أحداثأهم الأحداثالتحولات الديمقراطيةدولي

فورين بوليسي: 12 من كبار المفكرين في العالم يستشرفون ما بعد فيروس “كورونا”

تونس ــ الرأي الجديد

بعد مرور سنة على الانتشار السريع لفيروس كوفيد-19 في جميع أنحاء العالم، بدأت ملامح النظام العالمي الذي أعاد الوباء تشكيله في الظهور. ومثلما دمّر الفيروس حياة الناس، وعطل الاقتصاديات، وغيّر نتائج الانتخابات، فإنه سيؤدي إلى تحولات دائمة في القوة السياسية والاقتصادية داخل البلدان وفيما بينها. لمساعدتنا في فهم هذه التحولات مع دخول الأزمة مرحلة جديدة في سنة 2021، طلبت مجلة “فورين بوليسي” من 12 مفكرا رائدا من جميع أنحاء العالم أن يشاركونا توقعاتهم بشأن النظام العالمي بعد الوباء.

                                                              زمن القيادة

بقلم
جون ألين، رئيس معهد بروكينغز

سيخرج قلة قليلة منتصرين من هذه الأزمة الصحية العالمية، وذلك ليس لأن المرض كان خارج سيطرتنا وإنما لأن معظم البلدان فشلت في ممارسة القيادة والانضباط الذاتي المجتمعي الضروريين للسيطرة على الوباء، إلى أن تصبح اللقاحات متاحة.

سرعان ما أصبح كوفيد-19 من بين مسببات الضغط على نظامنا الدولي الهش بالفعل، وكشف نقاط الضعف وفاقمها، وزاد من وطأة المشاكل المتجذرة في كل دولة. على الصعيد العالمي، رفعت هذه الأزمة الستار عن الحالة المزرية لأنظمتنا الصحية العالمية، مما أجبر العديد من البلدان على اتخاذ قرارات أخلاقية مدمرة لتحديد الفئة الأكثر استحقاقا لتلقي الرعاية الطبية من مواطنيها. وبدلا من تشكيل تحالف عالمي متجدد لمكافحة هذا الوباء المروع، اعتمدت العديد من البلدان على سياسات انعزالية، مما أدى إلى استجابات مجزءة وغير فعالة مع استمرار تصاعد عدد حالات الإصابة مرة أخرى بشكل كبير في جميع أنحاء العالم، وكانت الولايات المتحدة من بين أسوأ الأمثلة.

في الحقيقة، تمثل جائحة كوفيد-19 سلسلة معقدة من المشاكل العابرة للحدود والمترابطة التي تتطلب حلولًا متعددة الأطراف يتولى قيادتها قادة العالم. لمعالجة قضايا مثل العنصرية النظامية، وتغير المناخ، والحاجة إلى الانتعاش الاقتصادي العالمي، من الضروري حقا أن نسعى إلى تعزيز، وليس إضعاف، نظامنا الدولي المشترك. لا شك أن العلم سينقذنا في نهاية المطاف، لكن لا أمل في اتخاذ إجراءات منسقة ضد الوباء – وفي التعافي النهائي – من دون قيادة حقيقة.

                                                             بذور الثورة

بقلم آن ماري سلوتر، الرئيسة التنفيذية لشركة “نيو أمريكا”

لقد بيّن الوباء بشكل قاطع أن الحكومة الأمريكية ليست لاعبًا أساسيًا في الشؤون العالمية. لقد قررت إدارة ترامب المنتهية ولايتها انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية، ورفضت الانضمام إلى شراكة “كوفاكس” التي تضم 172 دولة لضمان الوصول العالمي العادل إلى اللقاح، وتبرأت من مسؤولية التصدي للوباء في الولايات والمدن الأمريكية. وبينما يدفع الأمريكيون ثمن هذه القرارات، يمضي العالم قدمًا.

إن المنظمات والشركات والجامعات الأمريكية الخيرية والمدنية هي التي لا يمكن الاستغناء عنها بالفعل. ساعدت مؤسسة بيل وميليندا غيتس في تنظيم التحالف العالمي للقاحات والتحصين، والائتلاف المعني بابتكارات التأهب للأوبئة، وكلاهما شريكان رئيسيان في الاتحاد الأوروبي ومنظمة الصحة العالمية في جهود مكافحة الأوبئة مثل “كوفاكس”. تلعب شركات الأدوية الأمريكية أيضًا دورًا بالغ الأهمية في تطوير اللقاح وتصنيعه وتوزيعه – سواء بمساعدة الحكومة الأمريكية أو من دونها – حتى في الوقت الذي تحرز فيه الشركات الأوروبية تقدمًا سريعًا. كما يلعب والأطباء وعلماء الأوبئة الأمريكيون أدوارًا أساسية في الشبكات العالمية من خلال مشاركة المعلومات حول الفيروس بالإضافة إلى الاستراتيجيات الناجحة للوقاية والعلاج.

لكن الفصل الدراماتيكي على الصعيدين الوطني والعالمي لطبقة الأغنياء عن بقية الطبقات الاجتماعية الأخرى مثّل أكبر مفاجأة كشفها الوباء، حيث تسبب كوفيد-19 في وفاة أكثر من مليون شخص في جميع أنحاء العالم وخلق كارثة اقتصادية لأصحاب الأجور والشركات الصغرى. في المقابل، سجّلت الأسواق المالية القليل من الضرر، وبلغت قيمة الأصول أعلى مستوياتها أكثر من أي وقت مضى. ومثل هذه الفجوات من شأنها أن تزرع بذور الثورة.

                                                             التحوّل السريع للعولمة

بقلم لوري غاريت، كاتبة علوم وكاتبة عمود
في مجلة “فورين بوليسي”

بالنظر إلى التأخيرات الحتمية في صنع اللقاحات، يبدو أن نهاية فيروس كورونا لن تكون قريبة. سيستمر الوباء  في تغيير ملامح العولمة والتصنيع بشكل سريع.

لا يخطط نصف الرؤساء التنفيذيين للشركات الـ 500 المصنفة ضمن قائمة فورتشين لإعادة السفر من أجل العمل بنفس مستويات 2019، حيث يتوقع أكثر من ربعهم أن حجم القوى العاملة لديهم لن يعود إلى سابق عهده قبل انتشار الوباء. ويعتقد ثمانية من كل 10 رؤساء تنفيذيين أن القومية ستصبح قوة مهيمنة في البلدان التي يعملون فيها، الأمر الذي من شأنه أن يؤثر على سلاسل التوريد وقرارات تحديد المواقع والمناخ التنظيمي.

إن معظمهم مقتنعون بأن التحول السريع إلى الروبوتات والذكاء الاصطناعي سيساعد في حمايتهم من الأمراض التي ستهدد القوى العاملة في المستقبل ومن الصدمات الوبائية. وحتى لو تعافت إيرادات العديد من الشركات، لا تزال حالة عدم اليقين سائدة في مجالس الإدارة.

لم تنجح معظم الشركات والمشترين الحكوميين بعد في إيجاد حل لمشكلات الإنتاج والإمداد في عصر الوباء. سيقومون بتنويع الموردين ليكونوا أقل اعتمادًا على دولة واحدة مثل الصين، وبناء مخزونات تمكنهم من مواجهة الاضطرابات المستقبلية. ستبتعد الشركات والحكومات عن العلاقات طويلة الأمد والصفقات التجارية التي لطالما دعمت العولمة، لتلجأ بدلا من ذلك إلى التزامات أقل استقرارا يمكن تقديمها – والتخلي عنها – في استجابة سريعة لتفشي المرض في المستقبل وأحداث البجعة السوداء.

سيكون هناك خاسرون. لقد تركت العواقب الاقتصادية الوخيمة للوباء الملايين من الناس يشعرون بالمرارة والاستياء، ومن المرجح أن يلقوا باللوم على المنافسين الأجانب. كما تواجه المؤسسات الصحية والإنسانية العالمية تحديات شديدة بسبب تنامي القومية وتفاقم الصعوبات في جمع الدعم المالي. ونتيجة لذلك، قد يكون أحد الآثار طويلة المدى لهذا الوباء أنه جعل العالم أقل قدرة على الصمود في مواجهة الجائحة التالية.

                                                             العصر الآسيوي الأكثر كفاءة

بقلم كيشور محبوباني، عضو متميز في 
معهد
أبحاث آسيا بجامعة سنغافورة الوطنية

إن الأرقام لا تكذب. سجلت دول شرق وجنوب آسيا خلال الجائحة معدل وفيات منخفض. يبدو الفرق واضحا من خلال مقارنة عدد الوفيات لكل مليون ساكن في الدول آسيوية مثل فيتنام (0.4 حالة وفاة لكل مليون شخص) والصين (3) وسنغافورة (5) وكوريا الجنوبية (10) واليابان (17) مع دول أخرى مثل بلجيكا (1446) وإسبانيا (979) وبريطانيا (877) والولايات المتحدة (840)، وإيطاليا (944).

تشير القصة الأكبر بكثير خلف هذه الأرقام إلى انتقال الكفاءة من الغرب إلى الشرق. لطالما عُرفت المجتمعات الغربية باحترامها للعلم والعقلانية، غير أن دونالد ترامب رفع الستار عن هذه “الحقيقة الوهمية”، ليترك الآسيويين مذهولين.

لطالما عُرف الغرب، والاتحاد الأوروبي على وجه الخصوص، بالحوكمة الرشيدة. ولكن الموجة الثانية القوية من الوباء أكدت وجود خلل ما. ما هو موطن هذا الخلل؟ يمكن الإجابة عن هذا السؤال في كلمة بسيطة: التهاون. بينما اعتقد الغرب أنه سينجح في هذه المعركة، أدركت مجتمعات شرق وجنوب شرق آسيا أنه يتعين عليها أن تكون صارمة ويقظة ومنضبطة نظرا لتجربتها السابقة مع الأوبئة مثل فيروس السارس، الذي جعلها تؤمن بضرورة احترام قرارات الحكومة. لم تبق هذه المجتمعات مكتوفة الأيدي ولم تكتف باتهام الحكومة بأنها “أساس المشكلة”، بل كانت مدركة لحقيقة أن الحل بين يدي الحكومة.

تمكن كل من المجتمع الفيتنامي المنضبط بشدة والمجتمع التايلندي المضطرب سياسيًا من السيطرة على كوفيد-19. واستجابت المؤسسات الحكومية القوية بكفاءة، خاصة في المجال الصحي والطبي. ومن المرجح أيضًا أن تتعافى اقتصادات شرق آسيا بشكل أسرع، مما يعكس قوة كفاءتها في الإدارة الاقتصادية.

عندما يبحث مؤرخو المستقبل عن بداية بزوغ العصر الآسيوي، يمكنهم الإشارة إلى جائحة كوفيد-19 على أنها اللحظة التي كانت سبب عودة الكفاءة الآسيوية بقوة.

                                                              عصر جديد من ناشطية الدولة

بقلم شانون ك.أونيل، عضوة أولى في مجلس العلاقات الخارجية

لن تتشكل المرحلة التالية من العولمة من خلال التجارة أو الاستثمار أو انتشار الفيروسات وإنما من خلال الجغرافيا السياسية والنشاط الحكومي. تعافت سلاسل التوريد العالمية إلى حد كبير من الصدمات الاقتصادية الحادة – التي قلصت العرض والطلب – نتيجة الإغلاق للحد من انتشار فيروس كورونا في الربيع الماضي. لكنها باتت تواجه الآن تحديا أكثر ديمومة من نشاط الدولة.

سيستمر تصاعد التوترات السياسية بين الولايات المتحدة والصين وفك ارتباط القطاع الصناعي بين البلدين.

لا يزال تسليح القوة الاقتصادية والمالية لتحقيق مكاسب جيو سياسية عن طريق المقاطعات والعقوبات والقيود الأخرى في تزايد. وبينما يكافح الاقتصاد العالمي للتعافي من الوباء، تنخرط الحكومات في جميع أنحاء العالم في المعركة الاقتصادية للتأثير على الاستثمارات وتوجيهها، وتحفيز الابتكار الصناعي، وإدارة الأمن القومي والدفاع عنه في العالم الرقمي، وتشكيل الاقتصاديات الوطنية باستخدام كافة أشكال الأدوات السياسية.

إن العالم بحاجة إلى سياسات صناعية ذكية لمعالجة المشاكل التي لن تحلها الأسواق بمفردها – مثل تغير المناخ – وتحقيق تكافؤ الفرص بين البلدان من خلال إزالة الحواجز التنظيمية وغيرها من الاتفاقيات التجارية الشاملة والاتفاقات متعددة الأطراف.

لكن ناشطية الدولة تهدد بمزيد تجذر السياسات الحمائية القاسية التي تعمق الانقسامات بين البلدان، وتفتت سلاسل التوريد، وتقمع الابتكار والنمو العالمي. ويكمن التحدي الذي يواجه قادة العالم في كيفية التدخل بطرق ذكية تحافظ وتشجع على المنافسة والانفتاح.

                                                              الأنظمة المستبدة تبدو أسوأ الآن

بقلم ستيفن إم والت، أستاذ في العلاقات
الدولية في كلية هارفارد كينيدي

كما هو متوقع، أدى فيروس كوفيد-19 إلى تسريع تحول القوة من الغرب إلى الشرق ووضع قيود إضافية على العولمة، مما جعل العالم أقل انفتاحًا وازدهارًا. لكن الوباء لم يضع حدًا للجغرافيا السياسية التقليدية أو الخصومات الوطنية، ولم يكن بمثابة المؤشر الذي يبشر بعصر جديد من التعاون العالمي.

بينما بدأت الصين في التعافي، تواجه الولايات المتحدة وجزء كبير من أوروبا موجات أخرى من الإصابات، ويُعزى ذلك إلى حد كبير إلى فشل القادة في الاستجابة لهذا الوباء بشكل سريع وفعال. لكن هذا النمط لا يبرر حاجتنا إلى احتضان الحكم الاستبدادي، كما تأمل بكين أن نفعل. فأداء أستراليا الديمقراطية وكندا ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية وتايوان كان جيدا مقارنة بروسيا وإيران والعديد من الديكتاتوريات الأخرى التي فشلت في مواجهة الأزمة.

أصبحت العولمة تتجه نحو الاتجاه المعاكس، والتعاون الدولي لهزيمة الوباء ليس في أفضل أحواله. لم يمنع الوباء ظهور صدامات جديدة بين الهند والصين، ولم يوقف سفك الدماء في سوريا أو اليمن. هذا إلى جانب تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين.

لكن الخبر الجيد يتمثل في عدم تحقق المخاوف الشائعة – بما في ذلك قلقي – من أن السلطويين والشعبويين والحكام المستبدين المستقبليين سيستغلون حالة الطوارئ لتعزيز سلطتهم. وهنت سلطة الشعبويين في النمسا وبريطانيا وألمانيا، ويواجه حزب القانون والعدالة البولندي معارضة جديدة؛ ويتعرض الحكام المستبدون مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، لضغوط متزايدة بعد سوء إدارتهم للجائحة.

والأهم من كل ذلك أن أحد أكثر الحكام شعبوبية، دونالد ترامب، لم يفز بولاية ثانية، وهو أمر يدعو للأمل. بالتحلي بالعزم، وارتداء أقنعة الوجه، وطرح اللقاحات، سنتمكن من تجاوز هذه الأزمة.

                                                              لا لم تكن هذه نقطة تحول

بقلم
 ريتشارد إن. هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية

من المثير للدهشة أنه لم يكن هناك أي ارتباط بين أنظمة الدول السياسية وحسن أدائها في التعامل مع الجائحة. كان أداء بعض الديمقراطيات والأنظمة الاستبدادية جيدًا، وكان البعض الآخر سيئًا. كانت القيادة والتنفيذ أهم عنصر في مواجهة الجائحة. وهنا تكمن صدمة الأرقام الفظيعة التي سجلتها الولايات المتحدة، حيث أنه كان بالإمكان تجنب الكثير من الخسائر.

لقد تسبب الوباء في تعميق الصدع بين الولايات المتحدة والصين، وحفّز على إعادة النظر في سلاسل التوريد. أما أوروبا، فتبدو أقوى الآن بعد تعاون ألمانيا وفرنسا معًا، وتضافر جهود كل من البنك المركزي الأوروبي والمفوضية الأوروبية. ومن خلال القضاء على النمو الاقتصادي وإجبار البلدان على تقديم حوافز مالية على نطاق غير مسبوق، أدت الجائحة إلى زيادة مذهلة في الديون في جميع أنحاء العالم.

لكن التأثير السياسي الأكبر كان في الولايات المتحدة، حيث مثلت الاستجابة الفيدرالية الفاشلة للوباء وآثاره الاقتصادية عاملًا كبيرًا في هزيمة الرئيس دونالد ترامب في الانتخابات. لو لم يكن هناك جائحة، أو لو قوبلت بأقل قدر من المهارة، لانتصر ترامب – ووضع البلاد على مسار مختلف تمامًا في الداخل والخارج.

على نطاق أوسع، ومع التكلفة الباهظة والعواقب الهائلة للجائحة، لم يكن هناك الكثير من الآثار التي لا يمكن عكسها إلى حد ما بمجرد اتباع سلوكيات مسؤولة، وتوسيع نطاق الفحوصات، وتقديم العلاجات الأفضل واللقاحات الفعالة. من المرجح أن تظهر تحديات أخرى – مثل تغير المناخ، والانتشار النووي، والتنافس بين القوى العظمى – أكثر تحديدًا لمعالم هذه الحقبة الجديدة. أما الجائحة، فلن تؤدي إلى إعادة تشكيل العلاقات الدولية بشكل جذري، بل من المرجح أن يُنظر إليها في المستقبل على أنها حادثة منفصلة وليست نقطة تحول.

                                                              سوف تنتعش الاقتصاديات الحرة

بقلم كوري شاك، مديرة
 دراسات السياسة الخارجية
والدفاعية في معهد “أمريكان إنتربرايز”

أبرز التغييرات ستكون اقتصادية. سوف تتسع مظاهر اللامساواة لأن أولئك الذين لديهم إمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية، واحتياطيات رأس المال، والوظائف التي يمكن مزاولتها عن بعد، يتمتعون بفرص أكبر للتعافي. كما سيتم إعادة تأميم سلاسل التوريد – أو على الأقل – ستدفع تجربة الانقطاع الشديد الشركات إلى إنشاء قدرة احتياطية وإعادة التفكير في قرارات تحديد المواقع. ومع تدهور الاقتصاديات، سينخفض الطلب على المواد الخام؛ أما مع تباطؤ العولمة، ستنهار ربحية مشروع الحزام والطريق الصيني. كما ستجني الاقتصاديات الابتكارية التي يمكنها اغتنام الفرص وتحويل العمالة مكاسب هائلة.

سيكون لهذه التغييرات عواقب وخيمة على الأمن الدولي أيضًا. ستكون تكاليف الجائحة هائلة على الصعيد الاقتصادي لدرجة أنها ستحفز التعاون الدولي لتحديد وإدارة الأوبئة في المستقبل بشكل كبير. ستتحول الميزانيات الحكومية من المجال الدفاعي إلى مجال الصحة العامة الذي أصبح جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي.

من شأن التوترات الداخلية المترتبة عن ازدياد التفاوت في الدخل أن توجه تركيز الدول نحو شؤونها الداخلية، والدول التي ستتمكن من معالجة ذلك التفاوت ستعزز من التماسك الاجتماعي وقواعدها الاقتصادية. من المرجح أن تتخذ التحالفات الأمنية مثل حلف الناتو أهدافًا اقتصادية، مثل موثوقية الإمدادات، ولكن من المتوقع أيضًا أن تُكثف الضغوط من أجل تقاسم أفضل للأعباء بين الأعضاء.

من المتوقع أن تشهد اقتصادات القوى الصاعدة تباطؤا، في حين تتمتع اقتصادات العالم الحر بوضع يسمح لها بالانتعاش والسيطرة على مجالات جديدة. تعد الصين أكبر دائن في العالم حاليًا، وتسعى بقوة للحصول على السداد التفضيلي من الحكومات المدينة، مما قد يدفع العديد منها للمطالبة بالحماية. وقد يمنح ذلك بدوره فرصة كبيرة للولايات المتحدة لاحتواء الصين وتنظيم الحلفاء داخل النظام الغربي القائم للمؤسسات متعددة الأطراف.

                                                              انقسام العالم إلى فقاعات

بقلم شيفشانكار مينون، زميل بارز في معهد
“بروكينغز إنديا”، ومستشار الأمن القومي السابق
لرئيس الوزراء الهندي مانموهان سينغ

في سنة 2020، خسر العالم فرصته في استغلال الأزمة التي تسببت فيها جائحة كوفيد-19. لقد فشل في التعاون وإحياء التعددية. كما فشلت معظم الحكومات في تقوية أواصر الثقة بين المواطنين والدولة، واعتمدت بدلاً من ذلك على تشديد الضوابط والمراقبة والاستبداد. لقد فشلت العديد من الدول الأكثر ديمقراطيةً وتقدمًا في حماية صحة مواطنيها وحياتهم فشلا ذريعا.

عوضا عن ذلك، سرّعت الجائحة من وتيرة محاولات تجزئة الاقتصاد العالمي إلى “فقاعات” مكتفية ذاتيًا، وهي محاولة يُستبعد أن تنجح، ولكنها غالبا ما ستتسبب بإفقارنا جميعًا عن طريق الحد من آفاق النمو. أصبحت العلاقات بين القوى العظمى أكثر توترًا من أي وقت مضى، بما في ذلك العلاقات بين الصين والولايات المتحدة، وبين الصين والهند.

بالنظر إلى الأداء الضعيف لقادة العالم والمنظمات الدولية حتى الآن، نرى أن الوباء ترك العالم أقل قدرة على مواجهة المستقبل والتعامل مع القضايا الدولية التي تؤثر علينا جميعًا – مثل تغير المناخ، والأوبئة المستقبلية، والأمن السيبراني، والأمن البحري، والإرهاب الدولي.

                                                              بروز الصين بطاقة قصوى

بقلم روبن نيبليت، المدير والرئيس التنفيذي
لمنظمة “تشاثام هاوس”

لقد أتاح تصدي الحزب الشيوعي الصيني المنضبط لفيروس كورونا الفرصة للصين لاستعادة وتيرتها السابقة في النمو الاقتصادي، وشحذ انتقالها لتصبح أكبر اقتصاد في العالم. ومع التعافي السريع لجيران الصين من الجائحة أيضًا، أصبح إقليم شرق آسيا بؤرة النمو الاقتصادي العالمي.

لم تساهم جهود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب غير المنضبطة لتقويض بروز الصين كقوة تكنولوجية عظمى إلا في تسريع مساعي هذه الدولة لتحقيق الاكتفاء الذاتي التكنولوجي. على عكس نهج ترامب الفاشل الذي يعتمد على مبدأ العمل الفردي، قد يتمكن الرئيس المنتخب جو بايدن من مساعدة الولايات المتحدة على إعادة بناء علاقاتها الثنائية وتحالفاتها لمواجهة نهضة الصين. لكن الأوان قد فات الآن لأن تضع الديمقراطيات الليبرالية شروطًا تحدد كيفية تطوير الصين لقوتها الاقتصادية.

ستظل عوالم شمال الأطلسي وآسيا والمحيط الهادئ في تضارب..

قد تستمر اليابان وكوريا الجنوبية وأعضاء رابطة دول جنوب شرق آسيا، وحتى أستراليا، في اللجوء إلى الولايات المتحدة لضمان أمنها. لكن هذه الدول لا تستطيع الانضمام إليها لتقويض الاقتصاد الصيني، نظرًا لاعتمادها عليه لضمان مستقبلها الاقتصادي. في غضون ذلك، ستقضي الولايات المتحدة وأوروبا السنوات الخمس المقبلة في التركيز على إدارة تداعيات الجائحة على اقتصاداتهما ومجتمعاتهما.

وإلى أن تمر القيادة الصينية بالآثار السلبية المترتبة عن نموذجها الاستبدادي وسيطرة الدولة لتضع الصين على مسار جديد، ستظل عوالم شمال الأطلسي وآسيا والمحيط الهادئ في تضارب.

                                                               لا يمكن لأي حكومة العمل بمفردها

بقلم جوزيف إس. ناي الابن، أستاذ فخري
في كلية كينيدي بجامعة هارفارد

تستجيب العولمة، أو الاعتماد المتبادل عبر القارات، للتغيرات التي تطرأ على تكنولوجيا النقل والاتصالات. ومع أن فيروس كوفيد-19 تسبب في تغيير معالم العولمة – على غرار خفض معدلات السفر، وزيادة الاجتماعات الافتراضية – إلا أنه لم يؤثر على ضخامتها. قلصّت الجائحة بعض جوانب العولمة الاقتصادية، مثل التجارة، ولكن ذلك لا ينطبق على جوانب أخرى، مثل التمويل.

لقد أصبحت بعض سلاسل التوريد الصناعية ذات طابع إقليمي أكبر، كما تدفع المخاوف الأمنية الشركات والحكومات إلى منح أولوية أكبر للتأهب”في حالة حدوث” أمر ما، بدلاً من التعامل معه “في آخر لحظة”. وعلى عكس الاضطرابات الحقيقية مثل الحروب، من غير المرجح أن تؤدي هذه التعديلات إلى تغيير جذري في سلاسل التوريد العالمية أو التجارة الدولية. وحتى إذا تمكنت من ذلك، فلن تستطيع تفكيك الترابط البيئي المتزايد في العالم.

بينما تتأثر العولمة الاقتصادية بالحكومات، فإن الجوانب البيئية للعولمة مثل تغير المناخ وانتشار الأوبئة تحددها قوانين الفيزياء والبيولوجيا. لن توقف الجدران الحدودية والتعريفات الجمركية التهديدات البيئية العالمية العابرة للحدود الوطنية، على الرغم من أن الحواجز المانعة للسفر والركود الاقتصادي المستمر قد يبطئها إلى حد ما. وبما أنه لا يمكن لأي حكومة العمل بمفردها، يجب أن تعمل القيادات بمبدأ القوة مع الآخرين وعلى الآخرين. لم أكن أتوقع أن هذا العدد الكبير من الدول سيظهر قصورًا في الاستجابة، وبطئا شديدا في التعلم.

                                                              عالم ذو وجهين

بقلم جي جون إكينبيري، بروفيسور في
كلية الشؤون العامة والدولية في جامعة برينستون

ستترك جائحة كوفيد-19 أثرًا دائما في تصوراتنا – نظرتنا العالمية للقرن الحادي والعشرين. لقد جعلتنا الجائحة نرى بشكل أوضح وجودنا المشترك المشحون، والأخطار الكامنة في التكافل، وثمن التعاون الدولي الفاشل، وفضائل الحكومة الكفؤة، وهشاشة المؤسسات الديمقراطية، وتزعزع حضارة عصر التنوير، والحقيقة التي لا مناص منها التي تشير إلى مصير البشرية المشترك.

تشكل الجائحة تذكيرا بأن الحداثة ظاهرة ذات وجهين..

بعد مرور عام على تفشي الفيروس، لم تعد مشاكل الفوضى التي تجتاح العالم – مثل القومية والمنافسة الأمنية والحروب – أكثر القضايا إلحاحًا. يبدو أن العالم يجد صعوبة متزايدة في التعامل مع المشاكل المترتبة عن الحداثة، على غرار عجزنا عن التعامل مع التحولات العالمية العميقة في مجتمعاتنا التي أطلقتها قوى العلم والتكنولوجيا والصناعة. تُذكرنا الجائحة بشكل مأساوي بأن البشر حاليا وفي كل أصقاع الأرض لم يتمكنوا من السيطرة على الطبيعة تمامًا، وأننا لا نستطيع الهروب من تنامي الترابط المتأصل في تواجدنا في العالم الحديث.

تشكل الجائحة تذكيرا بأن الحداثة ظاهرة “ذات وجهين”: يواصل العالم الحديث العمل على خلق القدرات لتحقيق تطورات كبيرة في مجال رفاهية الإنسان، ولكنه يتسبب أيضًا في المآسي الضخمة والكوارث الحضارية. ستقودنا الجائحة جنبًا إلى جنب مع التهديدات الوجودية المتزايدة لتغير المناخ والانتشار النووي إلى حقبة جديدة من الصراع في نطاق النظام العالمي، حيث تبحث البلدان في جميع أنحاء العالم عن طرق لتحقيق مكاسب الحداثة مع الاحتراس من مخاطرها.

المصدر:  فورين بوليسي
ترجمة: موقع “نون بوست”

الوسوم
اظهر المزيد

بقية المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فيسبوكتويتريوتيوبانستغرام