وزراء “النهضة” في مواجهة الملفات الاجتماعية: خيار نهضوي.. أم “فخ” من قبل الفخفاخ ؟


بقلم / صالح عطية

حازت حركة النهضة، على 8 وزارات في حكومة المكلف بالتشكيل، إلياس الفخفاخ التي أعلن عنها أمس عقب اجتماعه برئيس الجمهورية.
وتمكنت حركة النهضة، من تحسين تمثيليتها في الحكومة المقترحة، دون أن تنجح في “فرض” رأيها وموقفها من حقائب وتسميات عديدة، في مقدمتها، وزارة الداخلية (هشام المشيشي)، الذي تمسك به الفخفاخ، بضغط من رئاسة الجمهورية، المرشحة لهذا الشخصية، ويوسف الشاهد، الذي ساند ترشيحه لهذه الحقيبة، لقطع الطريق أمام حركة النهضة، التي رغبت في ترشيح أحد الاسمين: منير الكسيكسي، أو عبد الرحمان الحاج علي..
خرجت حركة النهضة، من مسار التشكيل الحكومي، “لا رابحة ولا خاسرة”، بمنطق المواقع في هذه الحكومة، رغم توفرها على 8 حقائب، لكنها نجحت ــ في تقديرنا ــ في تفويت الفرصة على عديد المغامرين ممن كانوا يرغبون في تفكيك المسار السياسي الحالي، والقفز على مخرجات الانتخابات التشريعية الماضية، وربما تكون قد أرجعت الجميع إلى مربع “توازن الضعف” الذي بات يتحكم في المشهد بشكل واضح وجليّ..

خريطة الحقائب
مردّ حالة “لا رابح لا خاسر” بالنسبة لحركة الهضة، ومن خلال خريطة الحقائب الوزارية التي حصلت عليها، هو هذا “الحضور الاجتماعي”، فجميع الوزارات على تماسّ واضح مع الملفات الاجتماعية، ولسنا ندري، هل كان هذا بطلب منها، أم أنّ ذلك بمقترح من إلياس الفخفاخ ؟؟
في الحالة الأولى، تكون “النهضة” قد اختارت التحدّي، رغم صعوبة المهمة، وفي الحالة الثانية، يكون الأمر خيارا “ملغوما” بكل معنى الكلمة..
فوزارات مثل النقل واللوجيستيك (أنور معروف)، والصحة العمومية (عبد اللطيف المكي)، والتجهيز والإسكان (منصف السليتي)، والشؤون الاجتماعية (الحبيب كشو)، من الوزارات الأكثر حساسية، لأنها تتصل بالمواطنين ومشاغلهم اليومية، والملفات المطروحة في هذه الوزارات، ليست من النوع الهيّن، فالمشكلات التي هزت المجتمع التونسي، وما تزال، خلال الفترة الماضية، تتصل بمشكلات النقل العمومي بجميع تمظهراته، والنقل الجوي وإشكالياته المالية والإدارية، في علاقة بملف الخطوط التونسية، إلى جانب مشكلات الصحة العمومية وملفات موت الرضع، وأوضاع المستشفيات العمومية، واللوجستيك الطبي وغيرها، بالإضافة إلى ملفات التجهيز والإسكان، ومن بينها وضعية الطرقات، والصفقات العمومية في مجال البنية الأساسية والسدود والمحولات وغيرها من لوجستيك النقل.
فيما تمثل أوضاع الفقر ومجانية العلاج، وأوضاع الصناديق الاجتماعية، وديوان التونسيين بالخارج، وغيرها، من بين أبرز الملفات العويصة التي تنتظر وزير الشؤون الاجتماعية، الحبيب الكشو.
يضاف إلى ذلك، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، التي سيجد وزيرها، سليم شورى، أمامه منذ اللحظة الأولى، اعتصاما مستمرا منذ عدّة أشهر لاتحاد الأساتذة الجامعيين الباحثين التونسيين (إجابة)، الموجودين في خيام على قارعة الطريق منذ بداية السنة الجامعية، إلى جانب وضعية الجامعات التونسية، المتدنية في ترتيبها العالمي، وحتى العربي، ومستوى الخريجين التونسيين، ومستوى الشهادة التونسية، ومستقبل الأساتذة المعطّلين عن العمل، وإعادة هيكلة الجامعات، التي تتولى الإشراف عليها أسماء تتباين ثقافيا وسياسيا مع حركة النهضة، وستعمل على عدم جعل إقامة الوزير الجديد، مريحة في الوزارة..

وزارة “سياسية”
ولا شكّ أنّ وزارة الشؤون المحلية، لا تقلّ مشكلات عن بقية الوزارات المذكورة.. فالأزمة التي تعاني منها البلديات منذ انتخابها قبل عدّة أشهر، والعطل الذي تعيشه، بل الصراع الذي تعاني منه في علاقة بالإدارة العميقة، والقوانين الضاغطة على صلاحيات رؤساء البلديات، التي تمنعهم من إنجاز أي مشروع، فضلا عن تصحيح الأوضاع القديمة البالية، سيجعل وزير الشؤون المحلية، لطفي زيتون، أمام مهمة معقّدة، ويبدو أن دوره سيكون سياسيا بالأساس، بحكم أنّ المعضلة في البلديات، تحتاج إلى توافقات سياسية، وإعادة تركيب العلاقات داخل الهيئات المحلية، فضلا عن تغيير القوانين، التي تمنع البلديات من صلاحية المبادرة، بعيدا عن بيروقراطية الإدارة التونسية المتكلّسة. ويبدو أن الإختيار على لطفي زيتون، يصبّ في هذا الاتجاه، باعتبار أن الرجل معروف بقدرته على صياغة التوافقات في هدوء تام، ونزوعه لرؤية طويلة المدى، ومقاربته التي تراهن على “التجميع”، أكثر من التفريق والصراع.

وزارات “المواجهة”
وفيما يتعلق بوزارة الفلاحة، يمكن القول، أنّ أسامة الخريجي، سيجد نفسه في مواجهة مشكلات ديون الفلاحين، وأوضاع الفلاحة التونسية، ومشكلات التخزين، والأزمة المتوقعة في قطاع الحبوب، أمام شحّ الأمطار إلى حدّ الآن، ومعضلات التسويق للمنتجات الفلاحية، ومشكلة اللوبيات التي عششت في القطاع، وأدّت إلى ارتفاع متضخم في أسعار المنتجات الفلاحية، وغيرها من القضايا الهيكلية، التي قد يكتشف الوزير الجديد، “ألغاما” أخرى، مزروعة في الوزارة، بعد ما يسميه البعض بــ “السنوات العجاف” لفترة وزارة سمير بالطيب.
صحيح أنّ الوزير الجديد، ابن القطاع الفلاحي، والقريب من محيط الفلاحين، والرجل الذي يعرف تفاصيل الملف، وبالتأكيد سيجد دعما من قبل اتحاد الفلاحين، الذي ينتمي إليه، والذي يعرف رجاله ومسؤوليه بشكل جيّد، بما يجعله يختصر المسافات..
تبقى وزارة الشباب والرياضة، التي تولاها السيد، أحمد قعلول، المعروف بعلاقته بالوزارة وهياكلها ومعرفته بالرياضة وتفاصيلها، لكنّ ذلك سوف لن يجعله يتحرك على سجّاد أحمر ناعم، فأكثر من ملف فساد مطروح في هذه الوزارة، والعلاقات بين الهياكل الرياضية متفاقم، والقوانين تحتاج إلى تعديلات جوهرية، وتمويل الرياضة، من المشكلات الأساسية، وأزمة الرياضات الفردية، بمثابة “القنبلة الموقوتة”، كل ذلك وغيره، يجعل قعلول، في مهمة صعبة، رغم ما توفر لديه من اطلاع على الملفات، خلال الأعوام الماضية، عندما تولى كتابة الدولة للرياضة.
يشار في هذا السياق، إلى أنّ جميع هذه الوزارات، على تماسّ واضح مع اتحاد الشغل، ونقابات أخرى قوية، على غرار الكنفدرالية العامة للشغل، والمنظمة التونسية للشغل، واتحاد العمال، بما يجعل مهمة هؤلاء الوزراء، أكثر من معقدة..

فهل اختارت “حركة النهضة” أن تواجه هذه المشكلات على صعوبتها، إذا ما كانت هي من اختارت هذه الحقائب، أم أنّ إلياس الفخفاخ، وضع وزراءها أمام هذه “الفخاخ”، من أجل توريطها سياسيا وشعبيا، من خلال مواجهتها مع الشعب التونسي، وبخاصة الفئات الهشة والمسحوقة، والملفات المعقّدة ؟؟
بالطبع، نقول هذا بعيدا عن عقلية الشيطنة أو المؤامرة، ففي السياسة توريط الخصوم سياسيا وشعبيا، من بين الطرق لإضعافهم، وهرسلة رصيدهم السياسي والانتخابي، خصوصا إذا ما وضعنا بعين الاعتبار، الطموح الجارف للسيد إلياس الفخفاخ، وتوظيفه للمساندة الرئاسية، ربما كأداة لقصر قرطاج، لتحجيم “الصديق اللدود” للرئاسة، وهي حركة النهضة، وفق بعض التقديرات..    

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق