أحداثأهم الأحداثدولي

هل يكون العراق بوابة إيران للتملص من عقوبات ترامب ؟

بغداد ــ  الرأي الجديد

لطالما مثل العراق، بحكم موقعه الجغرافي وحدوده الممتدة مع إيران وتشابك مصالحه الاقتصادية معها، إحدى أبرز نقاط الضعف في أي محاولة أمريكية لخنق الاقتصاد الإيراني.

ومع انتقال واشنطن إلى حملة عقوبات تستهدف عزل طهران اقتصاديا بصورة غير مسبوقة، يجد العراق نفسه أمام وضع أكثر صعوبة، هل يستطيع منع أراضيه ومؤسساته المالية وقطاعه النفطي من التحول إلى منفذ تتنفس عبره إيران اقتصاديا، أم أن طبيعة العلاقات بين البلدين ستجعل بغداد، طوعا أو كرها، جزءا من مشكلة العقوبات؟

وتتزايد حساسية الموقف العراقي مع اعتماد قطاع الكهرباء على الغاز الإيراني، وتشابك جزء من القطاع المصرفي العراقي مع طهران، فضلا عن تعرض صادرات النفط العراقية نفسها لتداعيات الأزمة التي أصابت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.

وبينما تضغط واشنطن على بغداد لتشديد الرقابة على حركة الدولار وشبكات تهريب النفط، تلوح في الأفق كلفة أخرى محتملة، أن يجد العراق نفسه من أوائل المتضررين من الحملة الأمريكية الجديدة على إيران.

العراق في قلب الحملة

تأتي هذه التطورات في وقت أطلقت فيه وزارة الخزانة الأمريكية ما سمته “عملية العزل الاقتصادي”، وهي حملة تستهدف خمسة من أبرز مصادر التمويل التي تعتمد عليها إيران.

وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن واشنطن تسعى إلى فرض “أكبر عزلة اقتصادية في التاريخ” على طهران.

وحذرت وزارة الخزانة الشركات والمؤسسات المالية والحكومات الأجنبية من أن استمرار التعامل مع القطاعات المستهدفة قد يعرّضها لعقوبات ثانوية أو لقيود على الوصول إلى النظام المالي القائم على الدولار، وهو ما يجعل العراق، بالنظر إلى حجم ارتباطاته الاقتصادية مع إيران، في دائرة التداعيات المباشرة لهذه الحملة.

وكشفت شبكة “سي إن بي سي” الأمريكية، في تقرير نشرته في 25 أوت الماضي، أن العراق يعد من أكثر الدول تعرضا لتداعيات حزمة العقوبات الأمريكية الجديدة على إيران، إذ يدفع بغداد سنويا ما بين 4 و5 مليارات دولار لطهران ثمنا لواردات الغاز الطبيعي المستخدم في توليد الكهرباء، وهي المدفوعات التي قد تقيدها العقوبات الجديدة بشكل مباشر.

ولا تقتصر درجة التشابك على قطاع الطاقة، فقد تجاوز حجم التبادل التجاري بين العراق وإيران 10 مليارات دولار خلال عام 2025، وشمل صادرات إيرانية من المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية إلى السوق العراقية، غير أن هذه التجارة تراجعت خلال العام الجاري، وسط مخاطر أمنية متزايدة في المنطقة واضطرابات متقطعة على المعابر الحدودية منذ اندلاع الحرب أواخر فيفري الماضي.

عقوبات أمريكية تطال مسؤولين وشبكات داخل العراق

ولم تنتظر واشنطن تصاعد الحملة الحالية حتى تبدأ باستهداف شبكات مرتبطة بالنفوذ الإيراني داخل العراق، إذ سبق أن وجهت وزارة الخزانة الأمريكية ضربة مباشرة إلى مستوى رفيع في الحكومة العراقية نفسها.

وفي 7 ماي الماضي، فرضت الوزارة عقوبات على نائب وزير النفط العراقي علي معرج البهادلي، إلى جانب قياديين في كتائب سيد الشهداء وعصائب أهل الحق المصنفين أمريكيا منظمتين إرهابيتين أجنبيتين، وعدد من الشركات المرتبطة بهم، بحسب بيان رسمي نشرته وزارة الخزانة على موقعها الإلكتروني.

وأوضح البيان أن الفصائل المدعومة من إيران “تعمل عبر سياسيين وشركات واجهة ومهربي نفط لاستنزاف مليارات الدولارات من الشعب العراقي سنويا”، في مخططات تثري هذه الجماعات والجمهورية الإسلامية الإيرانية معا، مقدرا عائدات تهريب النفط وحدها بنحو مليار دولار سنويا لصالح النظام الإيراني وأذرعه.

وفي إجراء منفصل، أعلن مكتب تابع لوزارة الخزانة فرض عقوبات على شبكة شحن بحري يقودها رجل الأعمال العراقي وليد السامرائي، بتهمة تهريب نفط إيراني عبر تمويهه كنفط عراقي، من خلال مزجه مباشرة بالنفط العراقي الأصلي.

ووصف وزير الخزانة سكوت بيسنت هذا المخطط بأنه يدر “مئات الملايين من الدولارات” لصالح النظام الإيراني والسامرائي نفسه.

وقال، بحسب البيان: “لا يمكن للعراق أن يتحول إلى ملاذ آمن للإرهابيين، ولهذا نعمل على مواجهة النفوذ الإيراني داخل البلاد”، مؤكدا أن الوزارة “ملتزمة بحملة أقصى ضغط” لقطع إمدادات النفط الإيرانية بالكامل.

وأشار البيان إلى أن هذا الإجراء بني على عقوبات سابقة فرضت في 3 جويلية 2025، واستهدفت شبكة أخرى يقودها سالم أحمد سعيد لتهريب نفط عراقي وإيراني مخلوط بالطريقة نفسها.

من الكهرباء إلى الدولار.. ثغرات قديمة تعود إلى الواجهة

لا تنفصل هذه الآلية عن تاريخ أطول من التعامل مع العراق باعتباره إحدى الثغرات التي يمكن أن تمر عبرها الأموال إلى إيران، فقد وثقت شبكة “إن بي سي نيوز” الأمريكية في وقت سابق أن مؤسسات مالية وعمليات تهريب نفط داخل العراق زودت إيران بـ”تدفق حيوي من الدولارات” في مرحلة كانت فيها العقوبات النووية تضيق الخناق على اقتصادها.

واستشهدت الشبكة بقرار أمريكي استثنائي حظر تعامل أحد البنوك في بغداد مع النظام المصرفي الأمريكي، في اعتراف نادر من الإدارة الأمريكية حينها بأن العراق “يساعد إيران على التملص من العقوبات الاقتصادية”، رغم الوجود العسكري الأمريكي في البلاد في تلك الفترة.

وبحسب التقرير، تعهدت الحكومة العراقية بتشديد الرقابة على شركات الصرافة ومنع صرف رواتب عناصر الفصائل المرتبطة بإيران، في إطار تفاهمات مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحد من استغلال النظام المالي العراقي في الالتفاف على العقوبات الأمريكية.

واشنطن تضغط على بغداد عبر النظام المالي

كانت إدارة ترامب قد حجبت في نيسان/أبريل الماضي أموال النفط العراقي المودعة في البنك الفيدرالي بنيويورك، إلى جانب وقف تمويل الأجهزة الأمنية والتعاون معها، وهو إجراء لا يزال ساريا، للضغط على بغداد لقطع صلاتها بطهران، ومنع صعود مرشحين مقربين منها لرئاسة الوزراء، والحد من نفوذ الفصائل المسلحة المتهمة بتهريب العملة واستهداف المصالح الأمريكية واختطاف صحفية أمريكية هذا العام.

وفي سياق هذه الإجراءات، لا تنظر واشنطن إلى العلاقة العراقية الإيرانية باعتبارها ملفا تجاريا منفصلاً عن حملة العقوبات، بل تتعامل مع حركة الأموال والنفط والمؤسسات المالية العراقية باعتبارها جزءاً من المعركة الأوسع لمنع طهران من إيجاد منافذ للالتفاف على الضغوط الأمريكية.

تجارة تتجاوز 10 مليارات دولار

ويحتل العراق موقعا مهما في التجارة الإيرانية أيضا، إذ بلغت قيمة صادرات إيران إليه 7.91 مليارات دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025، مقابل واردات إيرانية من العراق بلغت نحو 450 مليون دولار، بحسب تقرير لوكالة الأنباء الفرنسية.

وبذلك، يجعل حجم العلاقات التجارية، إلى جانب الاعتماد المتبادل في الطاقة، فصل الاقتصاد العراقي عن الاقتصاد الإيراني أكثر تعقيداً من مجرد تشديد الرقابة على التحويلات المالية أو ملاحقة شبكات تهريب النفط.

لماذا يصعب على بغداد إغلاق الثغرة؟

ضمن هذا المسار المتراكم من الإجراءات الأمريكية، يجد العراق نفسه، لمرات عدة عبر عقد ونصف من الزمن تقريبا، في موقع الحلقة الأضعف في أي حصار اقتصادي تفرضه واشنطن على طهران، ولا يعني ذلك بالضرورة وجود قرار سياسي عراقي رسمي بمساعدة إيران على التملص من العقوبات، بقدر ما يعكس واقعا جغرافيا واقتصاديا يصعب فصله.

ويعتمد العراق بشكل أساسي على الغاز الإيراني، ويمتلك حدودا برية طويلة يصعب ضبطها بالكامل أمام عمليات تهريب النفط والمزج، فيما تتداخل فصائل مسلحة موالية لإيران مع مفاصل اقتصادية داخل الدولة نفسها، كما تكشفه العقوبات التي طالت نائب وزير النفط في ماي 2026.

وتزداد هذه المعضلة تعقيدا في ظل تعرض صادرات النفط العراقية نفسها للأزمة التي أصابت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، بالتزامن مع تشديد واشنطن حملتها على مصادر تمويل إيران.

إضغط هنا لمزيد الأخبار

شاهد أيضا :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى