أحداثأهم الأحداثدولي

الخلاف الأمريكي – الصيني: هل يهدد بنشوء حرب باردة كونية جديدة؟

أبو ظبي ــ الرأي الجديد (مواقع)

مرت العلاقات الأمريكية – الصينية منذ عقود بحالات من الشد والجذب، حيث شهدت فترات من التقارب والتباعد، إلا أنه مع بداية انتشار وباء (كوفيد-19)، سيطر على تلك العلاقات حالة من التوتر والتصعيد، حيث زادت حدة التنافس بين القوتين العظميين، من خلال استمرار حرب التضليل المعلوماتي المتبادلة بين كلٍّ منهما، حول أصل فيروس “كورونا”، لتحقيق العديد من المكاسب السياسية على حساب الآخر، الأمر الذي أدى إلى مزيد من التصعيد مع التحركات الجيو ــ استراتيجية في منطقة المحيط الهادي – الهندي.

وفي خضم اشتداد تلك الحرب، قام صحفيان في صحيفة “وول ستريت جورنال”، أحدهما في واشنطن “بوب دافيس”، والآخر في بكين “لينجلينج وي”، بمحاولة تتبع مراحل وأحداث الحرب التجارية بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية والصين، وذلك بحكم قدرتهما على الوصول إلى صناع القرار في البيت الأبيض ومجمع القيادة في زونجنانهاي.

وكشف الكاتبان عن مراحل العلاقات الأمريكية – الصينية، وكيف ضرب التوتر صميم تلك العلاقات، والتداعيات المرتبطة بحالة التصعيد المتبادل بين الجانبين.

واستنتج الصحفيان، أن الحرب التجارية التي اشتد أُوارها بين الصين والولايات المتحدة، لم تبدأ مع الرئيس “ترامب”، ولن تنتهي به، حيث إن المراجعة الدقيقة لتاريخ العلاقات بين البلدين، يكشف عن سلسلة طويلة من المشاحنات على المستويين السياسي والاقتصادي، وهي تلك التي شهدت تصعيدًا على مدار السنوات الثلاث الماضية. الأمر الذي أثر سلبًا على اقتصاديات البلدين والعالم كله، وخلق حالة من عدم اليقين والاضطراب في الأسواق العالمية.

مراحل العلاقات الأمريكية – الصينية
يحاول الكاتبان تتبع مسار تطور العلاقات الأمريكية – الصينية، حيث كشفا أنه قبل وقت ليس ببعيد، كانت العلاقات بين الدولتين واعدة للغاية، للدرجة التي جعلت بعض الأكاديميين، ومن أبرزهم “نيال فيرجسون” لصياغة تعبير “Chimerica” عام 2007، وذلك للإشارة إلى درجة الترابط والاقتران بين مصالح الدولتين، حتى مع وجود بعض المشاحنات.

وبعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية في عام 1949، كان النظام الشيوعي مسيطرًا لأقصى درجة، وكانت وتيرة التعاون التجاري الخارجي محدودة للغاية، ما تسبب في وجود بعض النقص في السلع، لكن مع تولي الرئيس “دينج” للسلطة بعد وفاة “ماو” أتاح قدرًا من الرأسمالية لزيادة الإمدادات الغذائية، فقام بتغيير نظام الحصص الصارم من خلال سياسات أعطت للمزارعين السيطرة الرسمية على أراضيهم، وخفضت حصص إنتاجهم، وسمحت لهم ببيع ما ينتجونه فوق الحصص في الأسواق الحرة بأسعار غير محددة. ومن ثم، ساهم النظام الجديد في زيادة الإنتاج الزراعي الصيني بنسبة (25%) في السنوات التي أعقبت التغيير، وهو ما أعطى القادة الصينيين الثقة، في أن إصلاحات السوق يمكن أن تنجح في مجالات أخرى أيضًا. كما تم السماح كذلك للشركات الخاصة بالعمل لأول مرة في الصين. ومنذ ذلك الوقت بدأت الصين في الانفتاح بقدر معقول ووفقًا لقواعد محددة على العالم الخارجي، والسماح بدخول الاستثمارات الأجنبية، حيث طُرحت المناطق الاقتصادية الخاصة ذات المزايا على أراضيها.

أعقب ذلك تولي الرئيس الصيني “شي جين بينج”، والذي وضع الخطوط العريضة لما أسماه “الحلم الصيني”، وهو شعار نقل رغبته في جعل الصين قوة عظمى عالمية. فمنذ التسعينيات حتى حوالي عام 2012، عندما تولى “شي جين بينج” السلطة، كان من المتوقع أن يتضاءل دور الشركات الحكومية بشكل مطرد، وهي تلك التي تدعمها الحكومة بقروض منخفضة، حيث كان ينظر إلى “شي” على نطاق واسع على أنه إصلاحي. وقد تم الاعتماد على الشركات الخاصة لتحريك البلاد إلى الأمام من الناحية التكنولوجية، وتقليل فجوة الدخل الآخذة في الاتساع، وتوسيع قوة البلاد. حيث عُدت تلك الشركات بمثابة العمود الفقري لـ “حلم الصين”. ونتيجة لتلك الجهود نمت استثمارات الدولة المدفوعة بالقطاع الخاص بشكل أسرع في ظل حكم “شي”، وقد أفسح ذلك النمو المجال أمام عودة دور الدولة في تخصيص الموارد وتقلص دور السوق والشركات الخاصة.

بدايات المنافسة الشرسة
وبناءً عليه، تشكلت حالة من المنافسة غير العادلة بين الشركات الصينية المملوكة للقطاع الخاص، والشركات المملوكة للدولة والشركات الأمريكية. وفي المقابل، عمل القادة الصينيون على الاستفادة من المعركة التجارية مع الدول الغربية في بعض الأحيان، حيث استخدمت الأجيال السابقة من القادة الصينيين الضغط الأمريكي، للدفع بمجموعة من الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة في الداخل، وتم تجاهل الشكاوى من المنافسة غير العادلة.

وحقيقة الأمر، فإنه بالرغم من توجيه الاتهامات لـ “ترامب” بالتسبب في اشتعال تلك الحرب، إلا أنه لا يعدّ سوى سبب من الأسباب التي كانت ستشتعل الحرب به أو بدونه، بل إن العلاقات كانت تتدهور قبل توليه منصبه وستستمر من بعده.

أما عن دور “ترامب” في إشعال تلك الحرب، فقد اتخذ مجموعة من الإجراءات التي لم يجرؤ عليها أي رئيس أمريكي سابق بهذا القدر من التطرف، مع شريك تجاري رئيسي منذ الثلاثينيات. فقد جعل من تعبئة الرأي العام الأمريكي ضد الصين، هدفًا وشعارًا لحملته الانتخابية. كما مارس العديد من الضغوط الاستفزازية على بكين، بوضع نصف وارداتها للولايات المتحدة تحت التعريفات الجمركية، مع استغلال سلاح التهديد بفرض الرسوم والتعريفات الجمركية بشكل مستمر على بقية الواردات الصينية. وفي سياق متصل، سعت الحكومة الأمريكية أيضًا لفرض العقوبات على الشركات الصينية بسبب التجسس، أو الممارسات التي تتنافى مع مبادئ السوق الحر الأمريكية.

ونتيجة لقيام الكاتبين بتتبع مسارات الحرب التجارية بعمق في كلا الدولتين، فقد أرتأيا أن القادة في كلٍّ من الولايات المتحدة والصين يستحقون اللوم للتسبب في إشعال تلك الحرب، مثلهم مثل رجال الأعمال، الذين عملوا لعقود كجماعات ضغط في بكين وواشنطن، وساهموا في إثارة التوترات بين البلدين.

ملامح الضرر الأمريكي
أسهم التوسع الصيني وإغراق الصين للأسواق الأمريكية في خلق جبهات مضادة من الطبقة العاملة الأمريكية ضد بكين، حيث قضت الواردات الصينية المدعومة بعملة مقيمة بأقل من قيمتها، على مدن صناعية بأكملها في الجنوب الشرقي والوسط الغربي. وارتفع معدل البطالة من أقل من (3%) في عام 2000 إلى أكثر من (15%) بحلول عام 2010، مما أدى إلى خلق طبقة أمريكية جديدة من شأنها أن تربط آمالها واستياءها من الإغراق الصيني بوصول “دونالد ترامب” للرئاسة.

وقد اتخذت الشركات الأمريكية التي امتثلت لفترة طويلة للمطالب والضغوط من قبل السلطات الصينية، موقفًا مماثلًا من الضغط على البيت الأبيض لاتخاذ إجراءات أشد صرامة في مواجهة الصين، حيث اتهمت تلك الشركات المسؤولين الصينيين بمساعدة الشركات المحلية على سرقة تقنيتها. كما كان يخشى الأمريكيون أيضًا من خطط الصين لإنفاق مئات المليارات من الدولارات لتجاوز الولايات المتحدة في الذكاء الاصطناعي، وأشباه المواصلات المتقدمة، والطيران، وغيرها من تقنيات المستقبل.

وبدلًا من إعادة النظر في السياسات التي تسببت في تفاقم ردود الأفعال الأمريكية على هذا النحو، لجأت بكين إلى أساليبها القديمة من خلال فرض الغرامات وتهديد الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات، التي تحتاج إلى نمو السوق الصيني. وقد تسببت الحسابات الخاطئة للقادة الصينيين في تفاقم الأمور، حيث كانوا يتوقعون من تلك الشركات الضغط على واشنطن للتراجع، للحفاظ على مصالحهم في بكين، أو محاولة اجتذاب اهتمام المسؤولين المتعاطفين في واشنطن، وخاصة وزير الخزانة، معتقدين أن ذلك من شأنه أن يساعد على رفع مكانتهم، وهو الأمر الذي لم يحدث.

وقد لفت الكتاب الانتباه، إلى أنه توجد قناعة لدى الصينيين بأن القيادات السابقة لديهم، ربما كانت شديدة الاحترام للأمريكيين، وقدمت الكثير من التنازلات للأمريكيين، حيث ينتقد الكثير منهم رئيس الوزراء “تشو رونغجي”، لأنه تفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية على الصفقة، التي مهدت الطريق لدخول الصين منظمة التجارة العالمية عام 2001، حيث يسود الشعور بأنه قد قدم الكثير من التنازلات. ومن ثم، فإنه آن الآن وقد نهضت الصين ووصلت للمستوى الذي يمكنها من الاستغناء عن الولايات المتحدة، فإنهم يرون أنه يحق لها أن تتعامل مع واشنطن بقدر من القوة، ومحاولة فرض الأمر الواقع بعيدًا عن التنازلات.

الحرب التجارية.. تشتعل
في ظلّ استمرار تلك الصراعات، فإنه مع بزوغ عام 2018، بدأ أكبر اقتصادات في العالم في خوض معركة تجارية من شأنها التأثير على الاقتصاد العالمي، والإخلال بخطط الشركات في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، بل والتأثير كذلك على حياة ووظائف أكثر من مليار شخص. ويمثل الصراع بين الولايات المتحدة والصين أهم منافسة جيو سياسية في أوائل القرن الحادي والعشرين.

وعلى مدى العامين التاليين، استمر الجانبان في توجيه الضربات لبعضهما، الأمر الذي انتهى بهدنة قصيرة تمثلت في توقيع المرحلة الأولى من الاتفاق التجاري. وعلى الرغم من البدء في تنفيذها؛ إلا أنه من غير المتوقع أن تستمر الصين في توسيع وارداتها من الولايات المتحدة الأمريكية أو الدخول في المرحلة الثانية من الاتفاق، حيث جاءت أزمة فيروس كورونا لتقلب موازين الأمور وتزيد من حدة المعركة المتواصلة بين البلدين، والتي كان قد بدا أن وتيرتها قد خفت، وبدلًا من ذلك استعد الجانبان لصراع طويل، لن تعتمد فيه إحداهما على الأخرى كما كان من قبل، حيث عملت الولايات المتحدة على إيجاد بدائل لمصانعها في المكسيك وفيتنام والهند.

كما وضعت بكين خططها لتقليل الاعتماد على الشركات الأمريكية وتقنياتها. وفي حين أنه ظاهريًا، أجّلت حكومة “شي” خطة “صنع في الصين 2025” مع اشتداد الحرب التجارية، إلا أنه في الواقع، واصلت الحكومة تقديم المزيد من الدعم وتخفيضات الضرائب، وأشكال أخرى من الإعانات لتسريع تحول الشركات الصينية عن التكنولوجيا الأجنبية، وخاصة الأمريكية، حيث أصدرت الصين سياسة صناعية جديدة في نوفمبر 2019 لاستبدال خطة “صنع في الصين”. كما تعول الحكومة كثيرًا على بعض الشركات التكنولوجية الصينية مثل هواوي (Huawei)، للعب دور أساسي في تقدم البلاد من خلال قطاع التصنيع، وذلك بحلول عام 2025.

احتمالات حرب باردة جديدة
يهيئ كل ما سبق العالم للانتقال من حالة الحرب التكنولوجية والحرب التجاربة، بين كل من الولايات المتحدة والصين، إلى تشكٌّل حرب باردة جديدة مكتملة الأركان، كما أنه من المتوقع أن تستمر تلك الحرب خلال المرحلة المقبلة، مستغلة في ذلك وضع الصين في ذهن المواطن الأمريكي، باعتبارها العدو الأول الذي يمثل تهديدًا اقتصاديًّا وتجاريًّا للولايات المتحدة، بالإضافة إلى انتهاكات حقوق الإنسان والأمن العالمي..

ويستفيد كلا الجانبين سياسيًّا من الخلاف، فامتلاك عدو أمريكي يساعد “شي جين بينغ” على توطيد السلطة، و”تبرير ميوله الشبيهة بالماو”. كما أن امتلاك عدو صيني يمنح القيادة السياسية الأميركية، زخمًا سياسيًّا، كما أنه ساعده في تنفيذ خططه، التي عبر عنها في شعار “أمريكا أولًا”، حيث ساعد تضخيم العدو الخارجي في توحيد الأمريكيين المتصدعين، كما فعلت الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفيتي…

وتعدّ العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، واحدة من أهم العلاقات التي شغلت اهتمام العالم خلال النصف الأول من القرن الحادي والعشرين، والتي من المتوقع أن تكون شديدة التأثير خلال السنوات المقبلة.

الوسوم
اظهر المزيد

بقية المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فيسبوكتويتريوتيوبانستغرام