رسالة إلى السيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد


بقلم / محسن النابتي*

 

السيد قيس سعيد رئيس الجمهورية… تحية وبعد،

أكتب هذه الرسالة لا رغبة في مخاطبة حاكم ولا طلبا لسلطة أو جاه، ولكن أكتبها من باب الواجب الوطني تجاه بلدي وشعبي، ومن باب الحرص على قيم ومثل عليا أؤمن بها، كنت قد عبرت عن الكثير منها في حملتك الانتخابية.

سيدي الرئيس لقد كانت جملة “التطبيع خيانة عظمى” ذات مفعول سحري أثناء حملتك الانتخابية أكثر بكثير من “التأسيس الجديد” و”الشعب يريد”، ببساطة لأنها الجملة الوحيدة المكثفة التي عبرت عما يريده الشعب، وعن ماهية التأسيس الجديد، الذي أراده الشعب بعد 14 جانفي 2011 ولكن قدر الله وما شاء فعل.
لا أخفيك سيد الرئيس، أنه برغم ما يساورني من شك حولك وحول محيطك، ولكني أنطلق من حسن النية ومن قناعة راسخة، بصدق ما تقوله، ولو أعوزتك الرؤية السياسية، ومن دون إطالة، فإن شعارك حول الكيان الصهيوني، إما أن يتحول إلى فعل سياسي حقيقي،  وبذلك ستتغير المعادلات في تونس رأسا على عقب في كل المجالات، وإما أن يتحول إلى نكتة سياسية تنهي مسيرتك السياسية قبل أن تبدأ، وتطيح بقيمة سياسية وأخلاقية يتمسك بها الشعب التونسي، والأغلبية الساحقة من أبناء الأمة العربية وأحرار العالم.

سيدي الرئيس قيس سعيد، إن الكيان الصهيوني ليس مجرد دولة استعمارية عادية ولا حتى مجرد مجموعة استيطانية، على غرار ما كان قائما في جنوب إفريقيا، وإنما فوق هذا، هو كيان وظيفي وكلب حراسة لمصالح دول المركز الرأسمالي، واللوبي الصهيوني، قوة فعالة ومحددة في سياسات دول الهيمنة وأذرعها المالية والاقتصادية والإعلامية والثقافية والعسكرية، وهذه الدول تقوم سياساتها على قاعدة من ليس معي فهو ضدي.
إذن أردت القول أن الموقف من الحركة الصهيونية وكيانها المسمى “إسرائيل”، لا يمكن أن يكون موقف سياسي أو أخلاقي معزول عن كل المنظومة الاستعمارية والهيمنية في العالم، ولذلك لم يعاد ليبرالي أو رأسمالي في العالم الكيان الصهيوني، بل كل من وقفوا ضده من دول وقوى هم من الرافضين للهيمنة والرأسمالية العالمية وأدواتها وسياساتها،  فليس صدفة أن ترفضه فنزويلا شافيز وكوبا كاسترو… وليس صدفة أن تعادي الكيان الصهيوني كل الحركات السياسية والاجتماعية، وحتى المفكرين الرافضين للامبريالية.
وعليه فإنّ موقفك وإن كان ينطلق من إدراك كامل لطبيعة الكيان الصهيوني ودوره في استمرار العدوان الامبريالي على الشعوب، عسكريا واقتصاديا وثقافيا، فهذا سيترتب عليه الكثير بالنسبة لتونس.

ولذلك يتوجب عليك إن كنت صادقا فيما تقول، أن تدرك أن الموقف يترتب عليه انقلاب استراتيجي كبير في كل ما يتعلق بالدولة التونسية، بدءا من اقتصادها وبموقعها في الخارطة الدولية وثقافتها وجيشها، إلى غير ذلك، نظرا لارتباطات الدولة التونسية منذ الاستقلال وطبيعة اقتصادها وعقيدتها العسكرية والدبلوماسية، وهذا يتطلب خطة استراتيجية ضرورية، تسمى خطة تهيئة المسرح الاستراتيجي للتحول.
تهيئة المسرح الاستراتيجي في حالتنا، أمرا ليس هيّنا، ولكنّه غير مستحيل، فقط يتطلب دراسة نقاط الضعف والقوة والفرص والمخاطر بشكل دقيق، وهذه الخطة تكون متوسطة المدى، يتم فيها أساسا تنويع العلاقات الاقتصادية، وإقامة شراكات مع قوى اقتصادية دولية وإقليمية، لا تفرض موقفا سياسيا بعينه، داخليا وخارجيا على شركائها، على عكس الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، وهذا يتطلب جهدا دبلوماسيا كبيرا، لأنه في الوطن العربي، التدخل الاستعماري يتخذ حالة استثنائية، من خلال وجود الكيان الصهيوني في قلبه، كأداة وظيفية رئيسية لخدمة مصالح رأس المال الأمريكي، وهو ما يمثل عبئا يضاف إلى الوسائل التقليدية المستعملة في إخضاع الدول واختراقها والسيطرة عليها، مثل الحصار والتخريب الاقتصادي، وسياسة التجويع والإقراض والوصاية المالية والدعاية الموجهة عن طريق وسائل الإعلام الكبرى المرتبطة بأجندة واشنطن.
فشراسة وثقل التدخلات الخارجية في الوطن العربي، التي تفوق كثيرا ما يحصل منها في بقية العالم، يرجع إلى موقعه الاستراتيجي في قلب العالم، وللاحتضان الشامل من طرف القوى الاستعمارية للمشروع الصهيوني، الذي يشكل احتلاله لفلسطين رأس الجسر لإدامة مشروع الهيمنة على الوطن العربي وثرواته، وهو ما يجعل القضية الفلسطينية في قلب المشروع الوطني السيادي لكل دولة في العالم، وفي المحور من الاشتباك الاستراتيجي مع قوى الهيمنة ووكلاءها المحليين، الذين يلعبون معا دورا أساسيا في إعادة إنتاج التخلف، والاستغلال والفقر والبطالة… سيدي الرئيس.

كما يتطلب الأمر سيادة الرئيس، توحيد البيئة الداخلية، أو على الأقل حشد أكثر ما يمكن من القوى السياسية والاجتماعية والثقافية صاحبة المصلحة في تغيير طبيعة الاقتصاد التونسي، والتخلص من التبعية الاقتصادية، وكذلك التنبه الشديد للقوى السياسية الليبرالية، من إخوان وحداثويين وشبكة المصالح المرتبطة بمنظومة الهيمنة والاستعمار ونفوذهم، لأنه سيدي الرئيس أحد السمات لكل دول العالم الثالث، والدول التي فرض عليها الاستعمار تاريخيا، هو وجود الطبقة الرأسمالية الطفيلية، فهذه الدول، ومن بينها تونس، تدور في فلك النظام الرأسمالي العالمي، وتحكمها فئات تتبنى الإيديولوجية الليبرالية “الرأسمالية”، ولكنها ليست بلدانا رأسمالية بالمعنى الكامل، نظرا لنشأة هذه الطبقات، كفئات تابعة ووكيلة بالأساس عند الشركات متعددة الجنسيات، فهي على عكس رأسمالية دول المركز، غير منتجة وغير مدّخرة، فهي طبقة استهلاكية بالأساس، والأهم أن رأسمالية المركز، بنت قوتها الاقتصادية ثم اعتمدت عليها للاستيلاء على السلطة، في حين أن الرأسمالية الطفيلية ومجموعات المصالح في تونس وفي غيرها، من دول الأطراف تستولي على السلطة، ومن ثمّ تستخدمها لبناء قوتها الاقتصادية على حساب الشعب ومصالحه، وعادة ما تحكم بقوى وأحزاب تقبل العمل عندها، وتحمي مصالحها ومصالح قوى الهيمنة.

فمنظومة النهب والهيمنة الاستعمارية، عمدت في هذه الدول المستهدفة، إلى تكوين مجموعة من العائلات الثرية ذات نفوذ اقتصادي وسياسي في هذه الدول، وقامت بإرساء نخب تشكل امتدادا للنخبة الاقتصادية والمالية الأمريكية، من خلال اعتناقها نفس الأفكار والأهداف والمبادئ الليبرالية، وللأسف جلّهم يتصدرون المشهد السياسي اليوم في تونس، وقد ساهمت بعلمك أو بدونه بتفقيم دورهم من خلال رئيس حكومة تصريف الأعمال، يوسف الشاهد وخاصة بتعيينك لالياس الفخفاخ.. وبحيث ترتبط سعادة ورفاهية هذه الطبقة من الأثرياء، وهيمنة هذه النخب ومصالحها بالتبعية طويلة الأمد للولايات المتحدة ودول المركز الرأسمالي.
وقد قامت الرأسمالية الأمريكية، سيدي الرئيس لعلمك وعلم القائمين على الأمن القومي التونسي معك، بتطويع اللغة، لتغليف استراتيجيتها في النهب الاقتصادي، وذلك باستخدام مفاهيم مثل “تحرير التجارة”، و”الإصلاح الهيكلي”، والمطالبة بخصخصة الصحة والتعليم وخدمات المياه والكهرباء، وتفكيك القطاع العام، وإلغاء جميع القيود التجارية والجمركية التي تحمي الاقتصاديات الوطنية.
وهكذا يرتبط النهب الاقتصادي واستراتيجيا الهيمنة على المستوى الدولي، بالاستغلال الطبقي والفساد على المستوى الوطني الداخلي، ولذلك فلا بديل عن مواجهة شبكة المصالح الداخلية، إذا كنت صادقا في مواجهتها خارجيا.

ودائما اقتصاديا، فأنك تتحدث عن استمرار دور الدولة، وهذا سيد الرئيس على النقيض تماما مما تريده قوى الهيمنة، وهو موقف إن كنت مدركا أبعاده أيضا، يضعنا في مواجهة القوى الاستعمارية وأدواتها، وفي القلب منهم الحركة الصهيونية، وهذا يتطلب إطلاق مشروع التنمية المستقلة القائمة على تعبئة المواد الداخلية، وبناء اقتصاد متين، ومتمحور على ذاته في شراكات متكافئة إقليمية وعالمية، ليكون ضمانة لسيادة القرار الوطني، فلا تتصور سيدي الرئيس، أن المساعدات الأمريكية والأوروبية، ولا قروض صندوق النقد الدولي ستستمر، ونحن نرفض الاعتراف بالكيان الصهيوني، وندعم دور الدولة، فالتنمية المستقلة هي في الأساس الامتداد الطبيعي للنضال الوطني، بهدف تحقيق التحرر الاقتصادي والاجتماعي، ولتكون التنمية مستقلة وجب الاعتماد على النفس، بديلا عن المعونات والقروض الأجنبية، وهي التنمية المتمحورة حول الذات، بديلا عن الانشطار الاقتصادي بين شطر تقليدي بدائي، وشطر مرتبط بالشركات متعددة الجنسيات، والتنمية المستقلة هي الوفاء للحاجيات الأساسية للأغلبية، بديلا عن ثراء الأقلية، وهي السيادة على المقدرات والثروات أو يمكن أن نسميه التنمية البيئية، بديلا عن نهب الموارد الطبيعية لشعبنا، والتنمية المستقلة هي المشاركة الشعبية أو الديمقراطية التشاركية، في مواجهة الاستبداد والديمقراطية الليبرالية الشكلية، وهي بناء قاعدة وطنية تكنولوجية ملائمة، في مواجهة احتكار التكنولوجيا، وهي التطور والتجدد الحضاري، بديلا عن الجمود الرجعي والسلخ الحضاري، الذي تمارسه القوى الامبريالية، وهذا الأمر من جوهر المواجهة مع المشروع الصهيوني، إن كنت فعلا تعتبر التعامل معه خيانة عظمى.

ويتطلب أيضا، تغيير في العقيدة الدبلوماسية في اتجاه تنويع العلاقات، وإرساء بدائل تحمي الدولة التونسية، وسيادتها ومواقفها من كل ضغط. وكذلك سيدي الرئيس، جيشنا الوطني مرتبط تدريبا وتسليحا بالاتحاد الأوروبي وأمريكا،  فإذا كنت صادقا وجادّا فيما تقول، فلا خيار أمامك إلا الشروع في البحث عن تنويع مصادر السلاح وشراكات إقليمية ودولية للتدريب والتعاون العسكري، وهذا ممكن الآن في ظل التنافس الدولي، فحتى أهم شركاء أمريكا، ومنهم عملاء لها، بدأوا في إرساء شراكات عسكرية بديلة، أو حتى احتياطية، على غرار تركيا والسعودية وغيرهما، وإرساء نواة تصنيع عسكري، وإعطاء دور اقتصادي للجيش، وأنت الآن القائد الأعلى له.
وهذا لا يعني سيد الرئيس، أنه لا يتوجب علينا اتخاذ مواقف من القضية الفلسطينية، حتى تحقيق كل هذا، ولكن وجب تطابق الأهداف والإمكانيات، وتطوير الموقف بالتقدم في تهيئة المسرح الاستراتيجي داخليا وخارجيا للتحول الكبير، ويمكن أن نبدأ بحركة دبلوماسية كبيرة لحشد الدعم للقضية الفلسطينية، ومتابعة العدو الصهيوني على جرائمه في تونس، وآخرها الاعتداء على سيادتنا، وقتل مواطن تونسي على أرضه وأمام بيته،  وهو الشهيد محمد الزواري، إلى التقدم باستفتاء شعبي، يخص تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني، فالديمقراطية والمشاركة الشعبية الواسعة، نقطة قوة بأيدينا في المواجهة…

أما عكس كل هذا، فستكون مهزلة سيد الرئيس، ستدفع أنت ونحن سويّا، الثمن، والأخطر هو انهيار هذه القيم النبيلة في العقول والقلوب، جراء فشلك وتفشي الشعور العام بالإحباط والهزيمة، وجراء مهزلتها من قبل أعدائها في الداخل والخارج.

* قيادي في حزب “التيار الشعبي”

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق