ما بعد هرمز.. سباق إقليمي لبناء ممرات بديلة للنفط والغاز

طهران ــ الرأي الجديد
تشير بعض التطورات العسكرية، إلى اتجاه العالم إلى تقليص الاعتماد على الممرات الجغرافية الضيقة، وقد شكل مضيق هرمز طوال عقود ورقة استراتيجية مؤثرة في التوازنات.
أدت الهجمات الجوية الأميركية على إيران في 28 فيفري 2026 إلى إغلاق واسع لمضيق هرمز واندلاع مواجهات عسكرية مباشرة بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويُعد مضيق هرمز ممرا يمر عبره يوميا نحو 20 مليون برميل من النفط الخام، إضافة إلى ما يعادل 20 في المئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا، إلا أنه يواجه حاليا وضعا غير مسبوق، إذ تراجعت حركة السفن بنسبة تتراوح بين 70 و90 في المائة، فيما توقفت أكثر من ألفي سفينة في مياه الخليج.
غير أن ما يحظى باهتمام أقل هو أن الدول التي تعتمد صادراتها من الطاقة على هذا المسار بدأت تستثمر بجدية لتقليص هذا الاعتماد.
القدرات القائمة: السعودية والإمارات
وترتكز أولى استراتيجيات تجاوز مضيق هرمز على خطوط الأنابيب القائمة.

وكتبت صحيفة دنياي اقتصاد في تقرير، إن نظام «بترولاين» السعودي يمتد لمسافة 1200 كيلومتر، رابطا الحقول النفطية في شرق المملكة، ولا سيما بقيق، بميناء ينبع على البحر الأحمر. في عام 2019، جرى تحويل بعض خطوط نقل الغاز إلى نقل النفط الخام، لترتفع الطاقة الاسمية للنظام إلى 7 ملايين برميل يوميا.
وفي أفريل 2026 أعلنت شركة أرامكو أن النظام يعمل بكامل طاقته، إلا أن تحليلات لوجستية كشفت أن التحدي الرئيسي يكمن في مرافق التحميل في ينبع. فبينما تبلغ الطاقة الاسمية للتحميل نحو 4.5 ملايين برميل يوميا، تنخفض فعليا إلى قرابة 3 ملايين برميل في الظروف التشغيلية. كما يُستهلك نحو مليوني برميل من النفط المنقول لتغذية المصافي المحلية على الساحل الغربي، ما يحد عمليا من سقف الصادرات عبر هذا المسار.
أما الإمارات فتمتلك خط أنابيب بطول 380 كيلومترا يعرف باسم «أدكوب»، يتيح نقل نحو 1.5 مليون برميل يوميا إلى ميناء الفجيرة على بحر عمان، متجاوزا مضيق هرمز بالكامل، ويغطي نحو 60 في المائة من صادرات الإمارات النفطية. وتشير هذه المعطيات إلى أن البنية التحتية الحالية لا توفر بديلا كاملا، غير أن الاستثمارات المستقبلية قد تسهم تدريجيا في سد هذه الفجوة.
مشروع طريق التنمية العراقي
يُعد «طريق التنمية» في العراق أبرز المشاريع القادرة على إعادة رسم معادلات العبور الإقليمي. وتبلغ كلفة المشروع نحو 24 مليار دولار، ويهدف إلى ربط ميناء الفاو الكبير في البصرة بالحدود التركية عبر شبكة سكك حديدية وطرق بطول 1200 كيلومتر، وصولا إلى الأسواق الأوروبية.

