تونس ودبلوماسيتها المتعثرة

    بقلم: مهدي مبروك
                       منذ صعود قيس سعيد إلى الرئاسة التونسية، تتالت العثرات الدبلوماسية، مشوبة بأخطاء                                 جسيمة، لم تتعود عليها البلاد التي انتهجت، منذ استقلالها في 1956، دبلوماسية هادئة، لا تثير صخباً ولا جلبة، حتى لا يكاد ينتبه إليها أحد. كان الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة قد اختار مند الاستقلال نوعاً من الدبلوماسية الوديعة التي لا تصطدم مع أحد، أملاً في إرضاء الجميع… اختار أن يدافع عن الشرعية الدولية، ويتحصن بها، ويجعلها شبكة قراءته الوحيدة للأحداث الدولية، حتى يتجنب الاصطدام مع القوى العظمى، متجنباً، في الوقت نفسه، الانحياز إلى طرف، من دون آخر في قضايا الاستقطابات الحادّة.

كان الخطاب الدبلوماسي التونسي الذي تردّده السلطات التونسية، في بيانات وتصريحات وزارة الخارجية، أو سفرائها، بروتوكولياً، مغرقاً في لغة فضفاضة في مواقع كثيرة. عولت تونس في أزماتٍ كثيرة مرت بها على كواليس ما تنسجه من علاقات وراء الركح (المسرح) مع أصدقائها وحلفائها، كما هو الحال في الأزمات الداخلية أو الخارجية التي مرت بها: أحداث قفصة سنة 1980 التي تسللت فيها مجموعات عسكرية من التراب الجزائري، بدعم ليبي الى مدينة قفصة، أحداث مظاهرات الخبز 1984، قصف إسرائيل مدينة حمام الشط في ضواحي العاصمة في 1985.
بعد الثورة، تأثرت الدبلوماسية التونسية بميول الرؤساء وهواهم السياسي. ولكنها ظلت عموماً وفية لتقاليدها، ما عدا بعض الخروج النسبي عن تلك “الثوابت” في تصريحات الرئيس الأسبق، المنصف المرزوقي، تجاه دولٍ قدّر أنها معادية لتونس وللثورات العربية. وكانت له مواقفه الحادّة وتصريحاته القطعية تجاه الإمارات ومصر، لسجن الرئيس محمد مرسي مثلاً، .. إلخ. ومع مجيء الباجي قائد السبسي، رحمه الله، حاول إعادة المياه الى مجاريها مع تلك الدول، ولكن يبدو أنها اشترطت عليه مقابل ذلك القضاء على الإسلاميين، وهو ما رفضه، وذلك ما يُحسب له، غير أن الرجل تجنب التصريحات، وعادت الدبلوماسية معه إلى صمتها.
بعد رحيل الباجي، خاض الرئيس قيس سعيد حملته الانتخابية من دون أن يفصح عن نيات سياسته الخارجية، وقد تجنب الإفصاح برأيه بشأن قضايا إقليمية ودولية، ما عدا واحدة اختار فيها أن يكون صريحاً وجريئاً، حين اتهم كل أشكال التطبيع بالخيانة العظمى، معرباً عن انحيازه المطلق للقضية الفلسطينية. وبشأن النزاع الذي تشهده ليبيا، دعا إلى حوار ليبيي ليبي، متجنباً مثلاً إدانة أي طرف داخلي أو خارجي.
لاذ الرئيس بالصمت أسابيع عديدة، على الرغم من حدّة ما يجري إقليمياً ودولياً. كانت أولى زياراته إلى الخارج إلى مسقط، للتعزية في السلطان قابوس. وأول رئيس أجنبي استقبله كان التركي، أردوغان، على خلفية الملف الليبي. ولا يعرف أحد ما دار بينهما. ويبدو أن التصريحات المتناقضة التي تبعت زيارة أردوغان تونس عمقت مساحة الشك والالتباس، فقد أصدرت رئاسة الجمهورية تكذيباً عما ورد على لسان المكلفة بالإعلام في الرئاسة. وكان أول وزراء الخارجية الذين استقبلهم وزيري خارجية الإمارات عبد الله بن زايد والسعودية فيصل بن فرحان. وقد وجهت إلى الرئيس قيس سعيد عدة دعوات لزيارة بلدان ومنتديات، وتعلل بأعذار شتى في عدم تلبيتها، فقد اعتذر عن زيارة منتديي روما ودافوس، ولم يقدّم أسباباً مقنعة، ما عدا حرصه على متابعة مداولات تشكيل الحكومة، وسط حيرة عميقة أبدتها الطبقة السياسية، إذ لم يحدث أن تغيبت تونس، منذ الثورة، عن حضور مثل هذه المناسبات، لارتباط مصالحها بمثل هذه المنتديات الدولية المهمة، والتي تقع في مجالها الحيوي. كما أن الرئيس غاب عن قمة الاتحاد الافريقي قبل أقل من أسبوع في أديس أبابا، وقد تزامن ذلك مع نزلة خفيفة أصابته، حسب بيان رئاسي، هي السبب وألزمته الفراش.
المفارقة البارزة أن ذلك يحدث، والرئيس سعيد أحاط ديوانه بشخصيات قادمة من مسار مهني ديبلوماسي. ولكن على خلاف كل التوقعات، تواترت أخطاء فادحة، مثل ما صدر أخيراً على إثر إقالة سفير تونس لدى الأمم المتحدة، منصف البعتي، بعد تقديم مشروع قرارٍ يدين صفقة القرن، فبحسب الرئاسة، ارتكب السفير “خطأ مهنياً جسيماً تمثل في توزيع وثيقة تتعلق بصفقة القرن دون التنسيق والتشاور مع وزارة الشؤون الخارجية ومع رئاسة الجمهورية”. وزاد الأمر حيرة، بعد بيان ثانٍ، خلا من أي ديبلوماسية، حين بلغ الأمر الإيحاء باستقواء السفير بدوائر خارجية، ما جعله على حافّة الخيانة العظمى.
لم يستفق الرأي العام من الصدمة، حتى صرح الأمين العام لاتحاد المغرب العربي، التونسي الطيب البكوش، “إن إقالة مندوب تونس لدى مجلس الأمن، منصف البعتي، بتلك الشاكلة، يعد أمراً كارثياً”. وأفاد بأن الرئيس قيس سعيّد إذا ما حاول إقالته، فإنه “سيضر بنفسه وبصورة البلاد”. جاء الرجل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سمعة الدبلوماسية التونسية، فنسف ما تبقى منها.
تحتاج الدول إلى تجديد عقيدتها الديبلوماسية، خصوصاً في ظل متغيرات وطنية ودولية كبرى تحفّ بها، وهذا ما ينطبق تماماً مع تونس.

المصدر: موقع “العربي الجديد”

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق