الهدنة بين أمريكا وإيران: هل أنهت الحرب أم أجلت انفجارها ؟

طهران ــ الرأي الجديد
كان الرئيس الأمريكي، يطالب إيران قبل أسابيع قليلة بالاستسلام “غير المشروط”، لكنه أعلن “بكل فخر” فجر اليوم عن هدنة لمدة أسبوعين بناءً على خطة إيرانية من 10 نقاط.
وأشار إلى أنه تم الاتفاق بشأن جميع نقاط الخلاف السابقة تقريبا بين أمريكا وإيران، مؤكدا أن الولايات المتحدة حققت جميع أهدافها العسكرية.
وبينما أكدت إيران أنها ستوقف جميع العمليات العسكرية إذا التزمت الأطراف بوقف إطلاق النار، قال المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني بوضوح: “نؤكد أن هذا لا يعني إنهاء الحرب”، مضيفا: “أيدينا لا تزال على الزناد”.
فهل تعني الهدنة بالفعل بداية لنهاية الحرب، أم هي مجرد استراحة محسوبة قبل جولة تصعيد أكثر عنفا؟
وتستعرض نيويورك تايمز ونيوزويك وغارديان وكريستيان ساينس مونيتور إجابات مختلفة، إذ يرى بعضها القرار “مخرج طوارئ مؤقت” وأن جذور الحرب باقية، بينما يؤكد آخرون أن ترمب مستمر في طريقه وفق إستراتيجية “الرجل المجنون”، وأمامه تحديات كبيرة الآن.

الهدنة مخرج طارئ
يرى تحليل لمراسل صحيفة نيويورك تايمز ديفيد سانغر، أن الهدنة التي أعلنها ترمب لم تكن اختراقا إستراتيجيا، بل جاءت كـ”مخرج طوارئ” من موقف حرج فرضته تطورات الحرب.
فالتصعيد الحاد في الخطاب والتهديدات القصوى لم يكن هدفها الحسم بقدر ما كانت وسيلة للبحث عن طريق للخروج من مأزق متصاعد سياسيا وعسكريا، وفق تعبير الصحفي المتخصص في تغطية إيران والرؤساء الأمريكيين.
وفي هذا الصدد ذكر تقرير نشرته صحيفة غارديان البريطانية تعبير تشاك شومر، زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، عن سعادته “لأن ترمب تراجع عن موقفه ويبحث الآن بشكل يائس عن أي مخرج من هرائه السخيف”.
ويعدد سانغر مجموعة من العوامل التي تضغط على موقف ترمب، أولها صمود إيران بشكل لافت، إذ أظهرت قدرة على امتصاص آلاف الضربات ومواصلة حرب غير متكافئة، عبر تعطيل إمدادات النفط وشن هجمات سيبرانية، مما أضعف فكرة الحسم السريع.
أما العامل الثاني فهو اضطراب الاقتصاد العالمي، حيث أدى إغلاق مضيق هرمز إلى تهديد إمدادات الطاقة ورفع الأسعار، مما زاد الضغط على الإدارة الأمريكية داخليا.
كما كان للقلق الإقليمي دور في التأثير في قرارات ترمب، إذ تصاعد قلق دول الخليج من الضربات الإيرانية للبنية التحتية، مع وقوع إصابات في بعض الأحيان.
وأخيرا، فإن الانقسام السياسي الداخلي كان عامل ضغط، إذ واجه ترمب بعض الانتقادات من قاعدته -من نائبه جيه دي فانس إلى حركة “ماغا”- بسبب التورط في حرب كان قد تعهد بتجنبها.
جذور الحرب قائمة
ورغم أن الهدنة ساهمت في تهدئة الأسواق مؤقتا وإعادة تدفق بعض الموارد، فإنها لم تعالج جذور الصراع.
فلا يزال البرنامج النووي الإيراني قائما بمخزون كبير من اليورانيوم المخصب، ولم تتغير بنية النظام الإيراني، ولا يزال الحرس الثوري لاعبا رئيسيا في المشهد.
بل إن الحرب -بحسب المحلل- كانت لها نتائج عكسية على الرغم من أنها تبدو “نجاحا” على المدى القريب، فقد أصبح مضيق هرمز تحت سيطرة إيران، على عكس السابق، وتعمقت فجوة الثقة بين الطرفين بما يقوض المفاوضات أكثر.
ومن ثم، تبدو الهدنة خطوة تكتيكية لتخفيف الضغط أكثر من كونها حلا حقيقيا، إذ خرجت واشنطن من لحظة حرجة دون أن تغيّر معادلة الصراع، مما يجعل احتمالات التصعيد قائمة ما بقيت أسبابه الأساسية دون معالجة.

“منفذ” ضروري لترمب
وافقت مجلة نيوزويك المحلل، وقالت إن “الأخبار الجيدة” المتمثلة في الهدنة وانخفاض أسعار النفط قد تكون قصيرة الأمد ومحفوفة بالأخطار السياسية والاقتصادية.
وأوضحت أن تراجع شعبية ترمب واقتراب انتخابات التجديد النصفي يجعلانه في سباق مع الزمن؛ فإذا لم يتحسن الاقتصاد سريعا، فقد يفقد الجمهوريون السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، مما قد يعرضه لمحاكمة عزل ثالثة.
ولفتت إلى أن انخفاض أسعار عقود النفط الآجلة لا يعني انخفاضا فوريا في أسعار البنزين للمواطن الأمريكي، حيث تحتاج المحطات لأسابيع لتصريف المخزون الذي اشترته بأسعار مرتفعة، وقد تنتهي الهدنة قبل أن يشعر المواطن بالراحة المالية.
ووصفت المجلة الوضع بأنه “هشّ”، مشيرة إلى أن إيران لم تقبل الهدنة إلا بوصفها إجراء مؤقتا، مما يجعل أي مكاسب اقتصادية حققها ترمب مهددة بالانهيار في حال استئناف العدائيات بعد 14 يوما.
ونصحت نيوزويك الإدارة بالحذر في إدارة المفاوضات إذا ما كانت تريد تجنب استمرار معاناة الأمريكيين، والمجازفة بمكانتها السياسية.
إستراتيجية “الرجل المجنون”
ويقدم موقع كريستيان ساينس مونيتر الأمريكي قراءة مختلفة للهدنة، إذ يرى أنها جزء من إستراتيجية “الرجل المجنون” التي كثيرا ما يتبعها ترمب في ولايته الثانية.
ونظرية الرجل المجنون مفهوم إستراتيجي في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، تقوم على توظيف السلوك غير المتوقع أو اللاعقلاني بشكل محسوب لتعزيز النفوذ وإرباك الخصوم.
وتنطبق النظرية على تصرفات ترمب في إيران وفي حرب التعريفات الجمركية؛ فبداية يهدد الرئيس باتخاذ إجراء دراماتيكي بهدف كسب نفوذ على الطرف الآخر، ثم يعلن عن صفقة أو إحراز تقدم كافٍ يستحق تأجيل السياسة المتخذة، طبقا للتقرير.
وقد يشير ذلك إلى أن الصراع لم ينتهِ بالضرورة، بل أُجِّل مقابل مكاسب تفاوضية، مع أن التقرير لم يجزم بذلك.
ويرى بعض الخبراء، مثل البروفيسور أندرو لاثام، أن هذا الأسلوب قد يؤدي إلى نتائج عكسية، فكثرة التكرار تقوض جدية وفاعلية التهديدات، وقد “تتحول إلى مجرد ضجيج بالخلفية”، مما يضعف استخدامها أداة ضغط سياسية.

غير أن الخطر الحقيقي لهذه الإستراتيجية -وفق الخبراء- هو أنها قد تخرج عن السيطرة، وتؤدي إلى تصعيد غير محسوب.
فقد أدت كثرة تراجع ترمب عن قراراته إلى عودة عبارة “تاكو” الساخرة (وهي اختصار بالإنجليزية لعبارة “ترمب دائما يتراجع”)، مما أثار غضبه، وكان من الممكن أن يحفزه ذلك لتنفيذ تهديده والهجوم على إيران، بحسب التقرير، لكنه تراجع مرة أخرى في النهاية.
وتبدو الهدنة إذن -وفق تحليل كريستيان ساينس مونيتر- على أنها “تعليق مؤقت للهجمات”، يخدم هدف ترمب في إيجاد “غموض إستراتيجي” للحصول على تنازلات، مما يجعل احتمال الانفجار مستقبلا قائما إذا فشلت مفاوضات إسلام آباد.
آراء الساسة الأمريكيين
وتمتد الحيرة والقلق إلى أروقة صنع القرار في واشنطن، إذ أكد تقرير نشرته نيويورك تايمز أن إعلان الهدنة قوبل بارتياح واسع داخل الكونغرس من الحزبين، لكنه فتح في الوقت نفسه بابا كبيرا من التساؤلات، خاصة لدى الديمقراطيين، بشأن مستقبل الصراع ومساره السياسي.
فمن جهة، رحّب مشرعون من الحزبين بوقف التصعيد بعد أسابيع من الحرب، معتبرين أن التهدئة خطوة ضرورية لتفادي مزيد من التدهور.

لكن في المقابل، صعّد الديمقراطيون انتقاداتهم، مشيرين إلى غياب سياسة متسقة وهادفة للحرب منذ بدايتها، وغياب تفويض من الكونغرس.
وحذّرت جين شاهين، كبيرة الديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، من أن التصعيد ربما يكون قد شجّع إيران على تسريع تطوير برنامجها النووي بدلا من ردعها.
بينما شككت النائبة الديمقراطية ألكساندريا أوكاسيو كورتيز في أسس الهدنة، قائلة إن “هذا الاتفاق لمدة أسبوعين لا يغير شيئا. لقد هدد الرئيس بإبادة جماعية ضد الشعب الإيراني، ولا يزال يستغل هذا التهديد”.
أما في المعسكر الجمهوري، فبدا الموقف أكثر تحفظا في البداية، إذ التزم قادة بارزون الصمت حيال قرار التهدئة، رغم دعمهم السابق للتصعيد.
واكتفى رئيس مجلس النواب مايك جونسون بإعادة نشر إعلان وقف إطلاق النار على منصة إكس دون تعليق.
ومع ذلك، عبّر بعض الجمهوريين عن دعمهم للهدنة، فبحسب تقرير غارديان، اعتبر الكثيرون أنها تجسد نهج “السلام عبر القوة”.
ونقلت عن السيناتور الجمهوري ريك سكوت قوله إن الهدنة نتاج قيادة قوية تضع “السلام من خلال القوة” فوق سياسات الاسترضاء، واصفا القرار بأنه خطوة أولى وضرورية لمحاسبة إيران.
موقف حرج
ومع انقسام المشرعين بين مؤيد ومعارض، لفت تحليل سانغر إلى أن التحدي الحقيقي أمام الرئيس الأمريكي لم يعد فقط تثبيت الهدنة، بل إثبات أن الحرب نفسها كانت مبررة وأنتجت نتائج أفضل من البدائل الدبلوماسية.
ويشير الكاتب إلى أن على ترمب تحقيق هدفين أساسيين في الأيام القادمة لإثبات ذلك: أولا، إنهاء سيطرة إيران على مضيق هرمز، وضمان حرية الملاحة فيه، وثانيا، تقليص فرص امتلاكها سلاحا نوويا.
غير أن المؤشرات الأولية لا تبدو مطمئنة، إذ قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن العبور الآمن عبر مضيق هرمز سيكون ممكنا لأسبوعين من خلال التنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية.

ويؤكد التحليل أن التفاوض مع إيران تاريخيا استغرق سنوات، كما حدث في الاتفاق النووي عام 2015 الذي أُبرم في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، وأخذ إنجازه -في وقت السلم- سنتين ونصفا (وانسحب منه ترمب لاحقا)، مما يزيد صعوبة تحقيق اختراق سريع في ظل أجواء الحرب الحالية.
وفي هذا السياق، يواجه ترمب اختبارا حاسما: فإذا لم يتمكن من إخراج اليورانيوم المخصب من إيران، أو فرض قيود على برنامجها الصاروخي، فسيكون قد حقق نتائج أقل مما حققته دبلوماسية أوباما، رغم الكلفة الباهظة للحرب.
وفي المحصلة، تحذر التقارير من أن نتائج الهدنة غير مضمونة، بل قد تنتهي بوضع أسوأ مما كان قبل الحرب إذا لم تُحقق الولايات المتحدة أهدافها الأساسية.
















