أهم الأحداثالمشهد السياسيمقالات رأيوطنية

خطاب الرئيس سعيّد من منظور لاعنفي


بقلم / د.خالد شوكات

 

ماذا لو تجرّأ أي ناشط سياسي خارج الحكم على نعت خصومه، بل أعدائه السياسيين، بهذه النعوت: حشرات، فيروسات، مخمورين، منافقين، شياطين..الخ، وتوعّدهم بالصواريخ، وراجمات الصواريخ، ووابل الرصاص، ومجاري الصرف الصحّي..الخ.

ماذا لو تلفّظ بهذه النعوت ساسة مثل راشد الغنوشي، او نجيب الشابي، او حمّة الهمامي، او مصطفى بن جعفر، او منصف المرزوقي او سواهم.. وكيف كانت ستكون رودود افعال الرأي العام تجاههم… أم أنَّ الرئيس يملك من الحقوق، بما في ذلك السب والشتم وهتك الأعراض، ما لا يملكه سائر المواطنين؟

بحسب بعض أنصار الرئيس الذين يطالبونه بتصفية الأعداء إعداما او سجنا او نفيا او إقامة جبرية، باسم محاسبة المفسدين ومكافحة الفساد، يجوز له هذا واكثر، وليس مهمّاً احترام حقوق المتهمين او الانضباط للقوانين، فنحن في حالة استثناءٍ وتأويلٍ تبرّر تجاوز جميع المحرّمات وتبيح سائر الانتهاكات..

لقد انتقلنا بشكل لم يحدث عبر التاريخ والجغرافيا ربّما، من بلد المبالغة في الديمقراطية ومواكبة حركة الحرّيات والحقوق الكونية وتشتيت السلطة خوفا من عودة الديكتاتورية عبر سيل من المؤسسات الدستورية والهيئات المستقلة الى بلد المبالغة في تركيز جميع السلطات في يد شخص واحد نمنحه حقوقا فوق حقوق الحكّام، بما في ذلك أكثرهم سطوة وقسوة، ومن بينها حق الحطِ من شأن المختلفين معه سياسيا وفكريا وانتهاك كرامتهم الانسانية على هذا النحو المسجّل في خطاباته، والمتكرّر بطريقة تثبت التعمّد والاصرار والقناعة.

في دستور 2014، قطف المؤسسون – خصوصا في بابي الحقوق والحرّيات- من كل بستان في العالم الحر والديمقراطي زهرة، وأخذوا اخر ما توصل اليه الفكر الانساني، ربما دون مراعاة حتى لمدى انسجام ذلك مع تطور المجتمع التونسي فكريا وثقافيا، ربما من منظور فلسفي يرى في القوانين احيانا لا مجرد استجابة للحاجة الاجتماعية، بل قاطرة تقود المجتمعات نحو الوجهة الصحيحة للتاريخ. لكنّنا نلاحظ اليوم ان ترحيب البعض بخطابات الرئيس المعاكسة تماما لهذا النهج الانساني، ردّة فعل غريزية لمجتمعات لم تستكمل بعد مشاريعها في الاصلاح الفكري والثقافي وحتّى الديني.

لقد تجاوز خطاب الرئيس سعيّد في نزعته العدائية المتشجنّة، التي تحضّ على العنف والكراهية وتستهتر بقواعد القانون الدولي الانساني وغيرها، السقف الذي وصله الحكّام المستبدون جميعاً، والزعماء الشعبويون القدامى والجدد بأشواط فيما اعلم، فمراجعة بسيطة لخطابات القذافي او صدّام، او سواهم، لا يجد هذا الكم من الفاظ التحقير والتشويه والتخوين والتكفير للخصوم والاعداء السياسيين، على الرغم من أنَّ سياقات وصولهم للحكم والمراحل التاريخية التي وصلوا خلالها الى سدة السلطة تتيح لهم المجال لاستعمال مثل هذه الخطابات العدوانية، بل تجاوزها الى الافعال والممارسات والانتهاكات التي خلّدت بشاعتها الذاكرة المشتركة للانسانية.

نحن امام حالة دراسية خاصة حقّاً، لعلها تحتاج مساهمات باحثين ودارسين من علوم إنسانية شتى، من بينها علم الاجتماع السياسي الذي يجب ان يتوقّف مليا أمام دور “انحراف الذوق العام” في قبول مثل هذا الخطاب السياسي المستهر بحقوق الانسان والقيم الانسانية المشتركة، وعلم الاتصال والتواصل الذي يجب ان يربط بين الثورة التي احدثتها قنوات التواصل الاجتماعي واستغلال الموجة الشعبوية الجديدة لها لتمرير خطابات سياسية تنضح حقدا وكراهية وعنفا وتساهم بشكل كبير في تدمير وحدة المجتمعات وتقسيمها الى مجموعات متقاتلة متصارعة، فضلا عن العلوم السياسية التي عليها ان تحلّ لغز جملة من الإشكاليات الجديدة من بينها انخراط جزء من النخبة القانونية والدستورية والسياسية في التنظير للشعبوية باعتبارها ألد أعداء الديمقراطية وحقوق الانسان، واستهانة مدرّس قانون دستوري لمدة ثلاثة عقود بالدستور والقانون معاً بالقانون والدستور معاً، واعلاء البعض من قيمة الدولة من منظور فاشي او شعبوي، على حساب قيمتي الحرية والإنسان.

إن ما يحدث في بلادنا مدهش حقّا، من حيث المفارقة التاريخية التي جعلت بلدا عربيا مسلما صغيرا سجَّل السبق في محيطه على امتداد ما يقارب القرنين من الزمان، في تحرير العبيد وكتابة الدستور والمطالبة ببرلمان وتحرير المرأة والتضحية عبر اجيال من أجل إقامة نظام ديمقراطي يحترم الحرّيات وحقوق الانسان، الى بلد يتبنى رئيسه الحالي المنتخب ديمقراطيا، خطابا معاديا لكل هذه المكاسب ويجد جزءا من شعبه يصفّق بكل حرارة مشجعا له على التمادي في مسار نشر عبارات الغلّ والانتقام ورفض الحوار والاستفراد بجميع السلطات والتماهي في ذاته مع الدولة والثورة والشعب واحتكار النطق باسمها وتمثيل المصالح المرتبطة بها وحده دون شريك من أفراد او مؤسسات، ربما تمهيدا لما هو اخطر، حيث تلوح في أفق تونس مؤشرات العنف والافلاس والفتنة الداخلية..

الوسوم
اظهر المزيد

بقية المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فيسبوكتويتريوتيوبانستغرام