أهم الأحداثمقالات رأي

الإمبراطوريات تتطاول على أوروبا من جديد


بقلم: يوشكا فيشر*

 

لقد أصبحت رئاسة دونالد ترامب اليوم جزءًا من الماضي، الأمر الذي يُعيد هدف تجديد العلاقات عبر الأطلسي إلى جدول الأعمال الأوروبي. ومع ذلك، لا يمكن العودة إلى التبعيّات القديمة والمُريحة في عصر الحرب الباردة والفترة التي تلت ذلك، عندما اتخذت أمريكا -الحامية العُظمى- القرارات بشأن جميع القضايا الأمنية المُهمة، وحذت أوروبا حذوها بطبيعة الحال. ومن أجل تجديد الشراكة عبر الأطلسية، سيتعين على أوروبا تقديم مساهمتها الخاصة في الأمن المشترك، لاسيما في إطار البيئة الجيوسياسية الخاصة بها.

يُواجه الاتحاد الأوروبي في جواره المباشر ثلاث قوى عالمية سابقة مهووسة بمجدها الإمبراطوري السابق: روسيا وتركيا والآن المملكة المتحدة. لكل منها علاقة فريدة مع أوروبا، في الوقت الحالي وكذلك في الماضي، ولها بعض القواسم المشتركة.

في عهد الرئيس فلاديمير بوتين، تتطلع روسيا بشدة إلى استعادة مكانتها كقوة عظمى، عندما كان الاتحاد السوفييتي مُتساويًا مع الولايات المتحدة. في ظل حكم الرئيس رجب طيب أردوغان، تحلم تركيا بالتوسع الجيوسياسي والثقافي للإمبراطورية العثمانية من منطقة البلقان والأطراف الغربية لآسيا الوسطى إلى شرق البحر الأبيض المتوسط وساحل شمال إفريقيا (ليبيا)، وصولاً إلى الخليج العربي. وأخيرًا، تبحث بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي عن نفسها في عُزلة سلبية فرضتها على نفسها، على الرغم من أنها لا تزال قريبة من بلدان القارة الأوروبية من خلال حلف شمال الأطلسي (الناتو) والعلاقات الثقافية والتاريخية القوية.

في كل الأحوال، يتقاسم الاتحاد الأوروبي القارة الأوروبية مع هذه الدول الثلاثة المُجاورة القوية، وبالتالي يتعين عليه العمل مع كل منها من أجل تحقيق التعايش السلمي. تُعد روسيا، باعتبارها قوة نووية، أكبر وأقوى عسكريًا مما يجعل من الصعب على أوروبا التعامل معها بمفردها. في هذه المرحلة، سيظل الاتحاد الأوروبي مُعتمداً على الحماية الأمريكية، لاسيما في مواجهة التهديدات الروسية لأوروبا الشرقية ودول البلطيق، والتي تجلّت بوضوح مع ضم شبه جزيرة القرم في عام 2014 والحرب في شرق أوكرانيا.

يكمن التحدي الرئيسي الذي تُواجهه أوروبا في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث أدى اكتشاف احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي تحت قاع البحر إلى زيادة خطر نشوب صراع بين اثنين من أعضاء حلف شمال الأطلسي تركيا واليونان، فضلاً عن إشراك قبرص الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي. علاوة على ذلك، فقد عجّلت مهمّة حلف شمال الأطلسي لوقف عمليات تهريب الأسلحة على طول الساحل الليبي مؤخرًا بحدوث مُواجهة خطيرة بين فرقاطة فرنسية وسفن تابعة للبحرية التركية، الأمر الذي أدى إلى خلافات دبلوماسية خطيرة.

في الواقع، لا يوجد نقص في بؤر التوتر المُحتملة في المنطقة، نظرًا إلى المنافسة على احتياطيات الغاز الطبيعي، وتدخل تركيا في الحرب الأهلية الليبية، والصراع القديم حول منطقة إيجه التركية، وقضايا ترسيم الحدود التي طال أمدها، والحقوق الجوية والبحرية، والمسألة المفتوحة المُتعلقة بقبرص. وقد تسببت هذه التوترات، التي تفاقمت بفعل الخلافات الدينية والعرقية القديمة، في خلق وضع خطير على نحو متزايد على أعتاب أوروبا. وبما أن الأمر يتعلق بمصالحها الخاصة، فسيتعين على أوروبا التعامل مع هذه المشكلة بنفسها.

في ظل حكم أردوغان، واصلت تركيا انتهاج سياسات “عُثمانية جديدة” توسعيّة منذ عدة سنوات حتى الآن. وعلى الرغم من أن حكومة حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه حاولت في البداية تسريع الاندماج مع الغرب من خلال التحرك نحو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، إلا أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي آنذاك جاك شيراك أغلقا الباب بحزم في وجهها في عام 2006.

في ذلك الوقت، أعطت الطفرة الاقتصادية العالمية أردوغان انطباعًا بأن تركيا يمكن أن تنجح في تحديث نفسها ثم تعود إلى الظهور كقوة عظمى بمفردها، دون اللجوء إلى التكامل الأوروبي. ومع ذلك، بالغ أردوغان في تقدير قدرات بلاده (ولا يزال يفعل ذلك).

وعلى الصعيد المحلي، اعتمد أردوغان على تحالف سياسي مع حركة غولن الإسلامية حتى محاولة الانقلاب في عام 2016، والتي أقام على إثرها معاهدة جديدة مع القوميّين المتطرّفين. لكن تغيير الحلفاء لم يُقلل من أهمية العنصر الديني في سياسة أردوغان. لقد أكد لفترة طويلة على إتباع مسار إسلامي في العصر الحديث، والذي يمثل خروجًا عن التقاليد العلمانية التي أنشأها مؤسس تركيا الحديثة في مرحلة ما بعد العصر العثماني كمال أتاتورك. وقد أدى هذا الالتزام حتمًا إلى ابتعاد أردوغان عن الغرب والتوجه نحو الشرق الأوسط.

لقد بات من الواضح الآن أن كلاً من الاتحاد الأوروبي وتركيا قد وقعا في فخ صنعاه بأنفسهما، والذي يتمثل في احتمال الانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، وهو أمر لن يكون مطرُوحًا للنقاش في المستقبل المنظور. ولسوء الحظ، لا توجد آليات تكامل بديلة.

ومع ذلك، لا يمكن لتركيا والاتحاد الأوروبي اعتماد طرقهما الخاصة بشكل منفرد. إن الأسواق الأوروبية، والقدرة الاستثمارية، والعلاقات مع خصمي تركيا الرئيسيين روسيا وإيران تجعل هذه العلاقة لا غنى عنها بالنسبة لتركيا؛ كما أن مكانة تركيا الجيوسياسية بين دول أوروبا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى والقوقاز تجعل هذه العلاقة بالغة الأهمية بالنسبة للاتحاد الأوروبي.

وبعيدًا عن كونها موطن أسلاف أقليات ضخمة من السكان في ألمانيا وبلجيكا والدول الاسكندينافية، ستستمر تركيا في أداء “وظيفة الجسر” المُهمة لهجرة اللاجئين من آسيا إلى أوروبا. لذلك، من الضروري أن يعمل كلا الجانبين على إقامة علاقات سلمية خارج عضوية الاتحاد الأوروبي.

من المؤكد أن عملية انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي المُعلقة منذ فترة طويلة ستحتاج إلى دعم في الوقت الحالي. وفي حين يبقى أن نرى من سيخلف أردوغان، فإن إنهاء العملية رسميًا في الوقت الحالي من شأنه أن يضر أكثر مما ينفع. لكن طالما ظل أردوغان في السلطة، فإن التعايش السلمي هو أفضل ما يمكن أن نأمل في تحقيقه.

لا يتعين على أوروبا أن تتغاضى عن التحديات التي تُواجهها، والتي ستركز حتماً على الصين، وليس روسيا أو العلاقات مع بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي. تعمل الصين بالفعل على ترسيخ وجودها في إيران، وإثبات أن لديها رأس المال والخبرة والتكنولوجيا اللازمين لإبراز القوة والنفوذ خارج حدودها. إذا نجحت في تحويل مبادرة الحزام والطريق إلى مجموعة من نقاط الانطلاق الجيوسياسية، فقد تظهر قريبًا على الحدود الجنوبية الشرقية لأوروبا في شكل لم يتوقعه أحد في الاتحاد الأوروبي.

لا يمكن لأوروبا أن ترغب في مثل هذه النتيجة. لذلك، ستظل “المسألة التركية” تحظى بنفس القدر من الأهمية كما كانت دومًا.

**  يوشكا فيشر، وزير خارجية ألمانيا ونائب مستشارها أثناء الفترة 1998-2005، وأحد زعماء حزب الخُضر البارزين لمدة تقرب من العشرين عاما..

الوسوم
اظهر المزيد

بقية المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فيسبوكتويتريوتيوبانستغرام