أهم الأحداثالمشهد السياسيبكل هدوءوطنية

“مسيرة” تونس.. واحتجاجات باريس: العسل المرّ  

بقلم / صالح عطية


انتهت “مسيرة 17 تشرين الأول / أكتوبر” المنقضي، ولم ينته الجدل في تونس، وبكثافة غير مسبوقة على وسائل التواصل الاجتماعي، بشأن مضامينها وتداعياتها، وتأثيراتها المستقبلية على نظام الرئيس قيس سعيّد..

ورغم أنّ المشاركين في المسيرة عادوا إلى بيوتهم منذ يوم السبت الماضي، إلا أنّ فضاءات الرباعي المنظم لهذه الفعالية السياسية الاحتجاجية، ونعني هنا، اتحاد العمال، ونقابة المحامين، ورابطة حقوق الإنسان، ونقابة الصحفيين التونسيين، بالإضافة إلى الأحزاب السياسية، في الموالاة كما في المعارضة، دخلت في نقاشات واسعة وعميقة حول ما بعد هذه المسيرة..

بين “مسيرة 17 / 10”.. واحتجاجات باريس
كانت المقارنة بين التعاطي الأمني التونسي مع احتجاج السبت الماضي، وتعامل الأمن الفرنسي مع الاحتجاجات الأخيرة، أولى النقاط التي تركز حولها الجدل.. لقد مثل التعاطي الأمني في عاصمة الأنوار، صدمة كبيرة في أوساط النخب التونسية، خصوصا تلك القريبة من فرنسا، أو ما تعرف في تونس بـ “حزب فرنسا”..

واتخذ النقاش منحى جدليا شديدا، بين من يعتبر أنّ المنظومة السياسية الفرنسية انحدرت إلى مستوى من العنف والاعتقالات والإيقافات ضدّ المتظاهرين المحتجين على غلاء المعيشة في فرنسا، في مشهد منسوخ مما يجري في عالمنا العربي، وبين من حرص على التذكير بأنّ التاريخ الفرنسي، مليء بمثل هذه الممارسات الأمنية والعسكرية، في إحالة واضحة على المجازر التي قادها الجنرال دي غول، فيما يعرف بـ “مذبحة باريس في 17 أكتوبر 1961″، خلال حرب الاستقلال الجزائرية، بالإضافة إلى العنف الذي مورس ضدّ انتفاضة الطلبة في مايو من العام 1968، الأمر الذي أدخل الدولة الفرنسية في عزلة عن المجتمع، وأدّى إلى فرار الرئيس شارل دي غول إلى ألمانيا، وتمخضت عن تلك الأحداث، ولادة أحزاب ومنظمات جديدة، وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، أفرزت طبقة سياسية جديدة، هي اليوم، العمود الفقري للسياسة في فرنسا..

لقد ظلت هذه الصورة، محفورة في مخيال السياسيين والمثقفين التونسيين القريبين من باريس، وخاصة بين بعض النخب اليسارية، التي ما تزال تستثمر في تلك الأحداث، من خلال الرهان على المطالب الاجتماعية، وتوظيف النقابات في أجندتها السياسية، واستخدام الحركة الطلابية التونسية، كـ “مهماز”، لتحريك الوضع السياسي والاجتماعي، لذلك كان حضورها في مسيرة السبت الماضي لافتا وفعالا، ترجمته الشعارات المرفوعة..

في المقابل، رأت بعض القراءات السياسية في هذه المقارنة، إسقاطا سياسيا، على وضعين مختلفين، مبنى ومعنى.. فلا فرنسا تعيش فترة استبداد، ولا الرئيس ماكرون يحكم بموجب انقلاب، على غرار ما يجري في تونس، ولا الحراك الفرنسي، بنفس مطالب الحراك التونسي، فلكلّ ظروفه وميكانيزماته.. الجامع الوحيد بين الحدثين، هو: الاحتجاج، بما يعطي للحراك التونسي ــ في نظر هؤلاء ــ زخما مهما، وأفقا أوسع من الدائرة الضيقة التي سجنت الطبقة السياسية نفسها فيها منذ “انقلاب” الرئيس قيس سعيّد، قبل أربع سنوات..

لذلك، ينظر للاحتجاجات الفرنسية، كحدث هيكلي ضمن التحولات التي يشهدها العالم، خصوصا داخل الاتحاد الأوروبي، الذي تربطه اتفاقية شراكة مع تونس منذ العام 1995، وما يمكن أن تكون لها من تداعيات على العلاقات وبروتوكولات التعاون بين الجانبين..

في جانب آخر من التقييمات، اعتبر مراقبون، أنّ الاحتجاجات الفرنسية، قد تجعل نظام الحكم في تونس، يلتقط أنفاسه، ويخرج من دائرة الإحراج الأمريكي والأوروبي، بخصوص المحاكمات السياسية، والإجراءات المعادية للحريات في البلاد، بما يجعله في أريحية مؤقتة، فما يحصل في تونس، يعدّ ــ في نظر هؤلاء ــ أقل بكثير مما يجري في باريس..

المعارضة في قفص الاتهام
لكنّ مسيرة 17 أكتوبر، فتحت الجدل واسعا بين السياسيين والمثقفين والإعلاميين، حول المعارضة التونسية، وطريقة تفكيرها، ومضمون احتجاجاتها، ومنهجية تعاملها مع السلطة، والأفق الذي تتحرك فيه..

ولعلّ أولى الأسئلة التي طرحت بعمق في هذا المخاض التونسي، تلك المتعلقة بـ “من يمثّل المعارضة اليوم؟”: هل هي النقابات والمنظمات الحقوقية التي نظمت المسيرة وأشرفت على التحشيد لها طيلة ما يربو عن شهر كامل، أم الأحزاب التي يقبع قياديوها في السجون، أم هو اليسار المنقسم بين السلطة والمعارضة، أم هي أحزاب “الموالاة” التي شاركت في هذه المسيرة، رغم أنها كانت منحازة للنظام، وصفقت لانقلاب 25 يوليو، بل بررت جميع ممارساته القمعية، وسياسة “السجون المفتوحة” التي يطبقها منذ نحو 5 سنوات تقريبا؟

وبالطبع، طال الجدل، العلاقات صلب المعارضة، وهل هي على قلب رجل واحد في ما يتعلق بالشعارات التي رفعت، وأهداف الاحتجاج السلمي الذي قاده اتحاد العمال ؟ وإلى أي مدى، يمكن للمشاركين في هذه المظاهرة الاحتجاجية، أن يكونوا التعبير الأبلغ للمعارضة بكافة أطيافها ؟

بل إنّ قسما من الناشطين السياسيين، وعدد من المشتغلين على التحليل السياسي، يطرحون الأسئلة المؤلمة في علاقة باتحاد الشغل: هل يمكن للاتحاد أن يقود البلاد من الناحية السياسية، وقد كشف عن فشل تقديراته على امتداد الخمسة عشر عاما الماضية بعد الثورة؟ بل هل يمكن لمن كان “معول” الهدم للانتقال الديمقراطي، كما يتهمه خصومه من المعارضة الإسلامية والديمقراطية تحديدا، أن يتصدّر اليوم، حراكا يرفع شعار “يا منظومة الفشل.. الرحيل هو الحلّ”، في إشارة إلى حكم الرئيس التونسي الحالي؟

وترتفع وتيرة الجدل ضدّ أيّ دور يمكن أن يلعبه اتحاد الشغل في الحياة السياسية، عندما تتذكر عديد الأحزاب ممن لديها معتقلين سياسيين في السجون حاليا، صمت المنظمة النقابية، وسكوتها المتعمّد إلى حدّ الآن، بشأن ملف المساجين السياسيين، وعدم انخراطها في الحراك الحقوقي المندد بهذه الاعتقالات، والمتضامن مع “إضرابات الأمعاء الخاوية” التي يقوم بها المعتقلون احتجاجا على محاكماتهم الجائرة، كما يصفونها، وعلى ظروف اعتقالهم، التي بلغت حدّ حجب المعلومات عنهم، من خلال منعهم من مشاهدة قنوات، باستثناء القنوات التابعة للسلطة الحاكمة..

لقد بات ملف القيادات السياسية المعتقلة في سجون النظام، المعيار الأساسي لأي نضال سياسي من أجل إخراج البلاد من أزمتها السياسية، وهنا لا تبدو تنسيقية الاتحاد، منخرطة في الدفاع عن هؤلاء، أو تحمّل أعباء ملفهم وكلفته السياسية والتنظيمية، وحتى الشخصية..

والملفت للانتباه، أنّ خطاب الأمين العام لاتحاد العمال، صلاح الدين السالمي في نهاية المسيرة، أكد وجهة النظر هذه، إذ لم يأت الرجل على ملف المساجين السياسيين بأي صيغة من الصيغ.. ما تسبب في موجة انتقادات للاتحاد من قبل المدونين التونسيين، وقسم واسع من محيط حركة النهضة ومكونات جبهة الخلاص الوطني.. فمن يتجاهل هذا الملف، لا يمكن أن يقود أي محاولة للخروج من الأزمة السياسية..

تفكيك المسكوت عنه..
وبالطبع، اتجه النقاش إلى الحديث عن مدى استعداد اتحاد العمال والمنظمات الحقوقية المنخرطة معه في “التنسيقية”، القبول بالطيف الإسلامي ـــ ممثلا في “جبهة الخلاص”، وخاصة “حركة النهضة” كأبرز مكون داخل هذا التحالف ـــ ضمن أي عملية ترتيب سياسية جديدة.

وعند هذا المستوى بالذات، تتضح الصورة، وتبرز التحالفات الممكنة، والسيناريوهات المطروحة تحت الطاولة..

فالقبول بحركة النهضة، ضمن التحالفات الجديدة، بات بمثابة ذلك الدواء الذي لا بدّ للمريض أن يتجرعه، رغم مرارته ودرجة حموضته، وما يزال المريض رغم حالته الصحية الحرجة، يمسك بالدواء، ويسائل نفسه، هل يتجرعه، أم يترك المرض ينخر جسمه العليل أصلا؟

وتبدو حركة النهضة، حاضرة بقوة في جميع المقاربات السياسية.. سواء تعلق الأمر بالتحالفات القادمة، أو بمحاولة إقصائها من أي ترتيبات مستقبلية، وفي كلا المسارين، يجمع المراقبون، على أنّه لا يمكن القفز على رقم “النهضة”، الثقيل، إرثا وحجما ومكانة، مهما كانت التقديرات، وهذا ما يزيد في تعقيدات الوضع، ويمكن أن يؤثر على صيغ الحلول الممكنة للخروج من المأزق السياسي الراهن..

والحقيقة التي لا يرقى إليها شكّ، أنّ ثمّة خشية واضحة من مشاركة الطيف الإسلامي في أي أفق جديد، نظرا لثقله الانتخابي المعروف، ففي حضور “النهضة”، إلغاء لبقية الأحزاب والمنظمات من المعادلة القادمة، وقد جرب هؤلاء “الصندوق”، وتوقفوا عند حدود تمثيليتهم الشعبية في أكثر من مرة خلال السنوات العشر الأولى التي أعقبت ثورة يناير 2011..

إنه الخطاب المسكوت عنه صلب المشهد السياسي التونسي، رغم أنه المهيمن في جميع الأطروحات..

حدّث ولا حرج على موقف السلطة، التي ترى في عدم تشريك “النهضة” في أي سيناريو قادم، مجال لإضعاف المعارضة، وبالتالي تقوية شوكتها، لذلك تعمل “ماكينة” الحكم، على عدم التقاء المعارضة بحركة النهضة، وخاصة، استبعاد فرضية تحالفها مع اتحاد الشغل، أو حتى حضورهما معا في أي فعالية سياسية، من نوع المسيرات والمظاهرات، لأنّ ذلك سيؤدي إلى قلب المشهدية رأسا على عقب، ولذلك يعمل النظام على تثبيت الوضع الراهن، من حيث تفتت المعارضة وتشتتها، وبقاء الاتحاد مرتهنا لملفات الفساد التي تشير إليها السلطة، تلميحا، وبالتالي منعه من أن يلعب دورا مركزيا في الحياة السياسية، فذلك قوس لا يمكن القبول بعودته أو استئنافه، أقصى ما يمكن القبول به، الدخول في حوار اجتماعي مع الاتحاد، وتلك ورقة تحتفظ السلطة بتوقيت استخدامها..

هل للمعارضة بديل؟
هنا، تتوقف عقارب الساعة، وفق عديد الملاحظين.. فالمعارضة بجميع أطيافها، اليسارية والنقابية والإسلامية والقومية / العروبية، وحتى الدستورية القديمة (منظومة ما قبل الثورة)، لا تملك أي برنامج سياسي، من شأنه إحراج السلطة، وجرّها إلى مربع الخيارات والبدائل والحديث عن مستقبل البلاد، رغم أنها تئنّ تحت وطأة شعبوية رثّة، مفرغة من كل أفق.. فما تزال المعارضة تراوح مكانها ضمن دائرة المطالب الحقوقية (حريات ومحاكمات سياسية عادلة، وحوار اجتماعي على الزيادة في رواتب العمال..)، فهي إلى الآن لم تطرح مخرجا حقيقيا للأزمة، لا باقتراح شخصية جامعة تكون بديلا عن الرئيس الحالي، ولا بوضع تصور مستقبلي للحكم، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وفي مستوى علاقات تونس الدبلوماسية، التي انحدرت إلى القاع، وباتت في عزلة دولية غير مسبوقة، ولا حتى باعتماد خطوة عملية، باتجاه توحيد الطيف المعارض لانقلاب الرئيس قيس سعيّد..

وتلك من معضلات الوضع التونسي: حكم بلا بوصلة، إلا المحاكمات و”السجون المفتوحة” أمام الجميع، ومعارضة بلا برنامج، فضلا عن صراعاتها العقيمة، وتجاذباتها الأيديولوجية التي باتت من الماضي، ومجتمع يرقب الوضع على ربوة متأرجحة، تميل إلى السقوط في هاوية سحيقة، ومجتمع دولي، منهمك في معاركه وحروبه المستقبلية، فلا يمثل له الوضع التونسي، شيئا في حساباته ومعادلاته..

المصدر: الجزيرة نت 

إعلامي وكاتب سياسي تونسي

إضغط هنا لمزيد الأخبار

شاهد أيضا :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى