أحداثأهم الأحداثدولي

11 سبتمبر كما عاشته البشرية.. وكما روته “الجزيرة”

الدوحة ــ  الرأي الجديد

وجد صحفيو الجزيرة أنفسهم في قلب هجمات غيرت العالم، ينقلون تطوراتها وسط الغموض، وضغط السبق، وصعوبة التحقق، فكيف عايشوا اللحظات الأولى لـ 11 سبتمبر ؟

من كابل التي كانت تستعد للحرب، إلى غرفة أخبار وجدت نفسها أمام أشرطة ومقابلات لا تشبه أي مادة عادية، يستعيد فيلم “11 سبتمبر كما روته الجزيرة” على منصة الجزيرة 360″ لحظة تحولت فيها الشبكة إلى نافذة نادرة على أفغانستان. لكنها لم تكن قصة سبق صحفي فقط، بل اختبارا قاسيا للصورة والتحرير وسلامة المراسلين.

لم يصل خبر هجمات 11 سبتمبر إلى تيسير علوني من مكان هادئ أو من غرفة أخبار مكتملة التجهيز. كان في أفغانستان، وسط أجواء عسكرية مشحونة وقصف قريب، قبل أن يجد نفسه شاهدا على الحدث الذي سيغير مسار العالم، ويغير معه معنى وجود الجزيرة في كابل.

ماذا قال تيسير علوني ؟

يروي تيسير علوني، مدير مكتب الجزيرة في أفغانستان آنذاك، أن حياته كانت موزعة بين المكتب والمحكمة والجبهات والبحث عن وجبة سريعة في مدينة مثقلة بالحرب. كانت كابل تعيش توترا دائما، وتتحرك تحت حكم طالبان بإيقاع مختلف عن عواصم العالم. حتى القصاصة التي حملها إليه رجل أمن بدت، في سياق ما سيأتي، كأنها إشارة مبكرة إلى أيام لا تشبه ما قبلها.

وحين وصل نبأ الهجمات، لم يكن استيعاب حجمه فوريا حتى داخل غرف الأخبار. ظن مدير الأخبار في الجزيرة إبراهيم هلال في البداية أن ما يجري حريق في أحد برجي مركز التجارة العالمي. وديمة الخطيب، المنتجة آنذاك في غرفة الأخبار رأت المشهد من الزاوية نفسها: حريق كبير، لكن ليس بالضرورة خبرا يفرض نفسه على المشاهد العربي. أما حافظ الميرازي، مدير مكتب الجزيرة في واشنطن آنذاك، فالتقط الخبر وهو في سيارته.

لكن الصورة سرعان ما اتضحت. لم يكن الأمر حادثا عابرا ولا نشرة عاجلة ستنتهي بعد ساعات. في اجتماع سريع، يلخص إبراهيم هلال الإحساس الذي انتشر في غرفة الأخبار بقوله: “العالم الآن تغير ولن يعود كما كان”.

لم تكن تلك الجملة توصيفا لحجم الصدمة فقط. كانت أيضا بداية اختبار مهني جديد للجزيرة: كيف تغطي حدثا وقع في الولايات المتحدة، فيما تشير كل الطرق بعد ساعات إلى أفغانستان؟

من خبر في نيويورك إلى جبهة في كابل

في الفيلم، يصف تيسير علوني طريقه من الجبهة إلى كابل بأنه ربما كان أطول رحلة في حياته. كانت المدينة قد بدأت تستقبل صحفيين ووفودا أجنبية، فيما تجمع الناس في مكتب الجزيرة لمتابعة صور البرجين وما حملته من مشاهد بدت، كما يصفها علوني، مرعبة.

تدريجيا، لم تعد أفغانستان مجرد مكان بعيد في خلفية الحدث. صارت مركزا متوقعا للحرب المقبلة.

يتذكر علوني أن المؤشرات كانت تقول إن الحرب واقعة لا محالة، فيما صدرت توجيهات بحفر الخنادق والاستعداد لما هو آت. وحين بدأت الغارات، لم يكن التحدي هو الوصول إلى مكان التصوير فقط، بل البقاء فيه. يصعد المراسل إلى سطح المبنى أكثر من مرة، يتعثر، ويقاوم الجفاف والتوتر والخوف. يقول: “لساني يلتصق بسقف حلقي”.

مذيع الجزيرة محمد كريشان يستعيد في الفيلم صورة كابل الغارقة في الظلام، وتيسير علوني فيها مراسلا يكاد يكون وحيدا ينقل ما يجري من الداخل. حرب واسعة، ومراسل واحد، وصورة مطلوبة من العالم كله. وهنا تحول التفرد إلى مسؤولية: كل كلمة قابلة للتدقيق، وكل لقطة قابلة لأن تصبح جزءا من رواية أكبر عن الحرب.

حين تصير الصورة موضع نزاع

لم يكن امتلاك الصورة نهاية المهمة، بل بداية ضغط من نوع آخر. تظهر في الفيلم شهادة أوكتافيا نصر، رئيسة تحرير الشؤون العربية لسي إن إن (CNN)، وهي تروي كيف راقبت القنوات بحثا عن مادة من أفغانستان، فلم تجد سوى الجزيرة. دفعها ذلك إلى الذهاب إلى الدوحة وتثبيت علاقة تتيح تبادل المادة المصورة.

في الوقت نفسه، كان علوني يتلقى اتصالات من إدارة الجزيرة، ورئيس غرفة الأخبار في الجزيرة آنذاك، أحمد الشيخ تحمل رسالة: انتبه لكل كلمة تقولها. فالمادة التي تبث من كابل لا تذهب إلى جمهور واحد، بل تتابعها مئات المؤسسات الإعلامية حول العالم.

لكن الصورة التي خرجت من الميدان لم تكن دائما متوافقة مع الرواية الرسمية للحرب. يستعيد الفيلم لحظة اتهام وزير الدفاع الأمريكي آنذاك دونالد رامسفيلد مراسل الجزيرة بالكذب، في مواجهة بدت كأنها صدام بين ما تقوله المنصة العسكرية وما تنقله الكاميرا من مكان سقوط القنابل.

هنا طرح حينئذ كريشان السؤال الأبسط والأشد قوة: وماذا عن الصور؟

لم تكن الجزيرة في تلك اللحظة تدافع عن مادة حصرية فحسب، بل عن حق الصورة في أن تروي ما تراه، حتى حين تصبح هذه الرواية مزعجة أو مخالفة لما يراد تثبيته.

السبق ليس بثا آليا

بلغ هذا الاختبار ذروته مع وصول أول شريط لأسامة بن لادن بعد هجمات 11 سبتمبر . يروي الفيلم كيف انتقلت المادة في ظروف الحرب من كابل إلى الدوحة، وكيف وجدت غرفة الأخبار نفسها أمام سبق شديد الحساسية، لا يترك وقتا كافيا للتفكير الهادئ. يصف كريشان تلك اللحظة بأنها مغامرة لا بد منها، ويقول إنها كانت المرة الأولى والأخيرة التي يبث فيها الشريط من دون مراجعة تحريرية مسبقة.

لكن هذه اللحظة الاستثنائية لم تتحول إلى قاعدة. بعدها، بدأ العمل على التعامل مع المواد اللاحقة بطريقة مختلفة: تقسيمها، مراجعتها، وتحديد ما يمكن بثه في ضوء قيمته الخبرية وما قد يحمله من مخاطر أو رسائل دعائية. لم يعد السؤال: هل لدينا الشريط؟ بل: ما الذي يعنيه بثه؟ وكيف يقدم للمشاهد من دون أن تتحول القناة إلى ناقل بلا مساءلة؟

بهذا المعنى، يضع الفيلم السبق الصحفي في مكانه الحقيقي. السبق ليس وصولا أسرع إلى المادة فقط، بل قدرة على اتخاذ قرار مسؤول حين تكون المادة نفسها جزءا من معركة سياسية وأمنية وإعلامية.

مقابلة حصرية بشروط

ثم جاءت المقابلة مع بن لادن، وهي من أكثر محطات الفيلم كثافة. يروي علوني وصول رسول إليه لترتيب اللقاء، ثم رحلة الانتقال المعقدة التي جرت من دون معدات كثيرة سوى شعار الجزيرة وورقة وقلم. وصل إلى المكان معصوب العينين، فيما كانت ترتيبات التصوير جاهزة هناك.

لم يكن اللقاء وصولا حرا إلى مصدر استثنائي. كان مقابلة تحيط بها الشروط. أعدت الجزيرة 23 سؤالا، لكن بعض الأسئلة، خصوصا ذات الطابع الأمني، قوبلت بالرفض. وحين جلس علوني أمام بن لادن، لم يكن همّه الحصول على إجابة فقط، بل حماية معنى المقابلة الصحفية نفسها.

ويختصر إبراهيم هلال تعقيد المشهد حين يتحدث عن ظروف تحريرية وأخلاقية وأمنية شديدة السوء. فشرط البث الكامل أو عدم البث لم يكن تفصيلا فنيا. كان محاولة لتحديد من يملك الرواية، المصدر أم المؤسسة الصحفية.

الثمن الذي دفعته الصورة

لم تنته الحكاية في غرفة المونتاج أو على شاشة البث. في كابل، تعرض مكتب الجزيرة للقصف والتدمير. وتظهر ديمة الخطيب في الفيلم لتلخص الفرق بين تغطيتين للحرب بعبارة مكثفة قالها وضاح خنفر: “سي إن إن تصور الحدث من حيث تطلق الصواريخ، والجزيرة تصوره من حيث تسقط الصواريخ”.

هذه ليست مقارنة في الزاوية البصرية فقط. إنها وصف لمكان المراسل في الحرب: ليس خلف الخريطة أو في استوديو بعيد، بل في المدينة التي تهتز تحت القصف، وفي المكتب الذي يمكن أن يصبح هدفا، وفي الصورة التي قد تكون النافذة الوحيدة المتاحة للعالم.

لذلك لا يقدم الفيلم تجربة الجزيرة بعد 11 سبتمبر بوصفها قصة انتصار مهني بسيط. إنها قصة مؤسسة وجدت نفسها فجأة أمام حجم غير مسبوق من الاهتمام والضغط والخطر. امتلكت صورة نادرة، لكنها دفعت ثمن امتلاكها. وصلت إلى مصادر لا يصل إليها الآخرون، لكنها واجهت شروط تلك المصادر. وبثت مادة ذات قيمة خبرية عالية، لكنها اضطرت إلى إعادة تعريف حدود البث نفسه.

بعد 11 سبتمبر ، لم تعد الجزيرة تغطي تحولا عالميا من خارجه. صارت جزءا من ساحته: في كابل، تحت القصف، وبين صورة لا يراها العالم إلا عبر عدستها، ومسؤولية لا يمكن اختزالها في كلمة واحدة: الحصرية.

المصدر: الجزيرة

إضغط هنا لمزيد الأخبار

شاهد أيضا :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى