أحداثأهم الأحداثدوليمقالات رأي

لقاء ترامب وميرتس في واشنطن: هل تعود ألمانيا قوة عسكرية كبرى؟

بقلم / رامي الماجري

في ظل تصاعد التوتر في الشرق الأوسط، استقبل الرئيس الأمريكي المستشار الألماني Friedrich Merz في البيت الأبيض، في لقاء جاء في سياق حساس يتعلّق بالتصعيد مع إيران.

أكّد الطرفان وجود تنسيق سياسي واستراتيجي وثيق بين برلين وواشنطن، مع إشادة من ترامب بالدور الألماني، خصوصًا في ما يتعلّق بالتسهيلات اللوجستية المرتبطة بالقواعد الأمريكية داخل الأراضي الألمانية، فيما شدّد ميرتس على أهمية التنسيق بشأن المرحلة المقبلة وتداعيات أي تصعيد محتمل على الأمن الأوروبي والدولي.

هذا اللقاء أعاد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا جديدًا: ما هو الدور العسكري الحقيقي لألمانيا اليوم؟ وهل يمكن أن تعود قوة عسكرية كبرى كما كانت في فترات تاريخية سابقة، أم أن السياق السياسي والتحالفات الحالية يحددان سقف هذا الطموح سلفًا؟

الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا: بين الردع والحساسية السياسية

يُعدّ الوجود العسكري للولايات المتحدة في ألمانيا عنصرًا أساسيًا في معادلة الأمن الأوروبي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. تنتشر قوات أمريكية في عدة قواعد داخل الأراضي الألمانية، أبرزها قاعدة Ramstein Air Base التي تُعتبر مركزًا لوجستيًا وجويًا محوريًا للعمليات الأمريكية في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا.

      حاملة طائرات أمريكية في مضيق هرمز

هذا الوجود لا يعني تبعية ألمانية كاملة، بل يأتي في إطار اتفاقيات دفاعية طويلة الأمد تخدم مصالح الطرفين، من الردع العسكري إلى تقاسم الأعباء داخل حلف شمال الأطلسي. لكنه في الوقت نفسه يجعل برلين متأثرة سياسيًا بأي تحرك عسكري أمريكي ينطلق من أراضيها، ويضعها في موقع حساس بين التزاماتها الاستراتيجية ضمن الناتو، وبين مزاج رأي عام داخلي يميل في غالبيته إلى تجنب الانزلاق في حروب جديدة.

الجيش الألماني اليوم: تحديث متسارع تحت سقف التاريخ

تمتلك ألمانيا اليوم جيشًا محترفًا يُعرف باسم البوندسفير، يضم عشرات الآلاف من الجنود، ويعتمد على معدات حديثة مثل دبابات ليوبارد 2، وطائرات يوروفايتر، وغواصات متطورة من طراز 212A. ورغم التطور التكنولوجي لهذه المنظومات، عانى الجيش لسنوات من نقص في التمويل والجاهزية، قبل أن تعلن الحكومات المتعاقبة عن استثمارات كبيرة لتحديث قدراته وتعزيز إنفاقها الدفاعي.

يتحدث بعض المحللين عن حاجة ألمانيا إلى ما بين خمس وعشر سنوات لتعزيز قدراتها بشكل ملموس وتحويل الاستثمارات الحالية إلى قوّة فعلية على الأرض. لكن من المهم التمييز بين بناء جيش دفاعي حديث قادر على حماية البلاد والوفاء بالتزامات برلين داخل حلف الناتو، وبين العودة إلى نموذج عسكري توسعي كما كان في حقبة الفيرماخت خلال الحرب العالمية الثانية. فالسياق السياسي والقانوني اليوم مختلف جذريًا، إذ يخضع الجيش لرقابة برلمانية صارمة، وتُقيَّد عمليات الانتشار الخارجي بجملة من الضوابط القانونية والدستورية.

      جيش ألماني قويّ

الثقافة السياسية والرأي العام: جيش قوي ومجتمع سلمي

تكشف استطلاعات الرأي في السنوات الأخيرة أن نسبة كبيرة من الألمان لا ترغب في المشاركة الشخصية في حرب، حتى لو تعرضت بلادهم لهجوم. هذا الموقف يعكس ثقافة مجتمعية متأثرة بذاكرة تاريخية ثقيلة، وميولًا واضحة نحو الحلول الدبلوماسية بدل العسكرية، مع حساسية خاصة تجاه استخدام القوة المسلحة خارج إطار الدفاع عن النفس أو التفويض الدولي.

لكن هذا لا يعني أن ألمانيا غير قادرة على الدفاع عن نفسها أو غير مستعدة لتحمل مسؤولياتها داخل المنظومة الغربية، بل يدل على أن المجتمع الألماني المعاصر يضع قيودًا أخلاقية وسياسية صارمة على استخدام القوة العسكرية. في المقابل، يزداد القبول برفع الإنفاق الدفاعي وتعزيز قدرات البوندسفير، شريطة أن يتم ذلك ضمن إطار دفاعي جماعي، وخاصة ضمن حلف الناتو والاتحاد الأوروبي.

خطاب متشدد دون استعداد لحرب طويلة؟

لم يقتصر حضور ميرتس في واشنطن على الكلمات الدبلوماسية التقليدية، بل استخدم خطابًا متشددًا تجاه النظام في طهران، فوصف ما يسميه “نظام الملالي” بأنه نظام يمارس الإرهاب ومسؤول عن عقود من القمع ودعم جماعات مسلّحة في المنطقة، وتحدّث صراحة عن ضرورة الوصول إلى “حكومة جديدة” في إيران، في ما يشبه تبنّيًا ضمنيًا لخطاب تغيير النظام.

  أولويات جديدة للجيش الأمريكي

هذا الخطاب ينسجم مع المزاج الأمريكي المتشدد، لكنه يطرح علامة استفهام حول مدى استعداد ألمانيا نفسها لتحمّل تبعات مثل هذا التموضع. فمن جهة، ألمانيا مجتمع لا يريد حروبًا طويلة الأمد، وجيشها مقيد سياسيًا ودستوريًا، وقدراتها العسكرية لا تزال في طور التحديث ولم تصل بعد إلى مستوى قوة عظمى مستقلة. ومن جهة أخرى، تتبنّى برلين مواقف صدامية تجاه قوى مسلّحة جيدًا مثل روسيا سابقًا، وإيران اليوم، من دون أن تكون لديها لا الإرادة الشعبية ولا البنية العسكرية لحرب مفتوحة مباشرة.

هنا يبرز سؤال مشروع: هل تمارس ألمانيا سياسة “القوة بالوكالة” عبر الاحتماء بالمظلة الأمريكية، أم أنها تنزلق تدريجيًا إلى منطق الصراع مع قوى كبرى من دون استعداد كافٍ؟

حرب بالوكالة وثمن داخلي باهظ

لا يقتصر الجدل في ألمانيا على الموقف من إيران فقط، بل يمتد إلى التجربة الأليمة مع روسيا عبر الحرب في أوكرانيا. فقد ساندت برلين، إلى جانب واشنطن، الجيش الأوكراني سياسيًا وماليًا وعسكريًا في مواجهة موسكو، من دون أن يتحقق حتى الآن حسم عسكري واضح على الأرض، بينما دفع الاقتصاد الألماني ثمنًا باهظًا لانقطاع الغاز الروسي وارتفاع أسعار الطاقة.

خلال السنوات التي تلت الغزو الروسي، تضاعفت تكاليف التدفئة والكهرباء والغاز بالنسبة للأسر والشركات، وتراجع النمو تحت ضغط فاتورة الطاقة والتضخم، ما جعل المواطن الألماني يشعر أن “حربًا بعيدة” تنعكس مباشرة في فاتورته الشهرية. في الوقت نفسه، يجد كثيرون في برلين مفارقة قاسية: فبينما تتحمل ألمانيا كلفة ارتفاع أسعار الطاقة وتقديم المساعدات لكييف في إطار تحالفها الغربي، تواجه صناعتها تهديدات متواصلة من الرسوم الجمركية الأمريكية التي يفرضها ترامب على الواردات الأوروبية، ومن ضمنها السلع الألمانية.

   المستشار الألماني مع زيلينسكي

هذه الرسوم، التي يراها خبراء ألمان “سمًّا لاقتصاد يمر أصلًا بمرحلة هشّة”، تضرب قطاع التصدير الذي يُعدّ أحد أعمدة النمو في ألمانيا، ما يعزز شعورًا متزايدًا داخل المجتمع بأن البلاد تتحمل أعباء التحالف من دون أن تجني فوائد واضحة للمواطن العادي.

هل تخشى الدول الأخرى عودة ألمانيا كقوة عسكرية؟ يُطرح أحيانًا تساؤل حول ما إذا كانت دول مثل فرنسا أو الولايات المتحدة قد تخشى عودة ألمانيا كقوة عسكرية كبرى في أوروبا. تاريخيًا، كان ميزان القوى الأوروبي حساسًا تجاه صعود أي قوة منفردة، وأدى ذلك في الماضي إلى حروب مدمّرة.

أما اليوم، فألمانيا دولة ديمقراطية مستقرة، وجيشها يخضع لرقابة برلمانية وقضائية صارمة، واقتصادها متشابك بعمق مع شركائها الأوروبيين والغربيين في شبكة مصالح متبادلة. إضافة إلى ذلك، فإن اندماج ألمانيا في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي جعل أي صعود عسكري ألماني يتم ضمن أطر جماعية، لا ضمن مشروع وطني منفرد أو مستقل عن بقية الحلفاء.

لذلك فإن الحديث عن “عودة ألمانيا إلى نموذج عسكري عدواني” يبدو أقرب إلى هواجس تاريخية منه إلى سيناريو واقعي في ظل النظام السياسي الحالي وتركيبة التحالفات التي تتحرك ضمنها برلين.

تنسيق استراتيجي.. ولكن

لقاء ميرتس وترامب في واشنطن يعكس تنسيقًا استراتيجيًا في لحظة توتر دولي، لكنه لا يعني تحوّل ألمانيا إلى قوة عسكرية هجومية أو خروجها عن إطارها التحالفي والديمقراطي.

ألمانيا اليوم قوة أوروبية كبرى تسعى إلى تعزيز قدراتها الدفاعية ضمن منظومة جماعية، مع مجتمع يميل إلى السلم ويضع حدودًا واضحة أمام أي انخراط عسكري واسع النطاق. التحدي الحقيقي أمام برلين لا يكمن في إعادة إنتاج قوة الماضي، بل في إيجاد توازن دقيق بين تحمل المسؤولية الأمنية داخل الناتو والاتحاد الأوروبي، والحفاظ على سيادتها الوطنية، واحترام دروس تاريخها الثقيلة ومتطلبات الاستقرار الدولي.

والسؤال لم يعد: هل يجب أن تصبح ألمانيا قوة عسكرية؟ بل: كيف تمارس هذه القوة دون أن تخون ذاكرة ماضيها وحدود حاضرها، ودون أن يدفع المواطن الألماني ثمن مغامرات لا تعود عليه بأي نفع ملموس؟

إضغط هنا لمزيد الأخبار

شاهد أيضا :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى