بعيدا عن مضمون الخطاب: هل احترم رئيس الدولة الدستور شكلا ؟


بقلم
/ الأستاذ ــ شاكر الحوكي*



ما طبيعة مداخلته التي ألقاها إبان ترؤسه اجتماع مجلس الأمن القومي؟ يبدو أنه السؤال (وهو سؤال يتعلق بالشكل وليس بالمضمون) الذي لم يستحوذ بعد على اهتمام المتابعين لكلمة رئيس الدولة، قيس سعيد، رغم الكم الهائل من التعليقات التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي والصحافة الالكترونية.

هل يتعلق الأمر “ببيان” أم “إعلان” أم “خطاب”؟ وهل من مستند نرتكز عليه لتحديد الطبيعة القانونية لتلك المداخلة؟
لا مفر من العودة الى الدستور بحثا عن الجواب، وفي عملية البحث نعثر على تفرقة بين ثلاث أصناف من المداخلات الخاصة برئيس الدولة.
يتعلق الصنف الأول “بالبيان” على معنى الفصل 80… و”البيان” هو الكلام الذي يوجه إلى الشعب مباشرة في حالة الخطر الداهم، الذي يستوجب اتخاذ جملة من التدابير الاستثنائية،  ويوجه مرة أخرى عند زوال تلك الحالة.
أما الصنف الثاني، فيتعلق “بالخطاب” كما ورد في الفصل 79… والخطاب هو الكلمة التي يتوجه من خلالها رئيس الدولة إلى مجلس نواب الشعب. وهي تقنية يبدو أن المشرع الدستوري اقتبسها من النظام الرئاسي الأميركي، الذي يسمح لرئيس الدولة بالتوجه إلى مجلسي الشيوخ والنواب في ثلاث مناسبات في العام، قصد استعراض حالة الاتحاد، واضعا أمامهم تصوراً عاما للمتطلبات التشريعية والأولويات الوطنية.
وأما الصنف الثالث، فهو “الإعلان”.. والإعلان هو ما نص عليه الفصل 77 من الدستور،  وفحواه جملة التدابير الاستثنائية المرتبطة بالفصل 80.
وعلى الرغم من تداخل البيان بالإعلان، فيما يتعلق باتخاذ التدابير الاستثنائية، فإن الإعلان  – خلافا للبيان- يشمل أيضا الحرب والسلم وإرسال الجنود إلى الخارج.
والعودة إلى الدستور هنا، كمرجع لتحديد الطبيعة القانونية لمداخلة رئيس الدولة، يفرضه أمران: ترؤسه مجلس الأمن القومي من جهة، وإعلانه التمديد في إجراءات الحظر الصحي الشامل، طبقا للفصلين 77 و 80 من جهة أخرى.
والواقع، فإن مداخلته تندرج من حيث طبيعتها، ضمن “الإعلان” الذي يقتصر فحواه على اتخاذ التدابير الاستثنائية طبقا للفصل 80 (وهي تبعا لذلك ليست بالبيان ولا بالخطاب)، غير أن رئيس الدولة، انحرف بهذا الإجراء ليحوّله إلى ما يشبه الجلسة التأديبية للحكومة  وأعضائها، وحوارا صامتا مع القيادات العسكرية والحزبية، بل خطابا موجها إلى الشعب مباشرة.. وهو ما يعني أن رئيس الدولة، ابتدع صيغة جديدة لم ينص عليها الدستور، بأن ربط بين ترؤسه مجلس الأمن القومي طبقا للفصل 77، وإعلانه عن اتخاذ التدابير الاستثنائية، علاوة على مخاطبته الشعب في نفس الوقت… والحال أن القراءة السليمة للفصل 77، تؤدي إلى الفصل بين الوظيفتين، بما يعني أن يباشر رئيس الدولة الإعلان عن التدابير الاستثنائية بعد انعقاد مجلس الأمن القومي، وليس مباشرة الإعلان والمجلس منعقد،  فمن طبيعة اجتماعات مجلس الأمن القومي، التداول والتشاور وتبادل الآراء، والتنسيق بين مختلف السلطات على ضوء المعطيات المستجدة والمتوفرة من قبل القيادات العسكرية والأمنية وغيرهما، وليس تحويل مجلس الأمن القومي، إلى منبر لمخاطبة الشعب. أما مخاطبة الشعب فمجاله مجال آخر.

هل في ذلك خرق للدستور؟

لا يتعلق الأمر بالخرق من عدمه، بقدر ما يتعلق بالإنحراف بمقتضيات النص الدستوري وقواعده، وهو المسلك الذي انتهجه رئيس الدولة، وآن أوان مراجعته، علما وأن الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، رغم أنه لم يكن أستاذا في القانون الدستوري، ولم يكن مسكونا بهاجس حماية الدستور أو احترامه، فإنه لم يتورط في مثل هذا الصنيع.
والثابت أن جزءا من اللغط الحاصل حول مداخلات الرئيس قيس سعيد اليوم، يعود السبب فيه إلى هذا الخلط بين “الأجناس”، الذي وضع نفسه فيه.

فالشعب لم يعد يفهم من المخاطب أو من المريد.

* أستاذ في القانون العام، رئيس الجمعية العربية للعلوم السياسية والقانونية 

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق