أحداثأهم الأحداثدولي

السعودية والإمارات تتباعدان في اليمن: من التحالف إلى التنافس

كانت السعودية والإمارات لسنوات طويلة الحليفين الرئيسيين في التحالف العربي ضد الحوثيين، لكنهما اليوم تتبعان مصالح تنافسية مختلفة تماماً في سياق الأزمة اليمنية.

كانت السعودية والإمارات لسنوات طويلة الحليفين الرئيسيين في التحالف العربي ضد الحوثيين، لكنهما اليوم تتبعان مصالح تنافسية مختلفة تماماً في سياق الأزمة اليمنية. تركز الإمارات على دعم المجلس الانتقالي الجنوبي، سعياً لتوسيع نفوذها الاقتصادي والعسكري في المناطق الجنوبية والشرقية من اليمن، بما في ذلك السيطرة على الموانئ والحقول النفطية والمواقع الاستراتيجية. أما السعودية فتركز على دعم حلفائها، وتخشى أن يؤدي صعود المجلس الانتقالي الجنوبي إلى الإضرار بأمن حدودها ومصالحها التاريخية في جنوب اليمن.

وحسب مقال للمحلل السياسي الإيراني كامران كرمي، في صحيفة “دنياي اقتصاد” الإيرانية، في هذا السياق، استهدفت القوات السعودية مباشرة قوى مدعومة إماراتياً، وهددت أبوظبي بالانسحاب الفوري من اليمن. وهي تطورات غير مسبوقة تعكس انتقال الحليفين من التعاون إلى التنافس الاستراتيجي داخل الساحة اليمنية.

من التحالف التكتيكي إلى التناقض الاستراتيجي

ولفهم سلوك السعودية والإمارات اليوم في اليمن، يجب التفريق بين التحالف التكتيكي السابق والتباين الاستراتيجي الحالي. تشكل تحالف الرياض-أبوظبي منذ البداية ليس على أساس تقارب طويل الأمد، بل بناءً على مشترك في موازنة التهديدات (الحوثيون ونفوذ إيران). مع تغير البيئة الاستراتيجية الإقليمية وتراجع أولوية الحرب الشاملة، برزت الخلافات الكامنة.

ترى السعودية اليمن جزءاً من عمق أمنها القومي، وتهدف إلى يمن موحد وضعيف لكنه قابل للإدارة؛ يمن لا يشكل تهديداً حدودياً ولا يتحول إلى مركز نفوذ للاعبين منافسين. أما الإمارات فتعرف اليمن في إطار الجيوبوليتيك البحرية والاقتصاد السياسي للموانئ. دعم المجلس الانتقالي الجنوبي، والسيطرة غير المباشرة على الموانئ، والنفوذ في الهياكل المحلية، كلها جزء من استراتيجية أبوظبي الأوسع لتثبيت دورها في القرن الأفريقي وباب المندب وطرق الطاقة. في هذا الإطار، يُعد المجلس الانتقالي الجنوبي ليس مجرد لاعب يمني، بل أداة توازن إماراتية أمام النفوذ السعودي التاريخي في اليمن.

تطورات اليمن في الجيوبوليتيك الشرق أوسطية
يجب تحليل تطورات اليمن على ثلاثة مستويات لفهم الديناميكيات في شبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي:

أ) انعكاس تغير النظام الإقليمي: تراجع الالتزام الأمني الأميركي، وتعدد دور اللاعبين المتوسطين، وأولوية المصالح على التحالفات متعددة الأغراض، دفع حتى الحلفاء المقربين إلى مرحلة التنافس. من هذا المنظور، يُعد الخلاف السعودي-الإماراتي في اليمن علامة على هذا الانتقال، وقد يحدد اتجاهات النظام الإقليمي الناشئ.

ب) أمن الطاقة والملاحة البحرية: جنوب اليمن وباب المندب ليسا ملفاً منفصلاً؛ أي عدم استقرار فيهما يؤثر مباشرة على أمن الشحن، وسلسلة الطاقة، والمنافسات البحرية في البحر الأحمر. ومع ذلك، ترى الإمارات الوصول إلى الموانئ والجزر اليمنية محركاً لنفوذها طويل الأمد في المنطقة.

من التحالف إلى الحرب الممكنة
أضعف التقابل بين الرياض وأبوظبي فعلياً فكرة “يمن موحد ما بعد الحرب”، وعزز سيناريو التجزئة الفعلية؛ حالة ليست سلاماً كاملاً ولا حرباً شاملة، بل تعليق هيكلي. تشير التطورات الميدانية الأخيرة إلى أن التوتر تجاوز الخلافات السياسية ودخل مرحلة الضغط الشديد. ومع ذلك، يتطلب التحليل الواقعي التفريق بين “التصعيد المتحكم فيه” و”المواجهة الشاملة”.

تكمن جدية التقابل في عوامل مثل تجاوز السعودية سياسة إدارة الخلافات خلف الكواليس وإصدار إنذار علني، وممارسة ضغط عسكري محدود وموجه ضد قوى موالية للإمارات، وتوافق الحكومة اليمنية الشرعية مع موقف الرياض.

لكن لماذا لا يُرجح تحول هذه العوامل إلى حرب مباشرة؟ الإجابة في التكلفة الاستراتيجية العالية. مواجهة مباشرة بين القوتين الرئيسيتين في الخليج ستضعف الهيكل الأمني لمجلس التعاون ككل. كما أن الاعتماد المتبادل الاقتصادي والسياسي عامل آخر في حسابات البلدين، من سوق الطاقة إلى الاستثمارات المشتركة، حيث تكون تكلفة الانفصال باهظة للطرفين.

أما العامل الثالث فهو ضغط اللاعبين خارج الإقليم. لا ترغب الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون في فتح جبهة عدم استقرار جديدة في الخليج. لذا، السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس الحرب، بل تنافس استنزافي ومتحكم فيه عبر القوى بالوكالة؛ تنافس قد يولد فترة من عدم الاستقرار المزمن في جنوب اليمن، دون الوصول إلى مواجهة مباشرة بين الرياض وأبوظبي.

خلاصات
إنّ ما يجري اليوم في جنوب اليمن ليس أزمة عابرة، بل انعكاس لتباين استراتيجي بين قوتين خليجيتين. التقابل جدي، لكنه على الأرجح سيظل متحكماً فيه وغير مباشر. تحول اليمن تدريجياً من ساحة حرب بالوكالة ضد الحوثيين إلى ميدان تنافس داخلي بين الحلفاء. النتيجة النهائية ستكون زيادة عدم الاستقرار المزمن، وتعقيد أي مشروع سلام مستدام في اليمن. لذا، يجب اعتبار الإنذار السعودي محاولة لإعادة تعريف الخطوط الحمراء، ومنع تحول نفوذ الإمارات إلى واقع سياسي-أمني مثبت في جنوب اليمن.

عن “ميدل إيست نيوز”

إضغط هنا لمزيد الأخبار

شاهد أيضا :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى