع إلى الخلافات الضيقة

بشكل عام، لم يأتِ القرار الإماراتي من فراغ. فالعلاقة بين أبو ظبي والرياض داخل «أوبيك+» شهدت منذ سنوات توتراً واضحاً حول حصص الإنتاج، ظهر علناً في صيف 2021 عندما عطّلت الإمارات مفاوضات المجموعة اعتراضاً على تمديد اتفاق خفض الإنتاج من دون تعديل خط الأساس الذي تُحتسب على أساسه حصتها.

   ++ منشأة إماراتية لاستخراج النفط

كانت أبو ظبي ترى أن هذا الخط لم يعد يعكس طاقتها الإنتاجية بعد سنوات من الاستثمار في القطاع، وأن الالتزام به يعني تقييد قدرتها على تحويل هذه الاستثمارات إلى إنتاج فعلي. في المقابل، تمسّكت السعودية بمنطق الانضباط الجماعي، باعتباره الأداة الأساسية لحماية الأسعار وإدارة المعروض. ومن هنا، فإن الخروج الإماراتي يبدو امتداداً لخلاف قديم حول سؤال جوهري: من يحدد كمية النفط التي تستطيع كل دولة إنتاجها، المنظمة أم الدولة المنتجة نفسها؟

ي المحصّلة، لا يبدو أن الخروج الإماراتي من «أوبيك» قادر، في المدى الفوري، على تغيير ما يجري في سوق النفط بفعل إغلاق مضيق هرمز. فالمشكلة الأساسية اليوم ليست في موقع الإمارات داخل المنظمة أو خارجها، بل في قدرة النفط على الخروج من المنطقة أصلاً. وبما أن إغلاق المضيق يقيّد مسارات التصدير، فإن أي تحرّر إماراتي من سقوف «أوبيك» لا يترجم تلقائياً إلى زيادة فعلية في المعروض العالمي. فالإمارات، حتى لو أرادت رفع إنتاجها، تبقى قدرتها على تصدير كميات إضافية محدودة طالما أن الممر البحري الأساسي أمام نفط الخليج مغلق أو معطّل.

لذلك، وبعيداً عن ردّة فعل الأسواق وتوقّعات المضاربين، يصعب أن يترك القرار أثراً مباشراً على الأسعار في هذه اللحظة. فالأسعار تتحرك الآن بفعل نقص الإمدادات ومخاطر النقل، لا بفعل تبدّل عضوية دولة داخل أوبيك. من هنا، يصبح المعنى الأهم للقرار سياسياً وهو رسالة إماراتية إلى السعودية، وإشارة إلى تبدّل محتمل في موازين العلاقة داخل المنظومة النفطية الخليجية. أما أثره الحقيقي فيبقى مؤجلاً إلى ما بعد الحرب، حين تُفتح الممرات مجدداً، وتظهر النتائج السياسية للأزمة، ويتبيّن ما إذا كان خروج الإمارات خطوة عابرة أم بداية إعادة تموضع أوسع في سوق النفط وتحالفاته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعريف:

نشأة «أوبيك» ووظيفتها

تأسّست منظّمة الدول المصدّرة للنفط «أوبيك» عام 1960 في بغداد، على يد خمس دول هي السعودية، العراق، إيران، الكويت وفنزويلا، بهدف تنسيق سياسات الإنتاج والتسعير بين الدول المنتجة في مواجهة هيمنة الشركات النفطية الغربية الكبرى. ومع الوقت، توسّعت المنظمة بانضمام دول أخرى، بينها قطر عام 1961، إندونيسيا وليبيا عام 1962، الإمارات عام 1967، الجزائر عام 1969، نيجيريا عام 1971، ثم الإكوادور والغابون في السبعينيات، ولاحقاً، أنغولا وغينيا الاستوائية والكونغو. لكن عضوية أوبيك لم تكن ثابتة دائماً، إذ غادرتها أو علّقت عضويتها دول عدّة مثل قطر، إندونيسيا، الإكوادور وأنغولا، بما يعكس التوتر الدائم بين الالتزام بسقف جماعي للإنتاج ورغبة كل دولة في إدارة نفطها وفق مصالحها الخاصة. أما روسيا، فهي ليست عضواً في أوبيك، لكنها أصبحت منذ عام 2016 لاعباً أساسياً عبر صيغة «أوبيك+»، التي تجمع دول المنظمة مع منتجين من خارجها لتنسيق الإنتاج.

وقد نشأت المنظمة أساساً كإطار لتنسيق السياسات النفطية بين الدول المنتجة، في مواجهة هيمنة الشركات النفطية الغربية الكبرى على التسعير والإنتاج، ثم تحوّلت مع الوقت إلى أحد أبرز الفاعلين في سوق الطاقة العالمية. كانت «أوبيك» تضم، قبل الخروج الإماراتي، نحو ثلث إنتاج النفط الخام العالمي تقريباً، فيما تستحوذ دولها على الحصة الأكبر من الاحتياطيات النفطية المؤكدة، بما يقارب 80% من احتياطيات العالم. لذلك ينبع تأثير المنظمة من قدرتها التي تنعكس على توقعات السوق عبر قرارات خفض أو زيادة الإنتاج، ومن موقع السعودية داخلها بوصفها المنتج الأكبر وصاحبة القدرة الأوسع على تعديل المعروض، وهو ما جعل «أوبيك»، عملياً إطاراً سياسياً لإدارة التوازنات بين كبار المنتجين.

إضغط هنا لمزيد الأخبار

شاهد أيضا :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى