لأول مرة منذ النازية: انتخابات ألمانية تفتح باب السلطة أمام اليمين المتطرف

برلين ــ الرأي الجديد
وقالت صحيفة “نيويورك تايمز”، في تقرير أعده رئيس مكتبها في برلين جيم تانكرسلي، إن استطلاعات الرأي تشير إلى تقدم واضح لحزب “البديل من أجل ألمانيا”، المعروف اختصارًا بـ”AfD”، وسط حملة انتخابية ركز خلالها الحزب على ملفات الاقتصاد والهجرة وانتقاد الأحزاب التقليدية التي تتولى إدارة الولاية منذ سنوات.
وبحسب الصحيفة، يسعى الحزب إلى استثمار حالة الاستياء لدى الناخبين من تراجع الاقتصاد، متعهدًا بإحياء النشاط الاقتصادي، وترحيل المهاجرين، وتقليص نفوذ الأحزاب التقليدية.
لكن العامل الحاسم في الانتخابات، وفق “نيويورك تايمز”، لا يتعلق فقط بقدرة حزب “البديل من أجل ألمانيا” على تصدر النتائج، وإنما بمدى ارتفاع حصته من المقاعد بما يسمح له بتشكيل حكومة بمفرده، في ظل تعهد الأحزاب المنافسة بعدم الدخول في ائتلاف معه.
وتشير الصحيفة إلى أن نتيجة الانتخابات لن تقتصر تداعياتها على ساكسونيا-أنهالت، بل قد تمتد إلى المشهد السياسي في برلين، حيث يمثل حزب “البديل من أجل ألمانيا” أكبر قوة معارضة للتحالف الحاكم الذي يضم أحزابًا من يمين الوسط ويسار الوسط.
كما يمكن للنتيجة أن تقدم مؤشرًا على مدى قوة الحركات الشعبوية واليمينية المتطرفة في ألمانيا وخارجها.
مناهضة اليورو إلى صدارة المشهد السياسي
وبحسب الصحيفة، تأسس حزب “البديل من أجل ألمانيا” عام 2013، وتركز اهتمامه في البداية على معارضة اعتماد ألمانيا لليورو، باعتباره العملة الأوروبية الموحدة.
لكن الحزب غيّر توجهه تدريجيًا، واستفاد من الغضب المتزايد بشأن الهجرة من الشرق الأوسط، إلى جانب المخاوف المرتبطة بالركود الاقتصادي، ليصبح قوة سياسية بارزة ويصل إلى صدارة استطلاعات الرأي الوطنية في ألمانيا.
ورغم صعوده، لا يزال الحزب معزولًا عن المؤسسة السياسية الألمانية، إذ ترفض الأحزاب الرئيسية الأخرى التعاون معه لتشكيل حكومات على مستوى الولايات أو الحكومة الاتحادية.
وأشارت “نيويورك تايمز” إلى أن أجهزة الاستخبارات الألمانية، صنفت الحزب باعتباره جماعة “يشتبه في تطرفها”.
كما واجه الحزب انتقادات بسبب مواقف وتصريحات لبعض قياداته، إذ قلل بعضهم من أهمية الهولوكوست، بينما تبنى آخرون شعارات مرتبطة بالنازية، في حين تربط بعض قادته علاقات قوية بروسيا.
كذلك أعلن الحزب أن الإسلام لا يتوافق مع الدستور الألماني، وتعهد بتنفيذ عمليات ترحيل جماعي للمهاجرين، وهو ما دفع خصومه إلى اتهامه بالتعامل مع الألمان من أصول مهاجرة، باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية.
لماذا يتقدم حزب “البديل من أجل ألمانيا”؟
وترى “نيويورك تايمز” أن أحد أهم أسباب تقدم الحزب يتمثل في حالة الإحباط التي يشعر بها قطاع من الناخبين ورغبتهم في تغيير النظام السياسي الألماني.
وفي الولايات الشرقية، ومن بينها ساكسونيا-أنهالت، يرى مؤيدو الحزب أنه يمثل فرصة لكسر هيمنة أحزاب الوسط على السلطة السياسية في ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وفي إطار حملته الانتخابية، طرح الحزب مجموعة من السياسات التي تستهدف المهاجرين والأسر الألمانية، من بينها تقليص المساعدات الاجتماعية المقدمة للمهاجرين، وزيادة الدعم المالي للأسر الألمانية التي تضم أبًا وأمًا من مواليد ألمانيا.
كما اعتمد الحزب على حملة نشطة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مستفيدًا من مرشح شاب نسبيًا لمنصب رئيس حكومة الولاية، هو أولريش زيغموند، الذي يتمتع بشعبية واسعة على منصة “تيك توك”.
ماذا يعني وصول الحزب إلى حكومة الولاية؟
وترى “نيويورك تايمز” أن حصول حزب “البديل من أجل ألمانيا” على أغلبية في ساكسونيا-أنهالت سيكون حدثًا بالغ الأهمية بالنسبة إلى النظام السياسي الألماني الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية.
فهذا النظام صُمم، بحسب الصحيفة، بهدف تشجيع الاعتدال والتوافق السياسي، ومنع الأحزاب التي تعتبر متطرفة من العودة إلى السلطة.
وقد يؤدي فوز الحزب إلى إضعاف موقف المستشار فريدريش ميرتس، الذي قد يواجه انتقادات من داخل ائتلافه الحاكم وتحميله مسؤولية خسارة الولاية.
كما أن تحقيق الحزب فوزًا كبيرًا قد يساهم في تطبيع وجوده داخل الحياة السياسية الألمانية، وربما يشجع بعض السياسيين المنتمين إلى الأحزاب التقليدية على النظر بصورة أكثر انفتاحًا إلى إمكانية تشكيل ائتلافات معه.
لكن تداعيات وصول الحزب إلى السلطة قد تكون عملية أيضًا، إذ قد يندلع خلاف فوري حول استمرار أجهزة الاستخبارات الاتحادية وأجهزة الاستخبارات في الولايات الأخرى في تبادل المعلومات الحساسة مع حكومة ساكسونيا-أنهالت.
وأشارت الصحيفة إلى أن وزير الدفاع الألماني أعلن أنه سيسعى إلى وقف هذه الممارسة، معتبرًا أن حزب “البديل من أجل ألمانيا” قريب للغاية من روسيا.
ماذا يمكن أن يحدث بعد الانتخابات؟
وبحسب “نيويورك تايمز”، فإن السيناريو الأبسط يتمثل في حصول حزب “البديل من أجل ألمانيا” على عدد كافٍ من المقاعد لتشكيل الحكومة بمفرده.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الحزب يحتاج إلى الحصول على أكثر من 50 بالمئة من أصوات الناخبين، إذ يمكن لبعض الأحزاب الأخرى أن تحصل على أصوات، لكنها قد تفشل في الوصول إلى الحد المطلوب للحصول على مقاعد في البرلمان.
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن حصول الحزب على أغلبية مطلقة أمر ممكن، وإن لم يكن السيناريو الأكثر ترجيحًا.
وفي حال فشل “البديل من أجل ألمانيا” في تحقيق الأغلبية، ستبدأ الأحزاب الأخرى مفاوضات لتشكيل حكومة ائتلافية.
ومن المتوقع أن يحتل حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المركز الثاني وأن يقود مفاوضات تشكيل الحكومة، إلا أن المهمة لن تكون سهلة، إذ يرفض بعض أعضاء الحزب التعاون مع حزب “دي لينكه” اليساري المتطرف، الذي تشير التوقعات إلى احتلاله المركز الثالث.
ويعتبر هؤلاء الأعضاء أن حزب “دي لينكه” متطرف أيضًا، وهو ما قد يزيد من صعوبة تشكيل ائتلاف قادر على الحصول على الأغلبية.
وفي حال فشل الأحزاب الأخرى في تجاوز خلافاتها، فقد يحصل حزب “البديل من أجل ألمانيا” على فرصة لاستقطاب أعضاء متمردين من تلك الأحزاب، وربما يتمكن من تشكيل الحكومة في نهاية المطاف.
متى تظهر النتيجة؟
ومن المتوقع أن يبدأ فرز الأصوات سريعًا بعد إغلاق مراكز الاقتراع في السادسة مساءً بالتوقيت المحلي.
وقالت “نيويورك تايمز” إن الساعات الأولى بعد إغلاق الصناديق قد تكشف ما إذا كان حزب “البديل من أجل ألمانيا” قد حصل على عدد الأصوات والمقاعد الذي يسمح له بتشكيل حكومة بمفرده.
أما إذا لم يحقق الحزب الأغلبية، فقد تستغرق المفاوضات بين الأحزاب الأخرى أسابيع للتوصل إلى اتفاق بشأن تشكيل حكومة ائتلافية بديلة.
وأعد التقرير جيم تانكرسلي، رئيس مكتب “نيويورك تايمز” في برلين، بمساهمة كريستوفر إف. شوتزه وتاتيانا فيرسوفا.
إضغط هنا لمزيد الأخبار
















