أهم الأحداثالمشهد السياسيوطنية

تجاذبات “اتصالية” بين الجملي وسعيّد: الحكومة في مهبّ شخصية محورية في الحكم.. و”النهضة” تستفيق متأخرة

تونس ــ الرأي الجديد / صالح عطية

مرة أخرى، تخرج علينا الطبقة السياسية الحاكمة، بخطإ اتصالي جديد، لا يعكس قدرا من العمل غير المحترف فحسب، بقدر ما يترجم عن وجود إشكال سياسي في علاقة رئيس الحكومة المكلف، الحبيب الجملي، برئاسة الجمهورية، على خلفية التشكيل الحكومي المرتقب.

فالسيد الحبيب الجملي، صرح خلال المؤتمر الصحفي، بأنّه انتهى من وضع التركيبة النهائية للحكومة، وأودعها لدى رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، قائلا: “اتفقنا على أن يتولى الرئيس قيس سعيّد، تقديمها إلى رئيس مجلس النواب، لتحديد جلسة برلمانية لمنح الثقة للحكومة”.
ويبدو أنّ رئاسة الجمهورية، انزعجت من هذا التصريح، على اعتبار أنّ خلافا حقيقيا حصل بين الرجلين، بشأن تركيبة الحكومة، وسط معلومات تتحدث عن تحفظات أبلغها قيس سعيّد لرئيس الحكومة المكلف، بخصوص بعض الحقائب التي اعتبرها “غير مقنعة، ولا تستجيب للمرحلة ومقتضياتها”، وتم الاتفاق بين الطرفين على استمرار التشاور مع جميع الأطراف.
ووفق بعض التسريبات التي وصلت “الرأي الجديد”، فإنّ رئاسة الجمهورية، رأت في تصريحات الجملي هذه، محاولة لوضع رئاسة الجمهورية، “أمام الأمر الواقع”، من خلال حشرها في الزاوية، وإجبارها على التسريع بتمرير الحكومة إلى رئاسة مجلس نواب الشعب.
ولعلّ ما زاد الطين بلّة ــ كما يقال ــ تصريح الجملي، بأنّه لم يأت للرئاسة للإعلان عن التركيبة النهائية للحكومة، وأنّه “لا وجود لمن استشاره حول فحوى المؤتمر الصحفي”، فيما كانت رشيدة النيفر، المستشارة الإعلامية لدى رئيس الجمهورية، قد استدعت الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، تحت عنوان : “الإعلان عن تركيبة الحكومة”، بما يفسّر، قدوم جهات إعلامية عديدة لحضور المؤتمر الصحفي، بل إنّ بعض القنوات كانت استعدّت لتنظيم بلاتوهات لتحليل التشكيلة الحكومية، قبل أن تفاجأ بوجود تأجيل مبطّن، ومجرد تعبيرات، تعود الصحفيون السماع إليها من قبل رئيس الحكومة المكلف..
ووفق المعلومات التي بلغت لدينا، فإنّ رئاسة الجمهورية، انزعجت من هذا السلوك، واعتبرت أنّ من الضروري، الإعلان عن ذلك في بلاغ صحفي مقتضب، لتوضيح الصورة في أوساط الإعلاميين والرأي العام.
وكان البلاغ الرئاسي، أشار إلى أنّ اللقاء بين رئيس الحكومة المكلف ورئيس الجمهورية، “تناول آخر المستجدات في مسار تشكيل الحكومة الجديدة”.
وأوضح البلاغ في ذات السياق، أنّه كان من المنتظر، “أن تخصّص الندوة الصحفية التي أعقبت اللقاء، لتقديم تركيبة الحكومة الجديدة، لكن تمّ اختيار مواصلة المشاورات”، وهو ترجمة حقيقية لما حصل في القصر الرئاسي بين الرجلين..
وأردف البلاغ الرئاسي، بأنّ “الإعلان عن تشكيل الحكومة، سيتمّ في أقرب الآجال”، وفق نص البلاغ، بما يؤكد وجود اختلاف على مضمون التشكيل الحكومي.
وعلمت “الرأي الجديد” من مصادر موثوقة، أنّ الاختلاف بين رئيس الحكومة المكلف، ورئيس الجمهورية، تمحور حول عدّة حقائب وزارية، بينها الخارجية والدفاع والتربية والتعليم العالي والعدل.
وعندما وصل الخلاف بين الرجلين مداه، أشار رئيس الجمهورية، إلى ضرورة استمرار المشاورات، قاطعا بذلك الطريق أمام تسرع ممكن في الإعلان عن تركيبة الحكومة.
والسؤال المطروح في هذا السياق، هو: لماذا أصرّ الحبيب الجملي على إجبار رئاسة الجمهورية، على الإعلان عن التركيبة يوم غد الخميس؟
وفق المعلومات التي حصلت لدينا، فإنّ رئيس الحكومة المكلف، أراد أن ينهي موضوع التشكيل، بعد أن قضى الساعات الماضية، بين ليلة أمس واليوم، في مخاض عسير مع رئيس حركة النهضة، الذي لم يقبل ببعض الأسماء صلب التشكيل الحكومي، واقترح على الجملي، بعض الأسماء، دون أن يعثر عليها في القائمة المقترحة عليه..
وحسب ذات المصادر، فإنّ مسئولا رفيع المستوى في حكومة تصريف الأعمال، دخل على خطّ الحبيب الجملي وفريقه الاستشاري، واستطاع أن يؤثر على مسار المشاورات، باتجاه إحالتها على مأزق حقيقي، ينتهي التشكيل بموجبه، إلى رئاسة الجمهورية التي تتولى التكليف من جديد، وفقا للفقرة الثانية من الفصل 89 من الدستور، بما يجعل حركة النهضة في حلّ من أي علاقة بالحكومة وتركيبتها..
ويبدو أنّ حركة النهضة، تفطّنت لهذا السيناريو، وبلغتها الأنباء بشكل متأخر، عن هذه الشخصية المحورية في حكومة تصريف الأعمال، وسارعت بالتالي، لحسم الموقف مع رئيس الحكومة المكلف، الذي يبدو أنّه لم يستوعب تطورات الموقف، ودخل في تباينات مع رئيس حركة النهضة، وحاول بالتالي، نقل الخلاف إلى ما بين رئيس الجمهورية ورئيس حركة النهضة، بشأن تفاصيل التركيبة النهائية للحكومة.
ورغم تظاهره بتماسك موقفه، وابتسامته خلال المؤتمر الصحفي، إلا أنّه كان شديد التوتر، وفق بعض المقربين منه، بعد أن وصل إلى ما يشبه “عنق الزجاجة” مع رئيس الجمهورية، وقبلها مع زعيم “النهضة”، راشد الغنوشي..
بالتأكيد، ثمّة مياه تحتية تجري وسط المشاورات الخاصة بتشكيل الحكومة، وسط تجاذبات وصراعات حقيقية، حول تمريرها إلى البرلمان، ونيل ثقة 109 من النواب، كثيرا ما صرّح الغنوشي، أنهم جاهزون لمنحها الثقة، أو إحالتها على القصر الرئاسي، في سياق سحب البساط من تحت أقدام حركة النهضة، حتى تفقد دورها ــ دستوريا ــ في عملية التشكيل، بما يعنيه ذلك، من تغيير للمشهد السياسي والبرلماني برمته، وهو ما تفطّن إليه “الشيخ” بصفة متأخرة، وتحرّك ليمنع هذا السيناريو، الذي لا يحبّذه رئيس الجمهورية، دون أن يكون على توافق مع الغنوشي حول هذا الموضوع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى