أهم الأحداثٱقتصاد وطنياقتصادياتبكل هدوء

سنوات العبث… / يكتبه عبد اللطيف الفراتي

 

 

بقلم / عبد اللطيف الفراتي


لماذا لم تصبح تونس مثل سنغفورة بمعدل للدخل الفردي في حدود 50 ألف دولار للفرد؟

لماذا بقيت تونس دولة فقيرة، بمعدل للدخل الفردي لا يتجاوز  3500 دولار ، بل ازدادت فقرا منذ 2011 وانحسر الخل الفردي فيها بنسبة الثلث، وتكاد تلتحق بدول العالم الرابع، تلك التي لا أمل لها في الإقلاع يوما من الأيام، ومغادرة كوكبة الدول المتخلفة، والممعنة في التخلف؟

كان الأمل في بداية السبعينيات، أن تقفز تونس، بخطوات إلى الأمام تؤهلها لأن تكون من النمور، لا من القطط.

 

كان ذلك محتوى حديثي المتكرر مع التيجاني الشلي الذي أعتبره أب الصناعة التونسية، تماما كـ “إرهارد” في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية.

غير أن الشلي لم يجد المناخ الذي توفر لوزير الاقتصاد الألماني الذي أفاق ألمانيا من كبوتها.

لم يفهم التونسيون، وخاصة المسؤولين منهم طبيعة المرحلة، وأغرتهم نسبة نمو استثنائية، كان أحد أسبابها (لا جدية العمل وإنما) فيضانات كبرى سنة 1969 وسنة 1972، وسنوات ممطرة لاحقة، في وقت كانت فيه الفلاحة والصناعات الغذائية، تمثل جزء مهما جدا من الناتج الداخلي الخام.

فتم الحد من التراكم الرأسمال

ي، الذي اعتمد في جنوب شرق آسيا، كسوط حفز الاستثمار، خاصة منه الخاص.

وانطلقت في تونس مطلبية نقابية مفهومة، لكن غير مبررة في وقت مبكر، انتهت بأحداث 26 جانفي1978، وتعطلت جهود الادخار الدافع الأول للاستثمار، وبالتالي تنمية ثروة البلاد.

السنوات الموالية لم تكن أفضل بكثير، فتم تقسيم الكعكة قبل نضجها، وهو ما استمر مع التسعينيات وسنوات الألفين، تجنبا للصدام مع مطامح، وإن كانت مشروعة، فإنها لم تكن مبررة، واتسمت بقلة الصبر، بدعوى أنه لا يجب أن تضحي الأجيال الحالية، من أجل رفاه الأجيال اللاحقة.

ومنذ بداية الثمانينيات نبه وزير المالية والتخطيط آنذاك، إلى ضرورة الوقوف، أمام جشع المؤسسات العمومية، التي باتت هوة سحيقة، تلتهم نتاج الجهد الوطني وعرقه، دون أن  توفر أرباحا تدفعها للدولة مالكتها كما كان مفترضا، ولا تدفع كذلك ضرائب أو مساهمات للتأمينات الاجتماعية، فازدادت الهوة اتساعا، واتسع الخرق على الراتق..


وحلقت سنغفورة عاليا، بينما أخذت بلادنا في الانحدار تباعا، لتصل مع حكم النهضة على مدى العشرية الماضية، إلى حافة الإفلاس، مع تعاظم المديونية الداخلية ولخارجية، وانخرام كل المؤشرات، التي باتت تومض باللون الأحمر، وإذ بلغ السيل الزبى، مع حكم قيس سعيد، الذي  شاع الأمل بعد 25 جويلية 2021 لدى الكثيرين، بأنه سيخلصهم من سوء التسيير الذي ساد منذ الثورة، وحكم حزب النهضة، فإذا بالأمور تزداد سوء، ولم يدرك لا هؤلاء، ولا أولئك، أن حسن التدبير والسياسة، لا يستقيمان إلا برفع المستوى المعاشي للشعب، وليس النزول به.

ولقد جاءت للحقيقة، فرص فعلية لإنهاض تونس من كبوتها، مع إسماعيل خليل في الثمانينيات، ومصطفى كمال النابلي في التسعينيات، بمحاولة رفع نسب النمو إلى 7 في المائة، بما يحقق امتصاص البطالة وتشغيل قوى العمل الوافدة، ومع محمد الغنوشي وتوفيق بكار في العشرية الأولى مع إطلالة القرن الواحد والعشرين، ومع حسين الديماسي في أول حكومة منتخبة بعد الثورة، ولكن المعوقات كانت أكبر من إرادة هؤلاء “المصلحين”، وتم خاصة في العشرية الأخيرة، تسريع خطوات الهدم، والابتعاد الممنهج عن حركة الإصلاح الحقيقية والنهضة الفعلية.

ولم يفهم الذين تولوا الحكم، أنه على أهمية الحرية والديمقراطية، فإن الناس ينتظرون في المقدمة، أن تتحسن أحوالهم المعيشية، لا أن تتدهور، ولا أن تصبح العلامات الدالة في المسار، هي الخصاصة والندرة، إلا للبعض ممن أثروا وانتهزوا الفرص، ولا فائدة من الإشارة لهم بالإصبع الطويلة.

وإلى عودة للاستنتاجات واقتراح الحلول في مقال مقبل.

fouratiab@gmail.com

شاهد أيضا :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.