أحداثأهم الأحداثدولي

فايننشال تايمز: الحرب على إيران ستجر أمريكا إلى مستنقع جديد

واشنطن ــ  الرأي الجديد

نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تقريرا قالت فيه إن هجوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إيران يخاطر بجر الولايات المتحدة إلى “مستنقع” الشرق الأوسط.

وأضافت أن الحرب وبعد ثلاثة أسابيع على شنها، بعيدة كل البعد عن النهاية. هذا رغم ما يقوله ترامب من تدمير القدرات العسكرية الإيرانية وقتل القيادات وقصف آلاف المواقع في جميع أنحاء إيران.

وقال ترامب هذا الأسبوع إن حملة الولايات المتحدة وإسرائيل كانت ناجحة لدرجة أنه اعتبرها “منتهية إلى حد كبير في اليومين أو الثلاثة أيام الأولى”. ومع ذلك، تواصل إيران إلحاق أضرار واسعة النطاق في جميع أنحاء الخليج العربي، مما يزيد مخاوف توسع الحرب الإقليمية إلى أزمة طاقة عالمية. وفي يوم الجمعة، قال ترامب إن الولايات المتحدة “قريبة جدا” من تحقيق أهدافها، بينما كان يفكر في “إنهاء” الحرب.

مضيق هرمز.. أحد أهم طرق تجارة الطاقة

ومع ذلك لا يزال مضيق هرمز، أحد أهم طرق تجارة الطاقة في العالم، مغلقا إلى حد كبير. وقد ارتفعت أسعار النفط في بعض أنحاء العالم إلى مستويات قياسية، ويحذر تجار الطاقة من “نهاية العالم”.

فيما أكدت تولسي غبارد، مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية، أمام الكونغرس هذا الأسبوع، أن النظام الذي وعد ترامب الشعب الإيراني بأنه “سيسلم إليه” ما زال “سليما” إلى حد كبير، ومستعدا لإعادة التسلح والتعافي بمجرد انتهاء الحرب.

وحتى الصقور المؤيدون للحرب ضد إيران، يشعرون بالقلق إزاء مسارها. ونقلت الصحيفة عن جون بولتون، مستشار ترامب السابق للأمن القومي، وأحد الصقور المعروفين، قوله إنه كان مؤيدا لتغيير النظام بداية الحرب، ولكن عندما “لا تنجز المهمة، ينتهي بك الأمر بنظام قد يكون منهكا، لكنه يعود فورا إلى ما كان يفعله سابقا”.

وحتى الآن، قتل ثلاثة عشر جنديا أمريكيا، فيما يدرس البيت الأبيض نشر قوات برية، وتوجيه 2500 جندي إلى الشرق الأوسط. كل هذا يثير قلق أعضاء الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه ترامب، والذين يتعين عليهم الآن تبرير ارتفاع أسعار الوقود بنسبة 33% بالتزامن مع حملتهم الانتخابية لانتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.

تمويل إضافي لمجهود الحرب

وأعلن البنتاغون يوم الخميس أنه طلب من الكونغرس 200 مليار دولار إضافية لتمويل المجهود الحربي، وهو ما يعادل تقريبا الميزانية المخصصة لوزارات التعليم والصحة والإسكان. وقد فاز ترامب في سباقين انتخابيين للرئاسة، وذلك باستغلاله، جزئيا، مشاعر المرارة والخيانة التي شعر بها الناخبون تجاه حكومتهم بعد سنوات من الحرب في العراق وأفغانستان، والتي أودت بحياة آلاف الأمريكيين وكلفت تريليونات الدولارات.

قال ترامب في عام 2019: “أسوأ خطأ ارتكبته الولايات المتحدة على الإطلاق، في رأيي، هو غزو الشرق الأوسط. إنه مستنقع”. والآن، كما يقول إيلان غولدنبرغ، المستشار السابق لشؤون الشرق الأوسط في إدارتي بايدن وأوباما، فإن الرئيس الذي يتبنى شعار “أمريكا أولا” قد صنع بنفسه “وصفة للمستنقع”. في حين أن مبرر جورج دبليو بوش لغزو العراق عام 2003 كان مضللا، إذ علق ترامب قبل 14 عاما قائلا: “لم تكن لديهم أسلحة دمار شامل”، إلا أن الإدارة الحالية تكافح حتى لتحديد سببى واحد للهجوم على إيران.

وتشمل الأسباب التي ساقها ترامب منع طهران من امتلاك سلاح نووي نهائيا، وإنهاء دعمها للإرهاب. لكن، هذه الأسباب فضفاضة وغير محددة لدرجة أن “إدارة ترامب وضعت لنفسها شروطا مستحيلة”، على حد قول غولدنبرغ. ومن بين الأهداف، على سبيل المثال، استئناف تدفق الطاقة وحماية الأصول الأمريكية والحلفاء. لكن “كل ما يحتاجه الإيرانيون هو إحداث فوضى كافية” لمنع ذلك، بحسب غولدنبرغ.

ويرى المحاربون السابقون بأن هناك مخاطر من توسع “حروب الشرق الأوسط الأبدية” الأمريكية. وقال رايان كروكر، سفير الولايات المتحدة لدى العراق وأفغانستان خلال الحروب الأمريكية، لـ”فايننشال تايمز”: “إيران تنتصر، بمجرد بقائها على قيد الحياة. وقد أثبتوا بوضوح قدرتهم على البقاء”.

تناقضات داخل البيت الأبيض

وتعلق الصحيفة أن الجدل الدائر في واشنطن حول تعريف الحرب كشف عن تناقضات. بالنسبة لترامب، فإن حربه “متقدمة جدا على الجدول الزمني” لكن لا يمكن التعجيل بإنهائها. وقال هذا الأسبوع: “لن يطول الأمر”. لكنه أضاف: “أعتقد أن علينا جعله أكثر ديمومة”. وقال إن الأسطول الإيراني أصبح “في قاع البحر”. لكن مجرد “التفكير” في وجود لغم كان كافيا لمنع السفن من عبور مضيق هرمز، على حد قول ترامب. ويقول إن إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية انخفض بنسبة 90%، وإن جيشها وقواتها الجوية “دُمرا”. لكن صواريخ إيران لا تزال تخترق الدفاعات الأمريكية. ويوم الخميس، أعلنت إيران “سبقا عالميا” في ضرب طائرة مقاتلة أمريكية من طراز إف-35.

وعاد ترامب وصرح الأسبوع الماضي بأنه يستطيع إنهاء الحرب الآن، وسيستغرق الأمر من إيران “10 سنوات” على الأقل لإعادة بناء ترسانتها. لكن إذا توقف الآن، فقد يضطر “رئيس آخر” إلى “خوض هذه التجربة” من جديد. ويصر مسؤولو الإدارة على أن الصراع المتصاعد يختلف عن حروب السنوات العشر الماضية.

وبحسب وزير الدفاع بيت هيغسيث يوم الخميس: “إن فكرة أننا نتجه بطريقة ما نحو هاوية لا نهاية لها أو حرب دائمة أو مستنقع، لا شيء أبعد عن الحقيقة من ذلك، هذه ليست تلك الحروب”.

ويعتقد نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، أن ترامب هو أذكى من أن يقع في أخطاء القادة الأمريكيين السابقين. وقال أمام جمهور في ميشيغان: “أضمن لكم أن رئيس الولايات المتحدة ليس مهتما بزجّنا في مستنقعات طويلة الأمد كتلك التي شهدناها في السنوات الماضية”. ويؤكد البيت الأبيض أن ترامب وضع أهدافا واضحة للعملية العسكرية، التي ستستمر حتى “يتأكد الرئيس من تحقيق أهداف العملية بالكامل، بما في ذلك إزالة التهديد العسكري الإيراني”.

خيارات الانسحاب محدودة

ومع ذلك يرى الخبراء والمسؤولون أن خيارات الانسحاب أصبحت محدودة للغاية، ولن يشعر أي منها بأنه انتصار أمريكي. فالانسحاب الآن سينقذ أرواحا وأموالا، لكنه سيبقي في السلطة نظاما إيرانيا أكثر تشددا وعسكرة من سابقه.

وقالت السناتور الديمقراطية إليسا سلوتكين، المحللة السابقة في وكالة المخابرات المركزية، لـ”فايننشال تايمز”: “لا يحتاج المرء إلى محلل في وكالة المخابرات المركزية ليدرك أننا لم ننتصر”. وقال آدم وينشتاين، محلل شؤون الشرق الأوسط في معهد كوينسي، إن نظاما ملتزما بإعادة البناء سيشكل “ضغطا كبيرا على إدارة ترامب والرؤساء الأمريكيين المستقبليين لمنع ذلك، وهو ما ينذر بحرب دائمة”.

ويقول مسؤولون آخرون إن عملية أمريكية مطولة لقمع أي رد فعل إيراني ستؤدي إلى خسائر فادحة.

وقال غولدنبرغ: “يكمن السبب في صعوبة مكافحة التمرد، وسبب تورطنا في هذه المستنقعات في العراق وأفغانستان، في أن مهمة مكافحة التمرد هي السيطرة التامة على كل شيء، ومنع المتمردين من التقدم”. لكنه أضاف: “كل ما يحتاجه المتمرد هو الظهور هنا وقتل بعض الأشخاص ثم الاختفاء”.

ويرى كروكر أن الخطر الحقيقي لنشوب مستنقع جديد شبيه بالعراق أو أفغانستان لن يظهر إلا إذا أرسل ترامب قوات برية إلى إيران. وأضاف: “لا أرى أننا سنقدم على هذه الخطوة. إذا فعلنا ذلك، فستكون كارثة حقيقية”. وقال ترامب يوم الخميس للصحافيين إنه “لن يرسل قوات برية إلى إيران”. مع أنه قدم تصريحات أخرى متناقضة لصحيفة “نيويورك تايمز” بأنه لم يتلق نصائح بنشر قوات أمريكية في إيران، وأنه سينشرها “إذا لزم الأمر”.

التكلفة ستحدد مسار الحرب

ولن يكون ترامب الوحيد الذي سيقرر متى تنتهي الحرب، فإيران ليس لديها دوافع تذكر لتقديم تنازلات لخصوم لا تثق بهم في حرب تعتبرها وجودية. فيما تسع الفجوة بين أهداف الحرب الأمريكية والإسرائيلية.

وقال ترامب يوم الجمعة بأنه لا “يرغب في وقف إطلاق النار” على الإطلاق. ومع ذلك، يعتقد العديد من المحللين أن ترامب قد يعلن النصر في مرحلة ما، بغض النظر عن الواقع أو حتى إن كان يعتقد ذلك، إذا ما أصبحت التكلفة، سواء في الأرواح أو الاقتصاد، باهظة للغاية.

وتابع كروكر، في إشارة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي: “أعتقد أن المسار الأرجح حينها هو وقف إطلاق نار فعلي، وليس معلنا، يليه إعلان ترامب النصر، وسيتعين عليه حينها الضغط على نتنياهو ليفعل الشيء نفسه”.

وسيؤدي ذلك أيضا إلى ترك بلد يبلغ تعداد سكانه 93 مليون نسمة في أزمة ومئات الكيلوغرامات من اليورانيوم عالي التخصيب مدفونة تحت الأنقاض وممرات ملاحية حيوية وبنية تحتية للطاقة عُرضة للاضطراب؛ ونظاما يائسا يريد ترسيخ سيطرته والانتقام. وقال غولدنبرغ: “جميع هذه الخيارات سيئة للغاية”. لكن هناك شيئا واحدا مؤكدا: “لقد دمر بالتأكيد فكرة أنه سيكون الشخص الذي سيخرجنا من حروب الشرق الأوسط”.

إضغط هنا لمزيد الأخبار

شاهد أيضا :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى