أهم الأحداثمقالات رأي

ما هو العرض الذي قدمته واشنطن للدول الإفريقية لإبعادها عن روسيا والصين؟؟

 

بقلم / بلال التليدي

 

كثيرون شككوا في جدوى القمة الأمريكية الإفريقية، وأن مخرجاتها ستكون بفائدة قليلة، وأن أغلب الدول الإفريقية لا تثق في وعهود الولايات المتحدة الأمريكية، وأن تجربة قرابة عقد من الزمن أعقبت ولاية الرئيس الأمريكي باراك أوباما، تبين محدودية هذا الاتجاه، ولاسيما وأن الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما كان أكثر الرؤساء الأمريكيين جدية في التوجه نحو إفريقيا، وجعلها ضمن أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، فقد سبق أن دعا قادة جميع دول إفريقيا إلى البيت الأبيض سنة 2014، دون أن يعقب ذلك أي دينامية دبلوماسية ملحوظة تحقق تراكما في هذا المسار.

لكن، وبغض النظر عن النتائج التي يفترض صدورها من هذه القمة، فإن عقدها في ظروف دولية وإقليمية مضطربة، بذلك المستوى من التمثيلية، مع تباين المقاربة الأمريكية في طرح مفهوم الشراكة مع إفريقيا، يعني الكثير، على الأقل من جهة تحولات السياسات الخارجية الأمريكية ورهاناتها المستقبلية.

في السنوات الثماني الماضية التي أعقبت الخطوة النوعية التي أقدم عليها باراك أوباما تجاه قادة دول إفريقيا، لم تكن السياسة الخارجية الأمريكية مغمضة العينين تجاه إفريقيا، فقد استمرت لقاءات قمة الأعمال الأمريكية الإفريقية، وقد بلغت دورتها الرابعة عشرة التي عقدت في المغرب (مراكش) الصيف الماضي، لكن أجندة هذه القمم، كانت تقريبا خالية من الأبعاد السياسية والاستراتيجية، وربما كانت أقرب إلى منطق الأعمال والتجارة (business)، وتلبية حاجيات القطاع الخاص الأمريكي في التوسع عبر الاستثمار في أفريقيا.

بداية التغيير الأمريكي
الولايات المتحدة الأمريكية، قيدت سياستها الخارجية تجاه إفريقيا بنفسها، من خلال وضع جملة من الشروط المرتبطة بالحوكمة والشفافية ومحاربة الفساد، كمعايير أساسية في تقديم الدعم، ولذلك، حرمت نفسها من عقد شراكات قوية مع عدد كبير من الدول الإفريقية، التي تعاني وضعية هشاشة سياسية أو أمنية، وفضلت أن تتعامل مع هذه الدول من بوابة الشراكة الأمنية لمواجهة التحديات الإرهابية في المنطقة، فركزت مؤسسة تحدي الألفية الأمريكية جهودها على دول شمال إفريقيا وعلى دول جد محدودة في إفريقيا، في حين، نجحت السياسات الخارجية لكل من روسيا والصين واليابان في عقد شراكات استراتيجية مستدامة، بسبب أنها لم تدخل ضمن اعتبارها معايير الديمقراطية والحكامة الرشيدة والحرية الاقتصادية والتنمية البشرية، كما استطاعت دول إقليمية أخرى، مثل المغرب، أن تنافس قوى دولية كانت تمثل دول غرب إفريقيا حديقتها الخلفية (فرنسا)، بسبب المقاربة التي تبنتها الرباط، وتركيزها على تنمية إفريقيا ومنطق رابح رابح.

واضح من الضوء الكثيف الذي ركز على تصريحات وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن أثناء هذه القمة، أن أمريكا غيرت قليلا من ثوابتها في التعامل مع القارة الإفريقية، وأن ما دعاها لذلك، هو تقييمها للطريقة البراغماتية التي اشتغلت بها السياسة الخارجية الصينية والروسية، ونجاحهما ليس فقط في استقطاب الدول الإفريقية، بل وفي توظيف إفريقيا وحاجاتها من الطاقة والغذاء والأمن، كسلاح قوي في عزل الغرب وإضعاف تحالفاته الاستراتيجية، فلم يتردد وزير الدفاع الأمريكي أثناء اجتماع القمة الثلاثاء الماضي في التحذير من تزايد النفوذ الصيني والروسي في إفريقيا ودوره في زعزعة الاستقرار بالمنطقة.

يمكن أن نسجل ضمن المؤشرات الأولية لتغيير السياسة الأمريكية تجاه إفريقيا، الانفتاح الكبير الذي أبدته مؤسسة تحدي الألفية نحو عدد من الدول الأفريقية، إذ اختارت بتزامن مع عقد القمة، كلا من غامبيا والتوغو والسنغال وموريتانيا لتطوير برنامج دعمها للدول الإفريقية.

تزايد النفوذ الصيني
وإذا كان من الواضح أن تزايد النفوذ الصيني والروسي في المنطقة الإفريقية هو ما أملى هذا التغيير في السياسة الأمريكية إزاء إفريقيا، فإن السؤال الذي يهم القارة الإفريقية، لا يركز بشكل كبير على هذا التحول، وإنما يركز على العرض الأمريكي، وما إذا كان مقنعا للقارة السمراء، وقادرا على تحويل وجهتها إلى واشنطن بعيدا عن بكين وروسيا.

الصين، اشتغلت لبناء شراكتها على منطق التعاون الاقتصادي والتجاري، وحققت اختراقات كبيرة داخل القارة الإفريقية، دون أن تدخل نفسها في المعادلات الضيقة المتعلقة بقضايا الأمن والتعاون العسكري، بينما راهنت موسكو على ورقة التعاون العسكري، واستغلت بذكاء أزمة الطاقة والغذاء الناتجة عن الحرب الروسية على أوكرانيا، وجعلت الأسمدة والغذاء والدعم المجاني للدول الإفريقية الفقيرة مدخلها لتوسيع علاقاتها مع دول القارة السمراء، بينما تكبلت السياسة الأمريكية بمعادلة الأمن والديمقراطية، فاشترطت معايير الإصلاح السياسي والحاكمة الرشيدة في دعم الدول الإفريقية، وجعلت من انخراط الدول الأفريقية في الاستراتيجيات الدولية والإقليمية لمكافحة الإرهاب شرطها الأساسي لدعمها في مواجهة تهديدات الجماعات الإرهابية.

العقل الإفريقي تحكمه معادلة مختلفة، فهو لا يريد أن يربط نفسه بشراكة واحدة، ولا يقدم أي ضمانة في هذا الاتجاه حتى يتحقق من تأثير هذه الشراكة على استقرار الدول الإفريقية وحاجياتها في التنمية.

ما يبين ذلك، أن علاقات دولة مفتوحة في كل الاتجاهات، وترسم تحالفاتها المختلفة، حسب مجال الشراكة، فتربط علاقة قوية بالصين من زاوية تقديرها للمصالح الاقتصادية والتجارية، وترتبط بعضها بعلاقات تعاون عسكري قوية مع روسيا، تمليها ضرورات الدفاع، وترتبط في الآن ذاته بعلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية تفرضها متطلبات التنسيق الدولي والإقليمي لمواجهة التهديدات الإرهابية.

تحويل وجهة أم ماذا ؟؟
التقدير، أن نجاح السياسة الأمريكية تجاه إفريقيا، لا يتوقف على محاولة إقناع الدول الإفريقية بفك ارتباطها بالصين أو روسيا، واستعمال ورقة الدعم في مقابل تحقيق هذا الهدف، بل الأمر يتوقف على حجم العرض الأمريكي المقدم لدول إفريقيا، وما إذا كان قادرا على تحويل وجهة الدول الإفريقية عن موسكو وبكين تجاه واشنطن.

البعض يتصور أن بإمكان الولايات المتحدة الأمريكية أن تلعب بورقة التمثيلية الإفريقية في المنتظم الدولي وأيضا في مجموعة العشرين، وأن ذلك، سيجعل من عرضها قويا حتى ولو كان محدودا من جهة إجابته على تحدي الغذاء والطاقة، لكن ذلك، يتوقف على الأزمات التي ستعيشها بعض دول إفريقيا في المدى القريب أو المتوسط، ونوع الأولويات التي ستكون مركزية في دائرة اهتمامها، وأي سياسة خارجية ستكون قريبة من تلبية هذه الأولويات، سياسة موسكو أم سياسة بكين أم سياسة واشنطن؟

واضح من مخرجات القمة الأمريكية الإفريقية أن قضيتي الطاقة والغذاء كانتا حاضرتين بقوة، فقد تعهدت الولايات المتحدة بتقديم 55 مليار دولار لإفريقيا على مدى ثلاث سنوات، وركزت على أربع قضايا أساسية، الطاقة (دعم الطاقات المتجددة) والالتزام بالأمن الغذائي وتشجيع الزراعة (دعم الزراعات ومواجهة تهديدات التغير المناخي)، ودعم وتحسين الاقتصاد الرقمي، والاستثمار في مجال الاتصالات.

تبين هذه الحزمة أن التغير الذي حصل في السياسة الأمريكية ليس كبيرا، فلا تزال معايير الحكامة الرشيدة حاضرة بقوة في تدبير العلاقة مع إفريقيا، ولا يزال العرض الأمريكي غير واضح في مجال تلبية الحاجيات الأساسية لإفريقيا (الأمن الغذائي والطاقي) وذلك بسبب أن الاستثمارات والمشاريع المقدمة، ستكون بيد القطاع الخاص، وهو محكوم بما تليه المبادرة الحرة، من تقدير المكسب أكثر من اعتبار الأبعاد الاستراتيجية والسياسية.

ما يفسر محدودية هذا العرض، هو ما ختم به الرئيس جو بايدن كلمته أثناء هذه القمة، فقد أكد أن هدفه منها «ليس خلق التزامات سياسية، وإنما الهدف حفز النجاحات المشتركة»، أي أن أمريكا تدرك أن ما قدمته للدول الإفريقية في هذه القمة، لا يمثل عرضا كافيا يقنعها لتغيير تحالفاتها السياسية، ولكنه يشكل خطوة لتقييم الموقف، والنظر في إمكان بناء مستقبل علاقات يصل في المدى المتوسط أو البعيد لهذه الغاية.

المصدر: جريدة “القدس العربي” 

شاهد أيضا :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى