أهم الأحداثٱقتصاد وطنياقتصادياتبكل هدوءوطنية

مبادرات الحل للأزمة الاقتصادية: مأزق المفاهيم.. مأزق التشريعات المكبّلة.. / بقلم جنات بن عبد الله

بقلم / جنات بن عبد الله

يتفاعل الراي العام في تونس، مع كل مبادرة ترمي الى إنقاذ الاقتصاد، ومساعدة البلاد على الخروج من أزمتها الراهنة، خصوصا في ضوء الصعوبات الاقتصادية المسجّلة منذ عدّة سنوات.

هذه المبادرات، تصدر عن منظمات مهنية ونقابية، وعن معاهد دراسات وبحوث، ويعبّر عنها مختصون وخبراء، اجتهدوا جميعهم في ضبط وصفات رأوا فيها متنفسا لحالة الاختناق التي يمر بها المواطن، وتعطي هامش تحرك أوسع للدولة لمواجهة التحديات والصعوبات.

الملاحظ في هذا السياق، أننا تعودنا في تونس، أن لا تصل مثل هذه المبادرات إلى آذان السلطة، بل لا تعيرها الحكومة أي اهتمام، رغم حرص بعضها على كشف معاناة المواطن من خلالها.

ورغم أن كل هذه المبادرات والمقترحات تنطلق من إحصائيات وتقارير رسمية، تحاول تشخيص الواقع في ظل التوجهات والخيارات الحكومية، لتشكل مادة موضوعية تعبر عن وجهة نظر معينة بخصوص تفاعل الواقع مع هذه الخيارات والتوجهات، فإننا لا نجد أي أثر لهذه القراءات وهذه المقترحات على مكاتب المسؤولين في الدوائر الحكومية المعنية، بما يؤكد وجود قطيعة بين هؤلاء المسؤولين من جهة، وهذا الواقع الذي يشكل فضاء تطبيق خياراتهم من جهة ثانية.

صفقات النتائج.. مقابل القروض

وفي الوقت الذي ترى فيه بعض الأطراف، أن تعاطي السلطة مع هذه المبادرات هي “إدارية صرف”، ومن ثمّ تستتبعدها أو تغضّ الطرف عليها، لأنها تعدّ تشويشا على سير عملها، ترى أطراف أخرى انها تكشف عن وجود قطيعة فعلية بين أصحاب المبادرات، والإدارة، التي يقتصر دورها في هذا السياق، على إعداد البرامج فقط، دون مطالبتها بالنتائج.
                 ** نقف اليوم عند حقيقة ساطعة، وهي أن الاقتصاد التونسي لا يمر بأزمة عابرة، بل هو
يعاني من إطار
تشريعي وترسانة قانونية، كبلت مقدرات البلاد، وسحقت تطلعات الشعب.

وترى ذات الأطراف التي تتقدم بمبادرات، أنّ موقف الإدارة، يعكس مدى تبعية القرار السيادي للجهات الممولة، التي تظل تتابع باستمرار ظروف تنفيذ برامجها، هذه البرامج التي صاغتها الإدارة بأيديها، لكن بعقل الممول، في إطار صفقة “النتائج مقابل القروض”.

وبقطع النظر عن وجود هذه القطيعة بين أطراف المبادرات، والإدارة، بما يحول دون وصول هذه المبادرات إلى مكاتب السلطة، فإن الأهم في هذا السياق هو ما نلاحظه من ضعف في منهجية إعداد هذه المبادرات، التي بقيت أسيرة نمط محنط وعقيم، عاجز عن تحويل هذه المبادرات إلى برامج قابلة للتنفيذ، في البيئة التي أفرزت الأزمة التي شكلت موضوع المبادرة.


إعادة إنتاج ذات المفاهيم 

فعادة ما تكرر هذه المبادرات، المصطلحات والمفاهيم والأدوات التحليلية، التي يستعملها الخطاب الرسمي، في تشخيص ما يطلق عليها بـ “الأزمة”، لتقدم مقترحات وحلولا، ربما تختلف في الظاهر عما هو موجود، الا أنها تبقى حلولا نظرية لم تسجل التجربة التونسية تطبيقا لها إلى اليوم.

                   ** مبادرات الحلّ للأزمة الاقتصادية التونسية، لن تكون إلا بتجاوز ترسانة المفاهيم التي
يستخدمها
البعض.. وهي لا تعدو أن تكون إلا إعادة إنتاج للمفاهيم التي كرست تبعيتنا
لأوروبا والغرب..

ومن بين ترسانة هذه المفاهيم المتداولة، والتي يعاد تكرارها في نصوص هذه المبادرات، يمكن ذكر:

ــــ الإصلاح الاقتصادي الهيكلي،
ــــ التحرر الاقتصادي،
ــــ الانفتاح والاندماج،
ــــ مكافحة الاقتصاد الموازي،
ــــ مكافحة البيروقراطية
ــــ التهرب الضريبي،
ــــ رفع الدعم،
ــــ تقليص دور الدولة
ــــ التركيز على الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص،

وهي مفاهيم، تتضمنها وثائق السلطة، ويعيد الخبراء وأصحاب المبادرات، استخدامها من جديد..

ربما نقطة الاختلاف الأساسية بين ما يطرح في هذه المبادرات، والخطاب الرسمي، هو هامش تحرك كل من القطاع العام والقطاع الخاص في المشهد الاقتصادي، ودرجة تنمر أحدهما على الآخر.

وفي حقيقة الأمر، فإن المبادرات التي تخرج للرأي العام، تبقى في هذا الأفق النظري العقيم، فلا تقفز الى مستوى التطبيق. فهي في آخر المطاف، تعيد إنتاج نفس النتائج، في نسخة، قد تكون ظاهريا مختلفة، لكنّ الحلول التي تقترحها، تبقى مكررة، لأنها لم تستهدف البنية التشريعية الحاضنة للخيارات والتوجهات القائمة.

وبناء على ذلك تبقى هذه المبادرات في دائرة الترقيع والترميم والمراجعة، وهي بالتالي عاجزة عن تغيير الواقع، أو الخروج من الأزمة..

 ضرورة الخروج من عباءة الهيمنة

لعل ما يشهده العالم اليوم من أحداث عرت حقيقة النظام الاقتصادي العالمي وخلفياته وأبعاده، وكشفت عن آليات النهب والهيمنة، تفترض ضرورة قراءة جديدة للواقع الاقتصادي ولتاريخنا الاقتصادي كتونسيين، بما يساعدنا على التحرر التدريجي من قبضة التضليل والأكاذيب التي غرسوها في عقولنا منذ فترات دراساتنا الجامعية.

ورغم ظهور نظريات اقتصادية جديدة، تتناقض في عمقها مع النظرية الاقتصادية الليبرالية الجديدة، التي تستند إليها وصفة صندوق النقد الدولي، والتي هي ترجمان لـ “توافق واشنطن” لسنة 1944، ونقصد هنا، النظرية النقدية الجديدة، التي تعتبر أن الدول التي تطبع عملتها ولا تقترض بالعملة الأجنبية، لا يمكن لها أن تفلس، فيما تحاول نظريات أخرى، تقديم إجابات للكوارث التي أحدثها “توافق واشنطن” على صعيد الاقتصاد الدولي، وعلى مستوى الاقتصاديات المحلية التابعة..

ولذلك، فعملية الإنقاذ الحقيقية لاقتصادنا لا بد ان تنطلق من تفكيك البنية التشريعية والترسانة القانونية التي وضعتها القوى العالمية… وبالنسبة لتونس، فالمقصود هي المجموعة الاقتصادية الأوروبية والتي تحولت فيما بعد الى دول الاتحاد الأوروبي.

الانقلاب الصامت.. لكنّه الخطير

في مارس 1969 شكل توقيع تونس لأول اتفاقية تعاون اقتصادي تجاري مع المجموعة الاقتصادية الأوروبية، التي تتزعمها فرنسا، أول انقلاب، في نظرنا، على المشروع الاقتصادي الوطني، لتتبنى تونس منذ تلك اللحظة، منوالا اقتصاديا موجها نحو التصدير، يقوم على تأمين متطلبات السوق الأوروبية، على حساب السوق الوطنية، ونسيجها الصناعي والتجاري..

وكانت بعض الأطراف المعروفة، رأت في التوقيع على هذه الاتفاقية، سبيل لكي تخرج البلاد من أزمة التعاضد، فإننا نرى ــ على العكس من ذلك تماما ــ أنها وضعت حدا لتوجه العشرية الأولى للتنمية، ولوضع لبنات اقتصاد وطني حقيقي..

                 **  غيّرت اتفاقية التعاون الاقتصادي والتجاري مع أوروبا (1969)، بوصلة الاقتصاد التونسي،
من اقتصاد
يبني مصانع ثقيلة، وينشئ مؤسسات عمومية استراتيجية، إلى اقتصاد يقوم
على المناولة، واليد
العاملة الرخيصة، وتكريس التبعية للخارج..

فقد ركزت تلك العشرية، على التأسيس لركائز الاقتصاد الوطني، حيث شهدت تأسيس الشركة التونسية للكهرباء والغاز، وشركة الخطوط التونسية، والشركة التونسية لصناعات التكرير، وشركة الفولاذ بمنزل بورقيبة، وشركة فسفاط قفصة وغيرها. كما قطعت مع التوجه الرامي الى تحقيق الاكتفاء الذاتي، من خلال التحكم في وسائل الإنتاج، وحماية السوق المحلية من الاستثمار الأجنبي، وعدم الارتماء في الاقتراض الخارجي.

لقد غيّرت اتفاقية التعاون الاقتصادي والتجاري مع أوروبا (1969)، بوصلة الاقتصاد التونسي، من اقتصاد يبني مصانع ثقيلة، وينشئ مؤسسات عمومية استراتيجية، إلى اقتصاد يقوم على المناولة، واليد العاملة الرخيصة، وتكريس التبعية للخارج، من خلال الترويج لمزايا الانفتاح والتحرير ورفع الحماية عن نسيجنا الاقتصادي في إطار ما أسمته بالإصلاح الاقتصادي، وترجمة هذا الاتفاق الى قوانين وتشريعات، نذكر منها خاصة، قانون أفريل 1972، الذي قطع الطريق أمام القطاع الصناعي الناشئ في تونس، ليحكم عليه بالبقاء رهين المناولة.

هذا الاتفاق دشن أول ضربة للقرار السيادي الاقتصادي، لتتبعه اتفاقيات أفريل 1976 واتفاقية الشراكة لسنة 1995، واتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق التي انطلق التفاوض بشأنها في أفريل 2016، ويبدو أنه لم يتم التوقيع عليها، ولكن تم تمرير كل ترسانتها القانونية بعد الثورة.

لقد رسمت هذه الاتفاقيات ما يسمى بالخيارات الاقتصادية لتونس، خيارات نعتبرها غير وطنية ولا تستجيب لأولوياتنا الوطنية رغم ادعاء كل الحكومات بذلك. في هذا السياق لا بد من الإشارة الى ان اتفاقية 1969 ضبطت أسس هذه الخيارات ووجهت الاقتصاد نحو التصدير، وضبطت قائمة المنتوجات التي ستختص تونس في تصديرها، وهي زيت الزيتون والتمور ومنتوجات الصيد البحري. كما فرضت منذ ذلك التاريخ نظام الحصص في تصدير زيت الزيتون.

لقد قيد هذا الاتفاق، وما جاء بعده من اتفاقيات، القدرات الإنتاجية والتصديرية للبلاد، بما مهد الى أزمة المديونية في منتصف سنة 1986 ودخول صندوق النقد الدولي على الخط، ليعمق التبعية للخارج، ويقضي على دور سياسة المالية العمومية في تحقيق التوازن بين القطاع العمومي والقطاع الخاص، باتباع سياسة تقشفية مجحفة وظالمة.

                **  لقد مهدت الاتفاقيات مع أوروبا، إلى أزمة المديونية في منتصف سنة 1986، بما سرع
                    دخول صندوق النقد الدولي على الخط، ليعمق التبعية للخارج، ويقضي على دور سياسة
                    المالية العمومية..

ما يعيشه اقتصادنا الوطني اليوم من تناقض بين أولوياتنا التنموية والاقتصادية من جهة، والإطار التشريعي المنظم للحياة الاقتصادية من جهة ثانية، تؤكده وتترجمه المؤشرات الاقتصادية والمالية والاجتماعية، وحالة الفقر والبطالة والتهميش والعجز الخطير لميزان الدفوعات وارتفاع المديونية، بما يجعلنا نقف عند حقيقة ساطعة، وهي أن الاقتصاد التونسي لا يمر بأزمة عابرة بل هو يعاني من إطار تشريعي وترسانة قانونية كبلت مقدرات البلاد، وسحقت تطلعات الشعب.

إضغط هنا لمزيد الأخبار  

شاهد أيضا :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى