الحرب على إيران.. بداية صدمة اقتصادية عالمية جديدة

باريس ــ الرأي الجديد
اعتبر الخبير الفرنسي، شارلز هينري كولومبييه، أن ما يحدث حاليا، قد يتحول إلى اختبار حقيقي لمرونة الاقتصاد العالمي، واصفا ما يحدث بـ«بداية صدمة اقتصادية عالمية».
وأضاف خلال تصريحات لـ”العين الإخبارية”: “إن الاقتصاد العالمي لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على النفط والغاز، على الرغم من التوسع في مصادر الطاقة المتجددة خلال السنوات الأخيرة، موضحا أن لهذا السبب فإن أي اضطراب في إمدادات الطاقة يمكن أن يؤدي بسرعة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل في معظم اقتصادات العالم”.
وقال الاقتصادي الفرنسي، مدير قسم السياسات الاقتصادية في معهد «ريكساكود» في باريس، إنه مع تصاعد التوتر العسكري في الشرق الأوسط، بدأت تداعيات الصراع تتسلل سريعاً إلى الاقتصاد العالمي، فالحروب في هذه المنطقة لم تكن يوما مجرد مواجهات عسكرية، بل غالباً ما تتحول إلى عوامل مؤثرة في أسعار الطاقة والأسواق المالية والنمو الاقتصادي العالمي.
وأكد كولومبييه أن أوروبا تبدو في موقع أكثر هشاشة مقارنة بالولايات المتحدة، وذلك بسبب اعتمادها الكبير على واردات الطاقة. فارتفاع أسعار الغاز أو النفط لا ينعكس فقط على فواتير الطاقة، بل يمتد تأثيره إلى القطاعات الصناعية، خاصة الصناعات الثقيلة التي تعتمد على الطاقة بكثافة.

وأضاف أنه مع ارتفاع تكاليف الإنتاج تضطر الشركات في كثير من الأحيان إلى نقل هذه الزيادة إلى المستهلكين في شكل ارتفاع في الأسعار، وهو ما يغذي موجات التضخم.
أمريكا تتوفر على الحماية
وأوضح الخبير الاقتصادي الفرنسي أنه في المقابل تتمتع الولايات المتحدة بقدر أكبر من الحماية بفضل إنتاجها الكبير من النفط والغاز الصخري، وهو ما يمنحها نوعا من الاستقلال النسبي في مجال الطاقة.
وأضاف أن حجم سوقها الداخلية الكبير يسمح لها بامتصاص جزء من الصدمات الخارجية بشكل أفضل مقارنة بالاقتصادات الأكثر اعتماداً على التجارة الخارجية.
وحذر كولومبييه من أن الخطر الأكبر يكمن في احتمال دخول الاقتصاد العالمي في مرحلة من الركود التضخمي. ففي مثل هذا السيناريو ترتفع أسعار الطاقة بسرعة، بينما يتباطأ الاستثمار وينخفض الاستهلاك، الأمر الذي يؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي. وهنا تجد الحكومات والبنوك المركزية نفسها في موقف صعب، إذ يتعين عليها الاختيار بين رفع أسعار الفائدة لمكافحة التضخم أو خفضها لدعم النشاط الاقتصادي.
ولفت الاقتصادي الفرنسي إلى أن العامل الحاسم سيظل مدة الحرب، موضحا أنه إذا انتهى الصراع بسرعة فقد تتمكن الأسواق من استعادة توازنها خلال فترة قصيرة، أما إذا استمرت المواجهات لعدة أشهر، خاصة مع استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز، فقد يشهد العالم صدمة طاقة كبيرة قد تعيد إلى الأذهان الأزمات النفطية التي عرفها العالم في سبعينيات القرن الماضي.

وقالت صحيفة “لوموند” الفرنسية إنه “مع استمرار المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، أخذت الأسواق الدولية ترصد مؤشرات مقلقة توحي بأن العالم قد يكون أمام صدمة اقتصادية جديدة”.
وأوضحت الصحيفة أنه “في غضون أيام قليلة فقط، قفزت أسعار الطاقة بشكل حاد، وتراجعت بعض البورصات الأوروبية، بينما بدأ الاقتصاديون يحذرون من سيناريو قد يعيد إلى الواجهة مفهوم الركود التضخمي؛ وهو ذلك المزيج المعقد من ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو الاقتصادي الذي يضع الحكومات والبنوك المركزية أمام تحديات صعبة”.
بداية تشكل صدمة اقتصادية
ومنذ 2 مارس/آذار، بدأت الأسواق تعكس حالة القلق المتزايد، فقد ارتفع سعر الغاز في أوروبا بنحو 50%، في حين صعد سعر النفط بنسبة 12%، بينما سجلت بورصة باريس تراجعا بلغ 4.7%.
وأوضحت الصحيفة الفرنسية أن “هذه التحركات السريعة في الأسواق لا تعني بالضرورة أن العالم دخل بالفعل في أزمة اقتصادية، لكنها تشير بوضوح إلى أن الآلية التي قد تقود إلى صدمة اقتصادية بدأت تتشكل”.
ويرى عدد من الاقتصاديين أن التأثير الحقيقي لهذه التطورات سيعتمد قبل كل شيء على مدة استمرار الصراع. فإذا ظل النزاع محدودا زمنيا فقد تبقى آثاره في نطاق التقلبات المؤقتة، أما إذا طال أمده فقد تتحول هذه التقلبات إلى أزمة أوسع تؤثر في النمو الاقتصادي العالمي.

وتشير التقديرات الأولية إلى أن أوروبا وآسيا ستكونان الأكثر تأثرا، بسبب اعتمادهما الكبير على واردات الطاقة، في حين تبدو الولايات المتحدة أكثر قدرة نسبيا على امتصاص الصدمة بفضل إنتاجها الكبير من النفط والغاز.
القلق من اتساع الحرب
مع دخول الهجوم العسكري الذي تشنه الولايات المتحدة وإسرائيل يومه السادس في 5 مارس/آذار، بدأ سؤال يقلق صناع القرار الاقتصادي: ماذا لو استمرت الحرب لفترة طويلة؟. هذا التساؤل اكتسب أهمية أكبر بعد الاعتداءات الإيرانية السافرة في منطقة الخليج العربي، والتهديد بإعاقة حركة الملاحة في مضيق هرمز.
ويعد هذا المضيق أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط والغاز العالمية، ولذلك فإن أي اضطراب في هذا الطريق البحري الحيوي يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع سريع في أسعار الطاقة، وهو ما بدأت الأسواق تشعر به بالفعل خلال الأيام الأولى من التصعيد العسكري. فأسواق الطاقة بطبيعتها شديدة الحساسية للمخاطر الجيوسياسية، وأي تهديد للإمدادات يمكن أن يدفع الأسعار إلى الارتفاع حتى قبل حدوث نقص فعلي في الإنتاج.
خطر الركود التضخمي
وعلى الرغم من أن الحديث عن أزمة اقتصادية شاملة ما يزال مبكراً، فإن عددا من المؤسسات الدولية بدأ يحذر من احتمال حدوث صدمة طاقة قد تترك آثارا واسعة في الاقتصاد العالمي. ففي 5 مارس/آذار، أعربت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، عن قلقها من أن الاقتصاد العالمي يتعرض مرة أخرى لاختبار صعب.
وأوضحت أن استمرار الصراع قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالميا، الأمر الذي قد يؤثر في ثقة الأسواق المالية ويبطئ وتيرة النمو الاقتصادي، في الوقت الذي يرفع فيه معدلات التضخم. وهذا المزيج بين التضخم المرتفع والنمو الضعيف هو ما يعرف اقتصاديا بـ الركود التضخمي، وهو أحد أكثر السيناريوهات تعقيدا بالنسبة لصناع السياسات الاقتصادية.
الأسواق تترقب التطورات
ونقلت الصحيفة الفرنسية عن الخبير الاقتصادي برونو دو مورا فيرنانديز، المسؤول عن الأبحاث الاقتصادية الكلية في شركة “كوفاس”، أن الأسواق بدأت بالفعل تأخذ احتمال استمرار الصراع على محمل الجد.

ورأى أن المستثمرين لم يعودوا يتعاملون مع الأزمة باعتبارها حدثا عابرا، بل بدأوا يفكرون في إمكانية أن تستمر لفترة أطول مما كان متوقعا في البداية..
أرقام تكشف حجم القلق
وأوضحت الصحيفة الفرنسية أن الأرقام المسجلة في الأسواق خلال الأيام الأخيرة تعكس بوضوح مستوى التوتر الذي تعيشه الأسواق العالمية. فقد خسر مؤشر بورصة باريس “كاك40” الفرنسي نحو 4.7% منذ 2 مارس/آذار، في حين ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 50% خلال فترة قصيرة للغاية. كما ارتفع سعر برميل نفط برنت الخام بنحو 12%.
وأشارت الصحيفة الفرنسية إلى أنه عند النظر إلى حركة الأسعار منذ بداية العام تظهر الصورة أكثر حدة، إذ ارتفعت أسعار النفط بنحو 35%، بينما قفزت أسعار الغاز بنسبة تصل إلى 93%. هذه الأرقام تعكس حساسية الأسواق العالمية لأي اضطراب في إمدادات الطاقة.
إضغط هنا لمزيد الأخبار
















