أهم الأحداثبكل هدوء

حفتر والتهديدات الإرهابية لتونس.. ومعركة الصلاحيات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية


بقلم / صالح عطية

 

روجت مجموعة من الإرهابيين، في اليومين الأخيرين، شريط فيديو تهدد فيه بالهجوم الإرهابي على العاصمة تونس بالذات.
ورغم الثقة العالية في الأجهزة الأمنية والعسكرية، وقدرتها على إفشال هذه المخططات الإرهابية المدعومة من دول إقليمية منذ عدّة سنوات، لإفشال التجربة التونسية، والتأثير على القرار السياسي، بل على اللعبة السياسية الداخلية، وتمرير أجندتها، فإنّ المرء يتساءل ــ كما تساءلنا سابقا ــ عن تزامن هذه التهديدات مع الجدل السياسي القائم حول قضية دستورية خلافية، الفصل 70 من الدستور، في هذه الحال، والخلاف بشأن الصلاحيات.

إذ تتوجس بعض الأحزاب من إمكانية استغلال رئيس الحكومة، إلياس الفخفاخ، الوضعية الصحية والاجتماعية والاقتصادية الراهنة، الناجمة عن انتشار فيروس “كورونا”، لأخذ صلاحيات ظرفية، يخشى أن يتم الاستمرار فيها لاحقا، بما يعتبره البعض، نوعا من “الإنقلاب الناعم” على السلطة..
وكانت رئاسة الحكومة، أحالت على مجلس نواب الشعب، خلال الأيام القليلة الماضية، مشروع قانون من ثلاث نقاط، بغاية الحصول على تفويض البرلمان لمدة شهرين، للتمكن من مجابهة فيروس “كورونا” المستجدّ.

“مهام استثنائية”
وينص مشروع القانون الذي أحاله مكتب مجلس النواب على اللجنة البرلمانية المعنية  لتدارسه وتمريره سريعا على الجلسة العامة، المتوقع أن تكون يوم الإثنين أو الثلاثاء المقبل، ينص على مواجهة تداعيات انتشار فيروس “كوفيد 19″، وضمان فعالية أداء المؤسسات الحيوية في عدد من القطاعات، وإصدار مراسيم لتجاوز ما تعتبره رئاسة الحكومة، “التعقيدات” التي تتضمنها اجتماعات البرلمان، من خلال الإجراءات المعقدة التي يعتمدها في دراسة القوانين وإحالتها على الجلسة العامة.
وضبط مشروع القانون، 13 مادّة ستهتم بها الحكومة، خلال فترة التفويض البرلماني / الدستوري، بينها:

ــــ  إنشاء فئة جديدة من المؤسسات والمنشآت العمومية.
ــــ  الالتزامات المدنية والتجارية.
ــــ  إجراءات أمام مختلف المحاكم.
ــــ  ضبط الجرائم والجنح والعقوبات المترتبة عن الأزمة، بما في ذلك الجرائم التي يترتب عنها الحرمان من الحرية.
ــــ  مجال العفو العام.
ــــ  وضع أساس للضرائب والأسهم وأرباح الأسهم، بالإضافة إلى إجراءات سدادها.
ــــ  قروض الدولة والتزاماتها المالية.
ــــ  ضمانات أساسية ستمنح للموظفين العموميين والمدنيين والعسكريين.
ــــ  قوانين المالية.
ــــ  المبادئ الأساسية المتعلقة بالملكية والتعليم والبحث العلمي والثقافة والصحة العامة والبيئة والتخطيط العمراني والحضري، إلى جانب مجالات الطاقة وقانون الشغل والضمان الاجتماعي.
ــــ  تفعيل الاتفاقيات، بما في ذلك عقد اتفاقيات جديدة..
ــــ  تنظيم شؤون العدالة والقضاء.
ــــ  مجال الحريات وحقوق الإنسان.
ــــ  الواجبات الأساسية للمواطنة والعفو العام..

تساؤلات… ومخاوف
وطرحت هذه “المهام الاستثنائية”، تساؤلات عديدة من قبل مراقبين ومتابعين، محورها الرئيسي، علاقة هذه المجالات، بمجابهة فيروس كورونا؟
ويبدو أنّ الفخفاخ، زاد من مخاوف عديد الأحزاب في السلطة، كما المعارضة، باعتبار أنّ عديد المجالات التي اقترحها، في مشروع القانون، المعروف باسم “الفصل 70″، لا تبدو على علاقة بعملية مقاومة الفيروس، بل تندرج (دون الدخول في النوايا)، في توسيع صلاحيات رئاسة الحكومة، التي يخشى من إمكانية إصدارها مراسيم تمس بمؤسسات الدولة، وتنال من الحريات العامة، وتمنح عفوا لآلاف المساجين، بالإضافة إلى إمكانية عقد اتفاقيات ومعاهدات والحصول على قروض من الخارج، تحت هذا العنوان، بما يضع تونس بعد “كورونا” في أزمة حقيقية.
وربما، من حق بعض الجهات الحكومية وغيرها، التساؤل عما إذا كان “اتفاق الأليكا” مع الاتحاد الأوروبي، سيكون ضمن الاتفاقيات المزمع التوقيع عليها بعد الحصول على التفويض؟ وهل يشمل التفويض، إطلاق سراح مساجين بالآلاف؟ وكيف سيقع التصرف في منظومة حقوق الإنسان؟ وإلى أي مدى لن يمس الرجل من الحريات العامة، بداعي الحفاظ على الأمن القومي في مواجهة “كورونا”؟ وما علاقة التعليم العالي والثقافة والبيئة وملف الملكية (الذي قد يحيل على تفعيل قانون المساواة في الإرث) بكورونا؟ وما الذي يبرر إدراج الطاقة والتخطيط العمراني والحضري ضمن مقاومة “كورونا”؟ بل إنّ بعض المنتقدين، وضعوا أيديهم على قلوبهم، فيما يتعلق بإمكانية العفو على المتهربين ضريبيا، في إطار بعض المصالح مع بارونات القطاع الخاص، التي رفعت أصواتها مؤخرا، دون أن تفتح خزائنها للتونسيين، ولدعم جهود الدولة في مقاومة الفيروس (بعيدا عن كلّ شعبوية)؟

الصلاحيات.. لبّ الموضوع
ولا شكّ، أنّ العلاقة المتوترة بين قرطاج والقصبة وباردو، في إطار معركة الصلاحيات والنفوذ، والعلاقة “الخاصة”، التي تربط رئيس الحكومة برئيس الجمهورية، ووجود عدد من الأحزاب من داخل الحكومة ومن خارجها، تدفع باتجاه توسيع دائرة القرار عند رئاسة الحكومة، لــ “تذويب” مجلس نواب الشعب، وتقوية السلطة التنفيذية، ضمن “لعبة” التوازن السياسي والمؤسساتي في البلاد، كل ذلك وغيره، يدفع نحو الشكوك التي عبّر عنها البعض، ويضمرها آخرون، لأسباب سياسية، وستتضح الرؤية بشأنها خلال جلسة مناقشة “الفصل 70”..
حتى وإن أكد الفخفاخ، وطمأن نواب الشعب أمس في البرلمان، بكونه يرغب في التفويض لغاية مجابهة جائحة “كورونا”، فإنّه لم يقنع النواب، الذين ازدادوا ــ ربما ــ خشية من كلمته، خصوصا عندما أشار إلى أنّ 13 مشروع قانون جاهزة لبدء التفعيل والتنفيذ.
معروف حقيقة المعركة التي يريد البعض أن يدفع البلاد باتجاهها، ونعني هنا، سلطة المؤسسة التشريعية، وتحركات رئيسها التي تزعج البعض، وتقضّ مضجع البعض الآخر، ممن لم يستوعبوا أن يكون رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، رئيسا للبرلمان، وثمة حرص واضح لإرباك هذه المؤسسة، من أجل إرباك الرجل، والتقليل من هامش تحركه الداخلي والخارجي.
وإذا وضعنا هذا الأمر، ضمن سياق “التهديدات الإرهابية” التي تحدثنا عنها في بداية المقال، ندرك أنّ الأمر يتعلق بضغوط تمارس على السلطة التشريعية، وعلى حركة النهضة بالذات، من أجل أن تصادق على منح التفويض لرئيس الحكومة، وهو ما تعودت عليه البلاد في اللحظات الحاسمة، سواء عندما تعلق الأمر بقانون العزل السياسي، أو الحوار الوطني، أو التوافقات مع الرئيس الراحل، الباجي قايد السبسي، بشكل جعل تونس خلال السنوات التسع الماضية، تعيش على وقع السياسي / الإرهابي في مسار ما يعرف بالانتقال الديمقراطي..

تغييرات عميقة في بنية السلطة
على أيّة حال، يبقى الجدل السياسي قائما، ويقيننا، أنّ التفويض للسيد رئيس الحكومة، سيرتبط بأحد سيناريوهين:
ـــ إما أن يتم رفض ذلك بوضوح، خصوصا مع اعتماد البرلمان لحزمة من الإجراءات التنظيمية والترتيبية، لقطع الطريق أمام تعلّة الإجراءات البرلمانية المعقدة لتمرير القوانين.
ـــ أو أن يتم التضييق الأقصى في هامش التفويض، وتحديد ذلك بمدة زمنية، قد تكون شهرا على أقصى تقدير، مع التنصيص على أن تكون خلية الأزمة في البرلمان، محددة في مضمون المراسيم المزمع إصدارها من قبل رئاسة الحكومة.
إنها معركة سياسية / دستورية، تتم في مناخ ديمقراطي شفاف، والأمل أن يتوصل جميع الفرقاء السياسيين ورموز الدولة، إلى حلّ للموضوع بطريقة سياسية سلسة، من شأنها تفويت الفرصة على الصيادين في الماء العكرة، من الداخل والخارج، المتربصون بالتجربة التونسية، ومحاولة قطع الطريق أمام تحولها إلى نموذج في المنظقة.
بالتأكيد، على طبقتنا السياسية، أن تدرك أن تونس بعد “كورونا” لن تكون كما كانت قبلها، لا من حيث المشهد السياسي، ولا لغة الخطاب السياسي، ولا أفق العلاقات بين مؤسسات الدولة… إننا مقبلون على تغيرات عميقة في بنية السلطة، والعلاقة بالأفقي والعمودي في صناعة القرار السياسي، والعلاقة بين الحكم والمجتمع، ومستقبل الحكم المحلي والسلطة المحلية، وهو ما يفترض على نخبنا أن ترتفع مجددا إلى هذه اللحظة التاريخية الحاسمة في تاريخ الدولة التونسية.

الوسوم
اظهر المزيد

بقية المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فيسبوكتويتريوتيوبانستغرام