لماذا اعتبر المسلمون “المطعون” شهيدا ؟؟

بقلم / الدكتور محمد الرحموني

 


هناك شبه إجماع لدى المحَدّثين والفقهاء، على أنّ صفة الشهيد، لا تطلق فقط على من قُتل في سبيل الله، بل تشمل أصنافا أخرى من القتلى، عددهم في كتاب الجهاد، لعبد الله بن المبارك، سبعة – سوى المقتول في سبيل الله – وهم على التوالي:

المبطون، والغريق، والمطعون، وصاحب الهدم، وصاحب الحرق، والمرأة تموت بجُمَع (أي تموت مع شيء مجموع فيها غير منفصل عنها من حمل أم بكارة).
وزاد عليهم عبد الرزاق الصنعاني، من يتردى من رؤوس الجبال. وأضاف إليهم ابن أبي شيبة، من تأكله السباع.
وركز ابن بطة العكبري، على قتيل الطاعون، مستندا في ذلك إلى ما رواه أنس بن مالك، عن الرسول صلى الله عليه وسلم، عن عائشة : “قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “الطاعون شهادة لكل مسلم”.
وفسّر المستشرق جولدزيهر Goldziher هذا التوسيع في أصناف الشهداء، بكونه عملا مقصودا من الفقهاء، لتمييع مفهوم الشهادة في إطار كبح جماح الخوارج، الذين كانوا يتهافتون على الاستشهاد، عملا بالآية الحادية عشرة من سورة التوبة: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَى مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ وَٱلْقُرْآنِ﴾ .
ولكننا نرى الأمر على خلاف ذلك، استنادا إلى بعض ما رواه الفقهاء أنفسهم، فقد روى عبد الله بن المبارك، عن أبي بكر بن مريم، قال: حدّثني خالد بن معدان، أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: “الشهداء أمناء الله، قُتلوا أو ماتوا على فُرشهم”. وحدّث عبد الرزاق الصنعاني في باب الشهيد عن مجاهد قال: “كل مؤمن شهيد”. ومن هنا، فإنّ كل مسلم يموت هو خسارة للأمة، فما بالك إذا مات “قبل أجله” بفعل طوفان أو وباء أو زلزال..الخ. والجدير بالذكر في هذا المجال أنّ أحد الدارسين، ربط بين موت الصحابي والقائد العسكري، أبي عبيدة بن الجراح بالطاعون، واعتبارِ المطعون شهيدا. فقد رُوي أنّ أبا عبيدة بن الجراح أدركه الطاعون في عِمَواس سنة 17 هجرية، فطلب منه الخليفة عمر بن الخطاب النجاة بنفسه، فرفض وأصرّ على البقاء مع جنوده، حتى فني معهم بالطاعون. وبذلك قدّم مثالا للمسلم النموذجي، الذي يضحي بنفسه حبّا في الإسلام والمسلمين. وبذلك يكون المسلم مجاهدا على الدوام وشهيدا بالقوة.

 

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق