أحداثأهم الأحداثدولي

“الغارديان” البريطانية: هل سيؤدي “كورونا” لقمع اليمين المتطرف أم زيادته؟

لندن ــ الرأي الجديد (مواقع إلكترونية + صحف عالمية)

قال مدير مركز الثقافة الرقمية والمنظر السياسي بكلية كينغز بجامعة لندن، باولو غيرباودو، إن فيروس “كورونا” سبب إحراجا للرئيس الأمريكي، دونالد ترامب والرئيس البرازيلي جائير بولسونارو، لكن هذا لن يمنع اليمين الدولي المتطرف، من مواصلة معركته، مضيفا أن اليمين الشعبوي بنى قوته على ثقة متغطرسة بالنفس وصاخبة.
إلا أن رموزا تمثله، مثل ترامب وبولسونارو، بدوا في حالة دفاع عن النفس. فهم تارة يتمسكون بفكرة عادية (إنها مجرد انفلونزا)، أو أجبروا على التراجع عن مواقفهم، واعترفوا بمخاطر الوضع.

التخلي عن “مناعة القطيع”
وكان على رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون التراجع عن فكرة “مناعة القطيع”،  عندما كشف البحث العلمي أن الثمن الإنساني لسياسة كهذه، سيكون باهظا. وأصيب جونسون نفسه بالفيروس، واتهم بالتواطؤ في انتشاره وغياب القيادة الحقيقية.
وفي إيطاليا بدا ماثيو سالفيني، زعيم حزب رابطة الشمال اليميني المتطرف ونائب رئيس الوزراء السابق، فاقدا للمنطق، وغير قادر على التصرف كرجل دولة يواجه حالة طوارئ. بل واتهم بعدم الوطنية نظرا لقلة حيائه وانتقاده معالجة الحكومة للأزمة.
واختفت في فرنسا شخص زعيمة اليمين ماري لوبان من المشهد الإعلامي، فيما واصل بولسونارو التصميم على إنكار الأزمة بشكل بدا معزولا.
وظلت استراتيجية ترامب في أمريكا تتغير كل يوم، فبعد تقليله من أهمية الفيروس، أجبر على الإعلان عن حالة الطوارئ الوطنية، ثم تراجع الأسبوع الماضي بعدما أكد أن حالة الإغلاق ستنتهي بنهاية عيد الفصح، حتى لا يتضرر الاقتصاد.
صحيح أن شعبيته ارتفعت بشكل متواز مع شعبية جورج دبليو بوش، في مرحلة ما بعد هجمات سبتمبر. إلا أن ترامب قلق من تداعيات انتشار الفيروس على مواقف الناخبين في وقت تتزايد فيه معدلات الوفيات، والمخاوف من دخول الاقتصاد، حالة من الركود بشكل يؤدي لارتفاع نسبة البطالة إلى 20%.

الحكام الشعبويون في أزمة
ويعتقد الكاتب أن المصاعب التي تواجه الحكام الشعبويين ليست مستغربة، لعدم دعمهم للقضايا في قلب الأزمة: الصحة والرفاه الاجتماعي والعلوم.
فعلى جبهة الصحة كشفت الأزمة الحالية عن حماقة سياسة استمرت عقودا من قطع الدعم والتمويل عن الخدمات الصحية وخصخصة النظام الصحي.
وأمام جونسون وسالفيني وترامب أسئلة محرجة للجواب عليها فيما يتعلق بسجلهم كأعداء للنظام الصحي. وأكثر من هذا، تدعو الأزمة لتغير جذري في السياسة الاقتصادية، يتناقض مع الأيديولوجية الشعبوية التي تجمع ما بين الشوفينية على الجبهة الثقافية والسياسات النيوليبرالية المتطرفة على الجبهة الاقتصادية. كما أن تقديم الدعم للصناعات الوطنية بدءا من توفير المعدات الصحية والدواء، ليست أمورا تهم الشعبويين الذين تبنوا سياسة الحماية التجارية. وهم يعارضون وبقوة إجراءات الرفاه التي أصبحت أمرا ضروريا لتجنب الكارثة الاجتماعية، بعدما اعتبر هؤلاء الساسة سياسات كهذه “خطيرة” و”غير وطنية”، مع أنهم يقومون بتبنيها وبشكل محرج لهم.
وهناك الملمح الثالث في هيكل المواقف القومية المتطرفة، وهو هجوم الشعبويين على العلم. فأزمة وباء “كورونا”، تواجهنا بتهديد لا يمكن فهمه ومعالجته إلا من خلال العلم. وحصل علماء الأوبئة والفيروسات على مكانة مهمة في الإعلام، ويقوم الرأي العام بمتابعتهم وتنفيذ توصياتهم. ولا يعرف إن كان هذا سيقود لإيمان بالعلم وتراجع للحركة المضادة له التي يقودها القادة الشعبويون، الذين اضطروا لمتابعتها. ويتوقع أن يعي المواطنون المخاطر التي تحدث عنها العلماء، مثل التغيرات البيئية، والمتوقع أن تؤدي إلى انتشار الأمراض.

أولويات الشعبويين.. تختفي
ويعرف القادة القوميون الشعبويون بأنهم يتغذون على نشر الخوف، إلا أن الخوف المنتشر،  ليس ذلك النوع الذي يمكنهم استغلاله لصالحهم. وبسبب حالة الطوارئ الصحية والقلق الاقتصادي، هبط موضوع الهجرة من قائمة الأولويات، مع أنه الموضوع المفضل للحركات الشعبوية المتطرفة.
فمنع السفر، وحقيقة أن أوروبا والولايات المتحدة باتتا في مركز انتشار الوباء، أدت إلى تراجع الرغبة بالهجرة إلى هذه المناطق. وفي الواقع فنحن نلاحظ تبادلا تاريخيا في المواقع.. فالمكسيك هي التي تقوم بإغلاق الحدود مع أمريكا، فيما تقوم دول أفريقيا بمنع الرحلات الجوية المتجهة نحو أوروبا أو القادمة منها. وبدأ المزارعون البريطانيون بتنظيم رحلات خاصة للعمال من أوروبا الشرقية، للعمل في المزارع حتى لا يترك محصول العام دونما قطاف. ولو قادت الأزمة الاقتصادية العالمية إلى موجة هجرة كتلك التي شاهدناها عام 2015، فسيحاول القادة الشعبويون استغلالها لصالحهم، والعودة لخطابهم المعادي للعولمة.
وفي الوقت الذي أربك فيه فيروس “كورنا” الحركات القومية المتطرفة، ولو لفترة مؤقتة،  فهذا لا يعني أنها انتهت. وسيكون اليسار مخطئا لو اعتقد أن الأزمة تصب في صالحه. ومن المتوقع أن تؤدي الأزمة الصحية إلى أزمة اقتصادية، تشبه فترة الكساد العظيم في القرن الماضي، والأزمة المالية عام 2008.
وأثبت اليمين الشعبوي قدرته على الصيد في الماء العكر، واستغلال يأس الناس والبحث عن كبش فداء لتحميله المسؤولية. وربما اتبع نفس الأسلوب لو أصبحت الأمور أكثر خطورة. وما قام به رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان يوم الإثنين، من تعليق البرلمان والحكم عبر المراسيم، هو نذير لما سيأتي.

الخطاب المعادي للصين
ولم يتردد سالفيني في إيطاليا، في مديح خطوات أوربان. وسنرى زيادة في الخطاب المعادي للصين، فقد وصف ترامب فيروس كورونا بالفيروس الصيني. وقال المنظر اليميني ومستشار ترامب السابق ستيفن بانون، إن الفيروس هو “فيروس الحزب الشيوعي الصيني”. واقترح سالفيني أن معرفة الحكومة الصينية بالفيروس، وعدم إخبار العالم عنه،  فإنها ارتكبت جريمة ضد الإنسانية. وتبنى حلفاؤه في إسبانيا والبرازيل نفس الخطاب. وفي ضوء المحاولات التي قام بها المتطرفون لإنشاء “القومية العالمية” تحت رعاية حركة بانون، فهذا التنسيق في التصريحات لم يأت عبثا.
وتبدو وكأنها استراتيجية منسقة لتمرير الغضب واليأس، تسببت به الأزمة نحو عدو عرقي تم تعريفه بالصين. وسيتم تشويه كل شخص من الاشتراكيين أعداء اليمين إلى جوزيف بايدن، المرشح الديمقراطي الذي وصفته “ناشونال ريفيو”، بأنه “المرشح المفضل لدى الصين”. وما هو مخبأ لنا قد يكون أسوأ من الحركة الشعبوية اليمينية في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، بل وأسوا، فهنا حركة يمين متطرف تستخدم كل ما لديها من ترسانة ديكتاتورية متطرفة، لاستفزاز والدفاع عن مصالحها، ومنع أي محاولة ذات معنى لإعادة توزيع الاقتصاد. ومع أن الأزمة الحالية أحدثت إرباكا لليمين المتطرف، إلا أنها لم تقمعه بل جعلته يتخلق بصورة جديدة.

المصدر: موقع “العربي21”

الوسوم
اظهر المزيد

بقية المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فيسبوكتويتريوتيوبانستغرام