الكرباعي: المافيا الإيطالية تنشط في تونس.. والفراغ الدبلوماسي يفاقم مأساة المهاجرين

روما ــ الرأي الجديد (صحافة عالمية)
قال الناشط المتخصص بحقوق المهاجرين، مجدي الكرباعي، إن الفراغ الدبلوماسي يفاقم معاناة المهاجرين التونسيين في الخارج، داعياً لاعتماد آلية قنصلية لمتابعة أوضاع المحتجزين في السجون الإيطالية.
وتحدث الكرباعي، عن تقارير رسمية إيطالية، تؤكد وجود نشاط لعدد من منظمات المافيا في تونس، لكنه أكد أنه لم تصدر حتى الآن أحكام قضائية، تؤكد تورط هذه المنظمات الإجرامية في تهريب المخدرات إلى تونس.
أزمة الدبلوماسية التونسية
وقال، في حوار خاص لـ ”القدس العربي”: “تعيش الدبلوماسية التونسية وضعاً غير مسبوق. فبحسب معطيات غير رسمية، هناك 27 سفارة تونسية في العالم دون سفير، و12 قنصلية دون قنصل عام، ويشمل هذا الشغور قنصليات في فرنسا وألمانيا وإيطاليا. بل إن القنصلية العامة في باريس تعمل دون قنصل عام منذ أكثر من سنتين، رغم أن فرنسا تحتضن أكبر جالية تونسية في الخارج. والمسألة ليست بروتوكولية، فالقنصل هو من يملك الصفة والصلاحية للتحرّك السريع لدى السلطات المحلية”.
وأضاف: “تنعكس هذه الشغورات مباشرة على حياة التونسيين في الخارج، من خلال بطء التعامل مع حالات الوفاة في السجون ومراكز الاحتجاز، وغياب المتابعة في ملفات حماية الطفولة، وضعف المرافقة في عمليات الترحيل، والتعقيدات الإدارية المرتبطة بإعادة الجثامين واستخراج الوثائق. وتُبيّن قضية الرضيعة الأخيرة أن التدخل القنصلي ممكن وفعّال حين يحدث، لكنه يظلّ رهين المبادرات الفردية لبعض الموظفين وضغط مواقع التواصل الاجتماعي، لا ثمرة سياسة واضحة ومنظّمة”.
ودعا السلطات التونسية إلى “سدّ هذه الشغورات بتعيينات قائمة على الكفاءة والخبرة، بعيداً عن منطق الولاء والحسابات الضيّقة.
أوضاع المساجين والمحتجزين
كما دعا إلى إحداث آلية قنصلية دائمة لمتابعة أوضاع المساجين والمحتجزين في مراكز الترحيل، والمطالبة رسمياً بفتح تحقيق مستقل في كلّ حالة وفاة لمواطن تونسي”.
كما دعا إلى “توفير مرافقة قانونية للعائلات المعنية بملفات حماية الطفولة، والضغط على الجانب الإيطالي لنشر المعطيات المفصّلة بحسب الجنسية”.
وأضاف: “على الدولة أن تكفّ عن اختزال علاقتها بإيطاليا وأوروبا في التعاون الأمني لمنع الهجرة، وأن تضع كرامة مواطنيها وحقوقهم في صلب هذه العلاقة”.
وأكد، في السياق، عدم وجود حصيلة رسمية خاصة بالتونسيين الذين توفّوا في السجون الإيطالية خلال سنة 2026.
واستدرك بالقول: “لكنّ السياق العام يبعث على القلق. فقد سجّل الضامن الوطني لحقوق المحرومين من الحرية 184 حالة وفاة في المؤسسات السجنية الإيطالية، بين 1 جانفي و31 أوت 2026، مقابل 167 حالة في الفترة ذاتها من سنة 2025. وفي ملفّ جمعية أنتيغون حول حالات الانتحار والوفاة خلال سنة 2025 والأشهر الأولى من 2026، كان من بين المتوفّين القادمين من شمال إفريقيا تسعة تونسيين، أصغرهم قاصر غير مصحوب يبلغ من العمر 17 عاماً، توفي في منتصف أوت 2025، بعد ساعات قليلة من إيداعه مؤسسة للأحداث في تريفيزو”.
وتابع الكرباعي: “تواصلت الحالات خلال هذه السنة، ومنها وفاة سجين في الخامسة والأربعين من عمره في سجن سبوليتو خلال شهر ماي، ووفاة سجين تونسي في السادسة والأربعين في قسم العزل بسجن بارما يوم 27 أوت، فضلاً عن وفاة مهاجر تونسي في الثلاثين من عمره في مركز الاحتجاز والترحيل بسان جيرفازيو. وكان أغلب هؤلاء من الشباب الذين أُوقفوا إما بسبب وضعية الإقامة غير القانونية أو لارتكاب جنح بسيطة، ليجدوا أنفسهم في سجون مكتظّة، من دون مترجم أو محامٍ أو متابعة قنصلية. وكثيراً ما تبقى ملابسات وفاتهم غامضة، فتعيش عائلاتهم بين الحزن والشكّ من دون إجابات”.
ترحيل المهاجرين
وفيما يتعلق بملف ترحيل المهاجرين إلى تونس، قال الكرباعي: “المشكلة الأولى هي غياب الشفافية، إذ اكتفت وزارة الداخلية الإيطالية بتقديم الأرقام الإجمالية لسنة 2025، ورفضت نشر توزيعها بحسب الجنسية، رغم أنها كانت تنشر هذه البيانات في السنوات السابقة. وما نعرفه هو أن تونس كانت تمثّل وحدها قرابة نصف عمليات الترحيل القسري بين عامي 2022 و2024، قبل أن يتراجع عدد رحلات الشارتر (التي تنقل المهاجرين) من 1705 إلى 360، مع تعليق هذه العمليات منذ جوان 2025”.
وأضاف: “أما في سنة 2026، فتُظهر لوحة الإحصاءات الإيطالية، حتى 13 أوت، تسجيل 5414 عملية ترحيل منذ بداية السنة، منها 4647 عملية قسرية، من دون أيّ تفصيل بشأن عدد التونسيين بينها. وأرى أن من حقّ التونسيين معرفة عدد مواطنيهم المرحّلين وظروف ترحيلهم، وأن من واجب وزارة الخارجية التونسية نشر هذه الأرقام بدلاً من انتظارها من الجانب الإيطالي”.
دور المافيا في تونس
وفيما يتعلق بتورط منظمات المافيا الإيطالية في تهريب المخدرات إلى تونس، أكد الكرباعي أنه “لا توجد إحصائية تونسية رسمية منشورة تحصي كميات المخدرات المضبوطة القادمة من إيطاليا تحديداً، إذ تكتفي البلاغات الرسمية في الغالب بالإشارة إلى “دولة أوروبية” من دون تسميتها”.
واستدرك بالقول: “غير أن المعطيات المتاحة تبيّن أن ميناء حلق الوادي يمثّل بوابة رئيسية لهذا التهريب. ففي سنة 2023، حجزت مصالح الديوانة (الجمارك) بالميناء 376 كيلوغراماً من القنب الهندي والكوكايين، وأكثر من 354 ألف قرص مخدّر. كما أُحبطت عملية تهريب 134 كيلوغراماً من القنب الهندي داخل سيارة مسافر قادم من ميناء جنوة”.
وأضاف: “وقبل أيام قليلة، صدر حكم بالسجن 25 سنة بحقّ متهم هرّب كيلوغرامين من الكوكايين من دولة أوروبية عبر حلق الوادي، بعدما جزّأهما وأخفاهما داخل نعال أحذية. أما المسالك غير المباشرة، أي العبور عبر دول ثالثة، فتجعل الإحصاء الدقيق عسيراً، لأن الشحنة تُسجّل بحسب آخر نقطة انطلاق، لا بحسب مصدرها الحقيقي”.
ورغم ذلك، أكد الكرباعي وجود تقارير إيطالية رسمية “تُقرّ بنشاط المافيا خارج الحدود. إذ يؤكّد التقرير السنوي لإدارة مكافحة المخدرات بوزارة الداخلية الإيطالية تعزّز الدور المهيمن لـ”الندرانغيتا”، التي تُعدّ من أقوى التنظيمات الإجرامية في العالم، ويذكر تونس ضمن الدول التي تمتدّ إليها شبكاتها. كما أشار تقرير أقدم للوزارة إلى تمركز مجموعات من الكامورا (إحدى منظمات المافيا) في عدّة دول، من بينها تونس، خلال الفترة الأخيرة”.
لكنه اعتبر أن “القول إن المافيا الإيطالية تتحمّل مسؤولية تهريب المخدرات إلى تونس، يحتاج إلى أحكام قضائية تُثبت ذلك، وهي غير متاحة للعموم حتى الآن”.
النفايات.. والأطفال
وأوضح أن الأمر يختلف في ملف النفايات، ولا سيما فيما يتعلق بتورّط مسؤولين محليين، قائلاً: “في قضية سوسة، أُبرمت الصفقة بين شركة تونسية تُدعى “سوريبلاست” وشركة إيطالية من نابولي، وشملت قرابة 7900 طن من النفايات موزّعة على 282 حاوية. وأسفرت التحقيقات عن ملاحقة 26 شخصاً بتهم فساد، من بينهم وزير البيئة السابق مصطفى العروي ومسؤولون في الديوانة، في حين ظلّ مدير الشركة التونسية في حالة فرار، كما شمل الاستجواب قنصل تونس في نابولي. فتورّط مسؤولين تونسيين ثابت إذن قضائياً، أما ربط هذه الصفقة بتنظيم مافيوي بعينه، فلم يصدر فيه، حسب علمي، أيّ حكم منشور”.
وكان الكرباعي قد أكد في وقت سابق أن السلطات الإيطالية انتزعت طفلة من والديها التونسيين قبل أن تعيدها إليهما لاحقاً، وهو ما يثير تساؤلات بشأن تكرار حوادث مماثلة تطال المهاجرين التونسيين في إيطاليا وبقية الدول الأوروبية.
وأكد الناشط الحقوقي في مجال الهجرة، أنه “لا توجد، في حدود علمي، إحصائية رسمية منشورة في إيطاليا تُصنّف قرارات إيداع الأطفال خارج أسرهم بحسب جنسية الوالدين. ولذلك، يظلّ الحديث عن ظاهرة تخصّ العائلات التونسية تحديداً قائماً على حالات فردية وثّقتها وسائل الإعلام أو وصلتني مباشرة من العائلات المعنية. وهذا الغياب جزء من المشكلة في حدّ ذاته، إذ يحول انعدام المعطيات المفصّلة دون أيّ تقييم موضوعي، ويفتح الباب في الوقت نفسه أمام التهويل والإنكار. من هنا، أعتبر أن المطالبة بالشفافية في هذه المعطيات مطلب أساسي، سواء من السلطات الإيطالية أو من الدولة التونسية التي يُفترض أن تتابع أوضاع مواطنيها”.
وتابع: “الحالة الأخيرة التي هزّت الرأي العام مثال واضح على ذلك. فقد أوضح والد الرضيعة أنه لا يملك وثائق إقامة قانونية في إيطاليا، في حين تحمل زوجته أوراقاً رسمية، وهو ما تسبّب في تدخّل مصالح حماية الطفولة وأخذ الرضيعة من المستشفى إثر ولادتها. وقد عادت الطفلة رسمياً إلى أسرتها في خطوة أولى لاختبار أهلية العائلة لرعايتها”.
إضغط هنا لمزيد الأخبار
