ويؤكد القائمون على المشروع أن مدة الشحن بين شرق آسيا وأوروبا قد تنخفض بنحو 15 يوما مقارنة بمسار قناة السويس. ويتضمن المشروع خط سكك حديدية مزدوجا مخصصا لقطارات الشحن بسرعة 120 كيلومترا في الساعة، وقطارات ركاب سريعة تصل سرعتها إلى 300 كيلومتر في الساعة. وتشير التقارير إلى إنجاز أكثر من 85 في المئة من التصاميم الهندسية. وصُمم ميناء الفاو ليضم 90 رصيفا، ما قد يجعله أكبر موانئ الشرق الأوسط متجاوزا ميناء جبل علي في دبي، مع قدرة على استقطاب جزء كبير من تجارة الحاويات التي كانت تمر عبر المسارات البحرية الجنوبية.
وعلى الصعيد الجيوسياسي، وقعت تركيا وقطر والإمارات في عام 2024 مذكرة تفاهم رباعية لدعم المشروع. بالنسبة لأنقرة، يشكل هذا الممر امتدادا لـ«الممر الأوسط»، ويعزز موقع تركيا كحلقة وصل رئيسية بين الخليج وأوروبا.
إحياء سكة حديد الحجاز
يُعد مشروع إحياء سكة حديد الحجاز من المبادرات الأخرى الجديرة بالمتابعة. فقد كان هذا الخط التاريخي يربط دمشق بالمدينة المنورة، ويجري حاليا العمل على إعادة تأهيله عبر استثمارات واتفاقات جديدة بين تركيا وسوريا والأردن، بهدف إنشاء شريان بري مستدام يربط شبه الجزيرة العربية بالبحر المتوسط.
ويمثل المشروع للسعودية فرصة لربط شبكتها الحديدية بسواحل المتوسط عبر منفذ الحديثة، بما يقلص الاعتماد على المسارات البحرية الجنوبية ويوفر خيارات أوسع لصادرات الطاقة. كما يحمل أبعادا جيوسياسية، إذ قد يؤدي إلى تقليص دور بعض الموانئ الوسيطة في حركة التجارة بين تركيا والخليج، ويعيد رسم توازنات القوة الاقتصادية في المنطقة.
مقترح معهد أتلانتيك
طرح باحثون في معهد أتلانتيك مشروعا تحت اسم «عملية الفائض»، يدعو إلى جهد واسع لبناء خطوط أنابيب وموانئ جديدة، بهدف رفع القدرة على نقل النفط والغاز عبر البر إلى مستوى يقلص الحاجة للمرور عبر مضيق هرمز. ويشمل المقترح ربط إنتاج الخليج بخط سوميد في مصر، وتوسعة خط الأنابيب شرق–غرب في السعودية، وإنشاء مسارات جديدة نحو ميناء أشكلون في إسرائيل وميناء الدقم في سلطنة عمان. ورغم أن تنفيذ هذه الخطط غير مرجح على المدى القصير، فإنها تعكس توجها استراتيجيا لتقليل الاعتماد على المضيق مستقبلا.

سيناريوهات مستقبلية
السيناريو الأول يتمثل في تفعيل مقترح البرلمان الإيراني تحت عنوان «قانون الإجراء الاستراتيجي للسلام والتنمية المستدامة في منطقة الخليج»، حيث يمكن تحويل التحكم بالممر المائي إلى مصدر دخل يُقدّر، وفق بعض التقديرات، بما بين 14 و20 مليار دولار سنويا.
السيناريو الثاني يستند إلى مقترح شبيه بمشروع قرار بحريني بشأن المضيق، يقضي بإمكانية تشكيل قوة بحرية متعددة الجنسيات لضمان حرية الملاحة في حال استمرار الاضطرابات. غير أن هذا المسار ينطوي على مخاطر أمنية أكبر، وقد واجه مشروع القرار اعتراضا من روسيا والصين ولم يُعتمد.
أما السيناريو الثالث فيقوم على استكمال المسارات البديلة، وهو ما يعتبره محللون الخيار الأطول زمنا والأكثر استدامة، عبر إنجاز طريق التنمية العراقي، وإحياء سكة حديد الحجاز، وإنشاء خطوط أنابيب جديدة قادرة على منافسة المسار الحالي.
استراتيجية مقترحة
تشير مجمل هذه التطورات إلى أن العالم يتجه للاستثمار في تقليص الاعتماد على الممرات الجغرافية الضيقة. فقد شكل مضيق هرمز طوال عقود ورقة استراتيجية مؤثرة في توازنات القوى، غير أن تقدم مشاريع البنية التحتية البديلة قد يؤدي تدريجيا إلى تراجع أهميته، في ظل استثمارات بمليارات الدولارات في طريق التنمية وسكة حديد الحجاز وخطوط الأنابيب الجديدة.
وتنبع السياسة الذكية في القرن الحادي والعشرين من السيطرة على البنى التحتية. وأي دولة تسعى إلى موقع مستدام في معادلات الطاقة العالمية مطالبة بتعريف نفسها كشريك فاعل في شبكات العبور الإقليمية، على غرار تركيا التي تتحرك في إطار تنافس جيوسياسي مع إسرائيل لدفع مشاريع ممرات مثل طريق التنمية وسكة حديد الحجاز، بما يعزز قدراتها التجارية ويؤثر في توازنات العزلة التجارية في المنطقة.
إضغط هنا لمزيد الأخبار
















