الباجي قايد السبسي.. “الديناصور” الساحر

بقلم / صالح عطية

1

المحاماة، مهنة لتطويع القانون،
والسياسة، فنّ ترويض الخصوم..
والباجي قايد السبسي، تزوج الإثنتين،
رغم قناعته بعدم لزوم تعدد الزوجات..

                                         **************

2

جاء الباجي إلى السياسة، من بوابة الحقوق..
زاوج بين مونتسكيو، وواقعية “الزعيم”،
تعلم الفرنسية عند أحفاد فولتير،
فتمسك بأناقتها، وتخلى عن ركاكتها،
حفظ القرآن، واطلع على الأدب الساخر،
لذلك، تسبقه الآيات، وتتبعه الدعابة..
عمل في القصر، فتعلم أصول القيادة،
وكثير من هيبة الدولة.. و”هبّــتــها”،
عيّنه بورقيبة سفيرا في باريس،
فكان شاهدا على صعود اليمين، وسقوط اليسار،
وشغل سفيرا في ألمانيا،
فتعلم الوفاق الذي وحّد الألمانيتين،
استخدم الوفاق لإسقاط “الترويكا”،
ثم استنجد به لتشكيل “دويو” مع “الشيخ”..

                                         **************

3

السياسي، مثل ضابط الأمن،
بدلته في حقيبته، يلبي الواجب في كلّ الأوقات..
و“البجبوج” كثيرا ما أوتي به عند الأزمات..
جيء به إلى الأمن، بعد إقالة إدريس قيقة،
ومسك الداخلية، إثر وفاة الطيب المهيري،
وتولى الدفاع، بعد إقالة أحمد بن صالح،
ودخل أروقة الخارجية، فور رحيل حسان بلخوجة،
وحطّ الرحال في القصبة، إثر استقالة محمد الغنوشي،
لكنّه، “اقتحم” قرطاج بإرادته، وسذاجة خصومه..

                                         **************

4

السياسة، فنّ استهواء الناس بالعاطفة،
والباجي، وجه من “الأرشيف”، لكنّ لسانه،
من طينة “بـافـلـوفـيـة” جذابة..
دخل قصر الحكومة من الباب الخلفيّ..
استخدم القليل من الكلام الناعم،
فروّض شباب الثورة، وفكك “القصبة 2″،
ناكف اليسار، وقسّم اليمين،
غازل الوسط، وطمأن “المنظومة”،
حلّ التجمع بالقانون، وفسح له المجال في الواقع،
تضخمت نقابات الأمن “فـقـرّدها”، لكنّه فشل في ترويضها،
أوقف العمل بالدستور، وحرّك “عفريت” الطوارئ،
وجد القضاء في حلّ وترحال،
فلا هو أصلحه، ولا هو سمح بتفكيكه،
زرع الألغام أمام “الخليفة السادس”،
نفخ في بالونة الأجور والرواتب،
رحّل قنبلة البطالة باتجاه حضن “الترويكا”،
ظلّ يمارس لعبة “البينغ بونغ”،
حتى أسقط الجميع في صندوق يحمل رقم 23 ــ 10 ــ 2011..

                                         **************

5

السياسي “الشاطر”، هو من لا يخاصم،
يكفي أن يصنع للآخرين خصوما..
اطمأن الباجي لنتائج الصندوق،
لكنّه أدرك أن “التحالف الثوري”،
بين اليمين “المعتدل”.. واليسار المعولم،
زواج متعة… لا أكثر،
فقرر تغيير كامل المعادلة..
حرّك إخوة الأمس، وأعداء الماضي،
جيّش الكل” ضدّ “الجزء المعطّل”،
بثّ الرعب في “الخارج”، الخائف أصلا،
جعل “الترويكا” في الحكم، من دون أن تحكم،
وعندما تعب المحاربون، دعا الجميع إلى الحوار،
واستدرجهم لسحره العجيب : التـوافـق..
سارعت “الترويكا” إلى “رجل الأرشيف”،
في عشاء باريسي بلا أرز وفاكهة إماراتية،
فاستقام الحوار، وتعانق “الشيخان”،
ليدخل الجميع مرحلة “بوس خوك”..
فلا ثورة، ولا شهداء، ولا هم يحزنون…

                                         **************

6

يقال إن السياسي الماهر،
من له القدرة على التهام الرجال، وفسخ المنافسين..
و”البجبوج” من هذا النوع تقريبا…
روّض الـ “جراد” الطامع في السلطة، فسكتت النقابات..
لاعب العبّاسي المنـتـشي بنوبل، فأدخل الاتحاد “بيت الطاعة”،
انتقده حمّـة، فألقى به في غياهب الضعف والوهن..
نازعه البكوش على الدبلوماسية،
فنفاه في “المغاربي”، المنفي أصلا..
خُّيّل لمرزوق أن ينازعه على قرطاج،
فأخرجه من القصر، و”ذوّبه” من الحزب..
حاول بلحاج أن يكون “الوريث بالتبني”،
فأحاله على المعاش الإجباري..
وجد المرزوقي في “حراك”، فعطّل له محركاته..
أطلّ الشابي مجددا بطموح الزعامة،
فلم يجبه بـ “لا” .. ولم يقل له “نعم”..
دخل “الصيد” في ليّ ذراع معه،
فسحب الثقة منه بـ “الإجماع”…
الديناصورات.. لا تعيش إلا عندما تبتلع من في طريقها..

                                         **************

7

نشأ الباجي في نظام،
الرئيس فيه حاكم بأمره،
يرفض من ينازعه القرار، ولا يقبل بتقاسم الصلاحيات،
والبرلمان هيئة لتفصيل القوانين “على المقاس”،
والحزب، جهاز خادم مطيع،
والدستور، مسودّة مهيأة للتعديل باستمرار،
و”الوزير الأول”، “مدير علاقات عامة”..
لذلك لم يقبل الرئيس بـ “البرلماني المعدّل”..
طالب بتعديل الدستور، فاتهم بـ “نوستالجيا” الاستبداد،
جمع الأحزاب .. و”الشيخ”… وعلية القوم،
فوقّعوا له على إنهاء “صلوحية” رئيس الحكومة،
فوضع النظام في عنق الزجاجة،
أحال الدستور على عطلة خالصة الأجر،
وغيّر اللاعبين من دون أن يغيّر قواعد اللعبة..

**************

8

“الشيخان”.. صيغة تونسية صميمة،
يرددها الساسة.. وهم لها كارهون..
يخيط “الشيخان” السياسة في تونس،
بخيط رقيق… اسمه “الوفاق”،
يمسك به “الرئيس”، ويتشبّث به “الشيخ”،
رغم اعتراض الأتباع… وجنرالات الأحزاب..
يخطط “سي الباجي”، فلا يقول “رشودة” (لا)،
ويعتبرها الرئيس (نعم)،
الخيوط في قرطاج، والمخيط في مونبليزير..
بدأ الوفاق خيارا لإسقاط “الترويكا”،
وأضحى ضرورة لاستمرار الدولة، وأشياء أخرى..
أدخل الرئيس “الشيخ” في الدولة،
فمرضت منظمات… وتصدّعت أحزاب،
لكنّ الرئيس ظلّ “يمرر” الوفاق في حضرة “الشيخ”،
وبمعارضة… صوتها أضخم من حجمها..

                                         **************

9

قال إنّ الثورة، “عـفـويـة” و”غير مؤطرة”،
فأفسد على الأحزاب والزعامات، طموحها،
وسوّى بين الرموز القديمة، والوجوه الجديدة..
أحاطوه بلوبيات، وكثير من الثعابين،
لتكبر كرة الفساد، وتصبح أكبر من الأحزاب،
وأضخم من الحكومة وفوق القانون..
تحولت اللوبيات إلى مافيات، و”استوطنت” الأفاعي،
كانت الدولة واحدة، فأضحت دولتان:
واحدة للأحزاب… وثانية للمافيات،
ولكي يواجه لدغ الأفاعي، ويعيد للدولة “هيبتها”،
أخرج الباجي من الدولاب “شاهدا”،
في غفلة من “الشيخ”.. ومن بارونات “النداء”،
والمعارضة النائمة في عسل “الثورة المغدورة”..
لكنّ الشاهد تحوّل إلى أفعى ناعمة،
تخيف المافيات،
ويخشاها الطامعون في قرطاج،
ويطلب ودّها الراغبون في دور ما..
بعض الرجال يغيّرون المعادلة من أجل التاريخ….. تاريخهم
وبعضهم يوضع له السجاد…… وما عليه إلا المشي بحذر…
غيّر “البجبوج”… معادلة 2011..
أنشأ معادلة 2014..
وعندما توفي… ترك المعادلات مفتوحة..
على احتمال وحيد.. استمرار الدولة التونسية..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صدر في جريدة “الصريح” قبل عامين (بتصرف)
سيصدر قريبا في كتاب ضخم..

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق