أحداثأهم الأحداثدولي

“مجلس سلام” ترامب… هل بدأ “الانقلاب” على الأمم المتحدة؟

غزة ــ  الرأي الجديد

أعاد الإعلان الأمريكي عن ما سُمّي بـ”مجلس السلام العالمي”، تسليط الضوء على التصدعات المتزايدة داخل المعسكر الغربي، وعلى التحولات الجارية في بنية النظام الدولي.

وبينما روّجت الإدارة الأمريكية للمبادرة بوصفها خطوة نحو سلام عالمي، كشفت قراءات سياسية وأكاديمية أن الإعلان يحمل في جوهره مؤشرات خيبة أمريكية، ومحاولات لإعادة إنتاج المركزية الدولية خارج الأطر التقليدية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، بما يعكس أزمة قيادة دولية أكثر مما يؤسس لمسار سلام حقيقي.

“خيبة أمريكية”.. مجلس بلا غطاء أوروبي

وأكد أستاذ تسوية النزاعات الإقليمية والدولية علي الأعور أن إعلان ما يُسمّى بـ«مجلس السلام العالمي» عكس بوضوح حالة خيبة أمل أمريكية، ولا سيما لدى الرئيس دونالد ترامب، على خلفية الغياب الأوروبي اللافت عن مراسم الإعلان التي عُقدت في دافوس.

وأوضح الأعور في حديث ل”قدس برس” أن ترامب كان يتوقع مشاركة دولية أوسع وحضورًا أوروبيًا وازنًا يشمل بريطانيا وفرنسا وألمانيا، إلا أن الحضور اقتصر على أقل من عشرين دولة، غالبيتها من الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية.

وأشار الأعور إلى أن هذا الغياب الأوروبي لا يمكن قراءته بوصفه تفصيلًا بروتوكوليًا، بل يعكس موقفًا سياسيًا واعيًا ينطوي على رفض أو تحدٍّ أوروبي لسياسات ترامب الخارجية عمومًا، ولسياساته في الشرق الأوسط على وجه الخصوص. واعتبر أن امتناع أوروبا عن المشاركة يُضعف فرص تحويل هذه المبادرة إلى إطار دولي جامع، ويُبقيها محصورة في السياق الغزّي دون أفق عالمي حقيقي.

دول المجلس لا تمثل نموذجًا ديمقراطيًا

وفي هذا السياق، انتقد الأعور التصريحات المتفائلة التي أطلقها ترامب بشأن «بدء سريان السلام في العالم»، مؤكدًا أن السلام والأمن الدوليين لا يُصنعان عبر كيان سياسي مستحدث، بل يقومان على مرجعيات راسخة، في مقدمتها الأمم المتحدة وميثاقها والقانون الدولي.

ولفت إلى أن الدول المشاركة في الإعلان، بحكم أنظمتها السياسية، لا تمثل نموذجًا ديمقراطيًا ولا تشكل حاضنة حقيقية لمشروع سلام عالمي، إذ إن معظمها دول سلطوية تسعى قياداتها إلى تثبيت شرعيتها الداخلية أكثر من سعيها لتحقيق سلام دولي شامل، في ظل معارضة داخلية تدركها الإدارة الأمريكية جيدًا.

كما وصف الأعور المشاركة الإسرائيلية بأنها «رمزية» ومحدودة التأثير، موضحًا أن حضور الرئيس الإسرائيلي جاء دون أي تصريحات سياسية ذات دلالة، فيما لا يمتلك بعض المشاركين الإسرائيليين، رغم مواقعهم الوزارية، صلاحية اتخاذ قرارات استراتيجية في هذا الملف، بما يعكس تحفظًا إسرائيليًا واضحًا وغياب حماسة حقيقية للمبادرة.

وبين الأعور أن ثمة مخاوف جدية لدى عدد من دول الشرق الأوسط من السياسات التي ينتهجها ترامب، القائمة على منطق القوة وفرض الإرادة على الشعوب ومقدراتها، مشددًا على أن هذا النهج لا يمكن أن يقود إلى سلام عالمي مستدام.

وأضاف أن الغياب الأوروبي قد يشكّل بداية موقف سياسي مضاد أو تحدٍّ مباشر لهذه السياسات، بانتظار ما ستعلنه العواصم الأوروبية والاتحاد الأوروبي رسميًا في المرحلة المقبلة، ليبقى الإعلان – حتى الآن – تعبيرًا عن خيبة أمريكية أكثر منه خطوة حقيقية نحو سلام دولي.

بديل “الأمم المتحدة”.. هندسة نظام عالمي جديد

من جهته، رأى أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية رائد النعيرات أن الجدل المتصاعد حول تراجع مركزية الحضارة الغربية بات واضحًا في السنوات الأخيرة، لا سيما مع وصول دونالد ترامب إلى السلطة وتبنيه تصورات مختلفة في إدارة العلاقات الدولية، سواء تجاه حلف الناتو أو حيال مفاهيم راسخة حكمت النظام الدولي لعقود.

وأوضح النعيرات في حديث لـ”قدس برس” أن الحديث عن «مجلس السلام العالمي» يندرج ضمن هذا التحول، مشيرًا إلى أنه لم يعد موضع شك أن ترامب يسعى إلى تقديم هذا المجلس بوصفه بديلًا عمليًا لمركزية الأمم المتحدة.

وأضاف أن هذا التوجه عبّر عنه صراحة مسؤولون إسرائيليون وعدد من أقطاب النظام الدولي القائم، معتبرين أن العالم يتجه نحو إعادة بناء منظومة دولية جديدة تحل محل الأمم المتحدة بصيغتها الحالية.

واشنطن تواجه قوى دولية صاعدة

وبيّن النعيرات أنه رغم امتلاك الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) داخل مجلس الأمن، فإنها باتت تواجه أدوات تعطيل موازية وقوى دولية صاعدة، وهو ما يدفع إدارة ترامب إلى محاولة تكريس نفسها بوصفها المتحكم الأول والأخير في النظام الدولي.

واعتبر أن هذا التوجه يتجلى بوضوح في مشروع «مجلس السلام» الذي أعلن عنه ترامب.

وأشار النعيرات إلى أن ترامب تحدث في دافوس عن أن هذا المجلس سيبدأ عمله من غزة، على أن يتوسع تدريجيًا إلى مناطق أخرى، في إشارة تعكس سعي الإدارة الأمريكية لإعادة هندسة النظام الدولي انطلاقًا من بؤر الصراع، وبما يخدم رؤيتها الأحاديةع لإدارة العالم.

ووقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخميس على الميثاق التأسيسي لـ”مجلس السلام” في دافوس بحضور عدد من قادة وممثلين دول.

 

شاهد أيضا :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى