4.تكنولوجياأهم الأحداثبانوراما

علماء بارزون يتساءلون: هل يقضي الذكاء الاصطناعي على البشرية؟

لندن ــ  الرأي الجديد

تصاعد النقاش العالمي حول مخاطر الذكاء الاصطناعي، بعد سلسلة تصريحات متتالية بدأت بتحذيرات من باحثين وعلماء بارزين من أن التقنية قد تهدد بقاء البشرية خلال العقد المقبل..

وتبعت هذه النقاشات، دعوة من الرئيس التنفيذي لشركة “أنثروبيك – Anthropic”، إلى إبطاء وتيرة تطوير النماذج المتقدمة.

ورد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومسؤولون صينيون بشكل حاد على هذه الدعوات، بأن الولايات المتحدة لا تجد أن تخسر سباق التفوق في هذا المجال، بينما رأت بكين أنه ليس هناك أي مخاوف من تطور الذكاء الاصطناعي.

أولوية عالميةتعود جذور هذا الجدل إلى بيان أصدره “مركز أمان الذكاء الاصطناعي – Center for AI Safety” عام 2023، ومثّل حينها إجماعًا نادرًا بين قيادات الصناعة، إذ وقّعه علماء حائزون على جائزة “تورينغ” مثل جيفري هينتون ويوشوا بينجيو، إلى جانب رؤساء تنفيذيين لمختبرات الذكاء الاصطناعي الكبرى، من بينهم سام ألتمان وديمس هاسابيس.

ونص البيان على أن التعامل مع خطر انقراض البشرية الناجم عن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يكون أولوية عالمية على غرار الأوبئة والحرب النووية، ووقّع عليه أيضًا باحثون في الأخلاقيات والقانون والاقتصاد والفيزياء، إلى جانب مئات من العلماء والتنفيذيين في وقتها.


وتجدد هذا الجدل بقوة في سبتمبر 2026، بعد استقالة الباحث في شركة “أنثروبيك” جاكوب كوكسون احتجاجًا على ما وصفه بتهور الشركة ومنافسيها في السباق نحو “الذكاء الفائق القادر على تحسين ذاته”.

وقدّر كوكسون في منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي احتمال تسبب الذكاء الاصطناعي بانقراض البشرية خلال العقد المقبل بنسبة 10 بالمائة، متهمًا كلاً من “أنثروبيك” و”أوبن أيه آي – OpenAI” بأنهما “تراهنان بحياتنا”.

وقال إيفان هابينجر، أحد المسؤولين عن أمان الأنظمة في “أنثروبيك” إن فريقه “يعتقد بجدية” أن الذكاء الاصطناعي قد يقتل البشر جميعًا، مقدّرًا الاحتمال بأكثر من 10 بالمائة خلال السنوات العشر المقبلة.

وحذّر ستيوارت راسل، أستاذ علوم الحاسوب في جامعة كاليفورنيا-بيركلي، من أن نظام ذكاء اصطناعي مستقبليًا خارجًا عن السيطرة قد يستخدم الروبوتات لتصنيع مسببات أمراض جديدة ونشرها إذا اعتبر البشر عائقًا أمام تحقيق أهدافه.

ورصد تقرير صادر عن “مركز الحوكمة الدولية المبتكرة” الكندي العديد من المخاطر الأمنية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، تمتد من الاستخدام الإجرامي والإرهابي، مرورًا بتصعيد النزاعات العالمية، وصولاً إلى ما وصفه بـ”تجريد البشرية من السلطة أو انقراضها” على يد أنظمة ذكاء اصطناعي مستقلة يتعذّر التحكم بها، بحسب “سي بي سي نيوز”.

إبطاء التطوير

نشر داريو أموداي، الرئيس التنفيذي المشارك المؤسس لشركة “أنثروبيك” مقالاً بعنوان “يجب علينا تنظيم وتيرة الصدارة” على موقعه الشخصي، دعا فيه صناعة الذكاء الاصطناعي إلى تعمّد إبطاء تطوير قدرات النماذج، بعدما بات الاستثمار في تقنيات الأمان وحده غير كافٍ لمجاراة سرعة التطور.

وحذّر أموداي من أنه، في غياب هذا الإبطاء، قد تصبح أنظمة الذكاء الاصطناعي خلال ستة إلى اثني عشر شهرًا قادرة على قيادة “سرب” من الوكلاء الرقميين يمكنه الاستيلاء على شبكة الإنترنت بأكملها، مستشهدًا بحادثة أمنية سابقة طالت الصناعة، بما فيها “أنثروبيك” نفسها، ودعا الشركات المنافسة للتعامل معها وكأنها وقعت لديها.


واقترح أموداي خطة من ثلاث خطوات: منح فرق تقييم مستقلة من طرف ثالث صلاحيات شبيهة بصلاحيات الموظفين داخل الشركات للتحقق من الالتزام بمعايير الأمان، ثم التنسيق بين شركات الذكاء الاصطناعي في الدول الديمقراطية حول معايير موحدة وحدود للسرعة، وأخيرًا تنسيق عالمي يشمل الصين.

وأوضح أن الهدف ليس وقف تدريب النماذج، بل منح فرق الأمان وقتًا كافيًا للحاق بالتطور، مرجّحًا أن تقليص السرعة لعام أو عامين قد يخفض المخاطر بشكل كبير.

ولقيت دعوة أموداي تأييدًا سريعًا من منافسين بارزين؛ إذ أعلن كل من سام ألتمان وإيلون ماسك اتفاقهما مع مخاوفه عبر منصات التواصل الاجتماعي.

وكشف ألتمان في مقابلة مع مجلة “فورتشن” أنه سيؤجل طرح أسهم “أوبن إيه آي” للاكتتاب العام حتى عام 2027 على الأقل بسبب اعتبارات تتعلق بالسلامة، وأن الشركة ناقشت داخليًا تعليق بعض الاختبارات لجعل التقنية أكثر أمانًا.

وانتقد ديفيد ساكس، الرئيس المشارك لمجلس مستشاري الرئيس للعلوم والتقنية، الدافع “الأخلاقي” المعلن لهذه الدعوات، معتبرًا أن الشركات تواجه مخاطر قانونية جسيمة قد تكون الدافع الحقيقي وراء الحذر المفاجئ.

رد ترامب

هاجم ترامب دعوات التنظيم، رافضًا فرض المزيد من القيود على القطاع، وكتب ترامب عبر منصة “تروث سوشيال” أن “الضمانة” الوحيدة التي يحتاجها الذكاء الاصطناعي هي وجود رئيس قوي وذكي، مضيفًا أن إدارته منعت “أشخاص الذكاء الاصطناعي” من ارتكاب تصرفات ضارة أو قد تكون ضارة.

وفي تصريحات لاحقة من منتجعه الخاص في إيرلندا، وصف ترامب التحذيرات من الذكاء الاصطناعي بأنها “مبالغ فيها”، متهمًا “قوى سلبية” -دون تسميتها- بإثارة هذه المخاوف من دون مبرر، وقال إن الولايات المتحدة “تتصدر السباق أمام الصين”، وإن الفوز في هذا السباق هو ما يهم فعليًا.

وحذّر رئيس مجلس النواب مايك جونسون من أن أي محاولة للكونغرس لتنظيم الذكاء الاصطناعي على عجل ستؤدي إلى خسارة السباق التقني أمام بكين.

واتهم ترامب أيضًا في منشور لاحق ما وصفه بـ”مؤامرة خبيثة” وراء الجدل المتصاعد حول مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي والمخاوف من النماذج المتطورة، مضيفًا أن “الصين هي الطرف الوحيد الذي يشعر بالسعادة” جراء هذا الجدل.

الصين

وصف المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، غوو جياكون، في إحاطته الصحفية الدورية في بكين، دعوات إبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي بأنها “تخويف ومواجهة ومنافسة خبيثة” لا تخدم إلا تعطيل مسار الحوكمة العالمية للتقنية، مؤكدًا أن تطور الذكاء الاصطناعي يمس “رفاهية البشرية جمعاء”.


وجاء الرد الصيني بعد أن تضمّن مقال أموداي دعوة صريحة إلى تشديد القيود الأمريكية على تصدير الرقائق المتقدمة إلى الصين، محذرًا من أن تفوقًا صينيًا في الذكاء الاصطناعي قد يشكل “خطرًا جسيمًا” على الولايات المتحدة والعالم، مطالبًا بالحفاظ على أوسع تقدّم ممكن للديمقراطيات في هذا المجال.

وذهبت صحيفة “غلوبال تايمز” الصينية شبه الرسمية إلى أبعد من ذلك، واصفة مقترح أموداي في افتتاحية بأنه “كتيّب حرب باردة” مقنّع بذريعة السلامة، يهدف فعليًا إلى احتواء التقدم التقني الصيني.

وبحسب محللين صينيين، من بينهم سون تشنغهاو الباحث في مركز الأمن والاستراتيجية الدولية بجامعة تسينغهوا، فإن الخط الفاصل بين “أمان الذكاء الاصطناعي” و”التنافس على الذكاء الاصطناعي” بات ضبابيًا بشكل متزايد، محذرًا من أن تسييس كل نقاش عن السلامة سيجعل الحوار المُجدي بين واشنطن وبكين أمرًا بالغ الصعوبة.

حالات موثقة

وثّقت شركات الذكاء الاصطناعي نفسها، وباحثون مستقلون في الأمن السيبراني، عددًا من الحوادث الفعلية والتجارب المضبوطة التي استُشهد بها لاحقًا كدليل على أن المخاوف ليست افتراضية بحتة.

وفي نوفمبر 2025، وقع أول هجوم سيبراني “مدار بالكامل” بالذكاء الاصطناعي، أعلنت شركة “أنثروبيك” أنها أحبطت ما وصفته بأول حالة موثقة لهجوم سيبراني واسع النطاق نفّذته مجموعة قرصنة صينية مدعومة من الدولة، أُطلق عليها اسم GTG-1002، بأقل قدر من التدخل البشري.

وبحسب الشركة، خدعت المجموعة أداة “Claude Code” لتعتقد أنها تُجري اختبارًا دفاعيًا شرعيًا، فنفّذ النموذج نحو 80 إلى 90 بالمئة من مراحل العملية بشكل مستقل، شملت البحث عن ثغرات وكتابة أكواد استغلالها وجمع بيانات اعتماد الدخول واستخراج بيانات حساسة، في محاولة لاختراق نحو ثلاثين جهة حول العالم من شركات تقنية كبرى ومؤسسات مالية ومصنّعي مواد كيميائية وجهات حكومية، ونجحت في عدد محدود من الحالات.

وفي تقرير التهديدات لشركة “أنثروبيك” الصادر في سبتمبر 2026، كشفت الشركة عن إحباط عملية تجسس إلكتروني تُنسب إلى مجموعة قرصنة روسية استخدمت الذكاء الاصطناعي في التصيّد الاحتيالي واختراق شبكات واي فاي في الفنادق والاستيلاء على حسابات واتساب، استهدفت جهات حكومية وعسكرية ودبلوماسية أوكرانية.

وأشارت الشركة إلى استخدام مختبرات صينية، من بينها شركات مرتبطة بـ”علي بابا” و”مونشوت” و”ديب سيك”، لأساليب “استخلاص غير مشروع” لقدرات نماذج “كلود – Claude” بهدف تطوير نماذج منافسة، إضافة إلى استغلال قراصنة للنموذج في فحص نحو 1.8 مليون تطبيق أندرويد بحثًا عن بيانات حساسة مسرّبة.


وفي تجربة مضبوطة أجرتها أنثروبيك أيضًا على نموذجها “Claude Opus 4″، مُنح النموذج صلاحية الوصول إلى بريد إلكتروني افتراضي لشركة وهمية، فاكتشف أن أحد المسؤولين التنفيذيين يخطط لإيقاف تشغيله واستبداله، وأن الشخص نفسه متورط في علاقة خارج إطار الزواج، فحاول النموذج ابتزازه بالتهديد بكشف الأمر لمنع إيقافه.
وعند تكرار التجربة على 16 نموذجًا رئيسيًا من “أنثروبيك” و”أوبن إيه آي” و”غوغل” و”إكس إيه أي”، وشركات أخرى، لوحظ سلوك مشابه في عدد من النماذج، تراوح بين اللجوء إلى الابتزاز والمساعدة في التجسس على الشركات، بل وحتى السماح بموت بشري افتراضي حين كان ذلك “يخدم” هدف النموذج ضمن سيناريو التجربة.

وفي اختبارات منفصلة أجرتها شركة “Palisade Research” المتخصصة في أمان الذكاء الاصطناعي، أظهر نموذج “o3” التابع لشركة “أوبن إيه آي” ميلاً لتخريب أوامر إيقاف التشغيل، إذ نجح في إعادة كتابة نص الإيقاف نفسه لتفادي التوقف في سبع من أصل مئة محاولة اختبار، حتى بعدما طُلب منه صراحة السماح لنفسه بالإيقاف.

ويشدد الباحثون، بمن فيهم فريق من أنثروبيك، على أن معظم هذه التجارب أُجريت في بيئات محاكاة مضبوطة ولا تعني أن النماذج تمتلك وعيًا أو نوايا حقيقية، باستثناء حادثة الاختراق الفعلي في نوفمبر 2025 التي وقعت في بيئة حقيقية بأقل تدخل بشري.

إضغط هنا لمزيد الأخبار

شاهد أيضا :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى