أهم الأحداثالمشهد السياسيبكل هدوءوطنية

خطاب “حرب” في بلد يجنح للاستقرار السياسي…


بقلم / صالح عطية

ما جاء في كلمة رئيس الجمهورية، قيس سعيّد اليوم، بقصر قرطاج، خلال جلسة أداء اليمين لأعضاء الحكومة، خطير، ومثير، ويدعو إلى طرح التساؤلات الحقيقية، بلا مواربة، ومن دون أيّ تحفظ..
فقد كانت قسمات وجه رئيس الجمهورية وملامحه، غاضبة وممتعضة وشديدة التوتر، رغم ما بدا على نبرات صوته من هدوء..
كان واضحا على السيد قيس سعيّد، أشدّ حالات التوتر والغضب إلى حدّ الهستيريا أحيانا، من خلال كثافة استخدام بعض التعبيرات وتكرارها، بشكل يعكس حدّة الحالة النفسية والعصبية التي عليها رئيس البلاد.

فكلمات، مثل الكذب والافتراء والخيانة والازدراء، وغيرها كررها رئيس الجمهورية مرات عديدة، ضمن معجم يشي بالحرب، وكأنّ الرئيس في حالة حرب، أو هو يستعدّ لخوض معركة فاصلة مع عدوّ خارجي، والحال أنّ مقام رئاسة الجمهورية، يفترض فيه الرصانة والمسؤولية والقدرة على التحمّل، ومن ثمّ، القدرة على تحويل “الأذى” ــ بمعناه السياسي ــ إلى مكسب، وجعل “العدوّ، إن كان ثمة عدوّ داخلي فعلا، صديقا ولو إلى حين، وإذا تعذّر ذلك، فجعله شريكا مؤقتا، وفقا لسيناريو المرحلة وحيثياتها واستحقاقاتها.

لا نعلم حقيقة، أنّ ثمة عدوا لرئيس الجمهورية في تونس، ثمة منافسين، وخصوم سياسيين، وثمة رافضون لنهجه، وناقدون لأسلوبه، ومعترضون على طريقة تفكيره، وثمة من هم غير راضين على مواقفه في الشأن الداخلي، وفي السياسة الخارجية، لكن لا علم لنا بوجود “عدوّ” لرئيس الدولة يبرر هذا الخطاب “العنيف”، من قبل المسؤول الأول في الدولة التونسية، بما تعنيه كلمة المسؤولية، من تريث واتزان وعقلانية.

ليست هذه المرة الأولى التي يخرج فيها السيد قيس سعيّد بمثل هذا الخطاب المتوتر، والغامض (هؤلاء.. أنتم.. فليعلموا… المرتابون.. المتوهمون.. المرضى….)، وزادها هذه المرة، مفردات أكثر خطورة، على غرار، (الخونة، والخيانات، ومن باعوا الوطن، ومن لهم علاقة بالصهيونية، والاستعمار…إلخ… )..
لا نعتقد أنّ هذا يمكن أن يقدّم بالعملية السياسية في بلادنا، التي تحتاج إلى الكثير من الرصانة والهدوء والواقعية السياسية، والبراغماتية، لمواجهة كمّ المشكلات المتراكمة، وأزمة العلاقات بين مكونات المشهد السياسي والحزبي، وبين مؤسسات الدولة، وبخاصة الرئاسة والبرلمان ورئاسة الحكومة.

بالتأكيد، بدا رئيس الجمهورية، متأثرا بما دار أمس في مجلس نواب الشعب، وخاصة بتلك التدخلات التي تعرضت له بالنقد الشديد، وتساءلت عن حقيقة دوره، والتي طالبته بالكف عن التدخل في المشهد البرلماني والحكومي، ومحاولة الهيمنة على السلطة التنفيذية..
صحيح أن بعضها كان ذا طابع تهكمي وساخر، وربما وقح إلى حدّ كبير، وهو ما قد يكون رئيس الجمهورية، غير متعوّد عليه، ولم يعوّد نفسه عليه، وربما كان يعتقد أنّه لن يكون عرضة لمثل هذا الخطاب ولهذا النقد في البرلمان..

قد يكون رئيس الجمهورية، نسي أو تناسى، أنّ كل الذين مروا عبر هذا البرلمان، أو الذي سبقه، لم يسلم من “خطاب النواب” ووقاحة بعضهم، وحتى “عنفهم اللغوي”.. ومنهم المرحوم، الرئيس الباجي قايد السبسي، ويوسف الشاهد وإلياس الفخفاخ، رئيسا الحكومة السابقين، ورئيس البرلمان الحالي، راشد الغنوشي، وغيرهم من الوزراء والمسؤولين في الحكومة، دون أن يتوتر هؤلاء بهذا الشكل، ودون أن تكون لهم ردود فعل متشنّجة، و”خارجة عن السياق”، مثل تلك التي “تفوّه” بها رئيس الجمهورية.
إنّ ظهور الرئيس بهذا “المظهر العنيف”، وبهذا الخطاب “التحريضي” الواضح، وبهذا المعجم المتشنّج، وبحجم الحقد الذي بدا عليه، على “أطراف” لا نعلمها، و”هؤلاء” الذين لا نعرفهم، و”هم” الذين ليس لدينا تفاصيل عنهم، و”الخونة” الذين لا نملك سجلّ خيانتهم بعد، و”المرضى” الذين لم تتاح لنا فرصة قراءة الشهائد الطبية التي تثبت، أو تدلل على مرضهم ونوعيته، بما يجعل خطاب الرجل محتقنا، ومخيفا إلى حدّ كبير..

هل يدرك رئيس الجمهورية، تداعيات هذا الخطاب، الذي يمكن أن يؤدي إلى ردود فعل عنيفة من مناصريه، ومن التنسيقيات المحسوبة عليه ؟ بل هل يدرك رئيس الجمهورية، أنّ الكلمات والمعجم الذي استخدمه، يمكن أن يتسبب في أعمال إرهابية في تونس، ضدّ شخصيات معينة، سياسية أو برلمانية، قد تجد في هذا المضمون الرئاسي، مبررا لأعمالها الإجرامية، التي علينا توقعها، خاصة وأنّ الجماعات الإرهابية، تقتات من حالة الفوضى، وتنتعش في أوضاع الغموض السياسي ؟

نحن حينئذ، أمام خطاب احترابي بكلّ معنى الكلمة، والغريب في الأمر، أنّ هذه هي طبيعة خطابات السيد قيس سعيّد منذ أن اعتلى سدّة الرئاسة، فإما أن يكون الرجل، ما يزال في “الحالة الانتخابية”، بما يعني ذلك من وضعية المنافس الذي يحاول أن يسحق خصومه بطرق شتى، أو أن يكون الرئيس، غير مستوعب بعد، لطبيعة المشهد السياسي والبرلماني والإعلامي، وهو ينظر إلى هذا المشهد، من منطلق “الممكن الذهني”، أي ما يمكن أن يفعله فيه، فيما هو مطالب بأن يتعامل معه بــ “الممكن الواقعي”، إذا شئنا استخدام مقولة ابن خلدون، أي أن يفهم هذا المشهد ويتعاطى معه، بحسب تقلباته وتحولاته ومكوناته المتعددة والمتنوعة..

لا شك أن الجلسة البرلمانية ليوم أمس ومخرجاتها، التي ضيعت على رئيس الجمهورية، أوراق اللعبة السياسية، التي كانت كلها بيديه، وفرط فيها بطريقة عجيبة وغريبة، من بين الأسباب الأساسية التي تفسر هذه الحالة، التي لا تليق برئيس دولة، تمر بلاده بانتقال ديمقراطي صعب ومعقد، وهي كانت ــ وما تزال ــ تحتاج منه الكثير من الهدوء والحكمة، والرغبة في تجميع المختلفين، بدل الرهان على تشتيتهم، وتقديمهم في صورة المجرمين والخونة والموتورين.. اللعبة السياسية سيدي الرئيس، تحتاج إلى وقت وصبر وهدوء ومناورات، وقدرة على جلب الخصوم إلى ملعبك، وليس البحث عن توريطهم، والتعامل معهم كمجرمين، أو متهمين، أو التشكيك في وطنيتهم بطرق ملتوية..

ما ننصح به رئيس الجمهورية بشكل أساسي وعاجل، هو أن يعيد النظر في المحيطين به، الذين يبدون أشدّ توترا منه، باعتبار أنّ أغلب الوجوه التي استمعنا إليها من داخل قرطاج، تبدو متوترة، وقد تكون نقلت هذا التوتر إلى الرجل..
على رئيس الجمهورية، ألا يخطب مجددا وهو في وضع متشنّج، عليه أن يأخذ الوقت الكافي لكي يهدأ، وينظر إلى الأمور بشكل مختلف، فالتصريحات الساخنة، تؤدي إلى أخطاء فادحة، وتحيل على تأويلات قد تؤدي إلى مزالق كثيرة..

وعلى رئيس الجمهورية، كذلك، أن يقتنع ــ إذا ما أراد أن يحكم مع الآخرين ــ أنّ “تونس بن علي” تغيرت، والمشهد متنوع، والنظام البرلماني حقيقة، والديمقراطية، بأحزابها ومنظماتها وفعالياتها الاجتماعية والأهلية، وإعلامها الحرّ، حقائق، حان الوقت لكي يهضمها الرئيس، ويستوعبها ويتعامل معها، لا أن يلغيها، بجرة خطاب متوتر..

قال أحد الحكماء البريطانيين ذات يوم: “السياسي الشاطر، من يعرف كيف يبعث خصومه إلى الجحيم، وهم يضحكون”، وأخشى عليك ــ سيدي الرئيس ــ من أن يمارس خصومك هذه الشطارة، فتجد نفسك في وضع شبيه بخصوم الحكيم البريطاني..

       

شاهد أيضا :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى