كيف يمكن للعالم أن يخلق فرص عمل لنحو 1.2 مليار عامل جديد؟

نيويورك ــ الرأي الجديد
في السنوات الخمس عشرة القادمة، سيبلغ 1.2 مليار شاب في البلدان النامية سن العمل، وهو مستوى لم يسبق للعالم أن شهده، ما يعني أنّنا مقبلون على مرحلة جديدة معقدة.
يواجه العالم موجات من التغيير والتحديات والقوى المختلفة والمتباينة، بعضها يتمثل في صدمات عالية التواتر، كالحروب، والتكنولوجيات الآخذة في التطور، وحالات الذعر في الأسواق، وهي صدمات تندفع سريعاً وتستحوذ على اهتمامنا. وفي المقابل، هناك قوى منخفضة التواتر تتحرك ببطء ولكن بثبات دون توقف، مثل التحولات الديموغرافية، والعولمة، وشحّ المياه والغذاء.
اللافت أن الموجات عالية التواتر تبدو ملحة، بينما تعيد الموجات منخفضة التواتر تشكيل النظام العام.
هذا لا يعني ألا نلقي بالاً للأزمات، لكن لا يمكننا السماح لأنفسنا بأن نكون ضحايا لعمليات الاستنزاف والحرق البطيئة فقط لأن الأزمة العاجلة والملحة أشد وطأة أو تهيمن على مجريات الأمور. وإذا تجاهلنا هذا الحرق البطيء لفترة طويلة، فسيتحول الأمر إلى جحيم.
تحديات التشغيل لافتة
جدير بالاعتبار أن إحدى هذه القوى بدأت تتحرك بالفعل، ففي السنوات العشر إلى الخمس عشرة القادمة، سيبلغ 1.2 مليار شاب في البلدان النامية سن العمل، وهو مستوى لم يسبق للعالم أن شهده. وبناءً على المسارات الحالية، يُتوقع أن توفر هذه الاقتصادات نحو 400 مليون وظيفة فقط خلال تلك الفترة، مما يترك فجوة هائلة.
وغالبا ما يُنظر إلى هذه المشكلة بوصفها تحدياً إنمائياً، وهي بالفعل كذلك، لكنها تمثل أيضاً تحدياً اقتصادياً، وتهديداً للأمن القومي للبلدان المعنية.
وكان اللافت في مؤتمر دافوس الذي انعقد الشهر الماضي هو مرور الكرام على هذه المشكلة، حيث كانت الأولوية للمشكلات القائمة في ذلك الوقت والتي طغت على هذه المشكلة، لكن لا ينبغي لنا تجاهلها في المنتديات المقبلة مثل مؤتمر ميونيخ للأمن ومجموعة السبع ومجموعة العشرين.
إننا إذا قمنا بالاستثمار المبكر في الناس ووفرنا لهم وظائف منتجة، فسيتمكن هذا الجيل الجديد من بناء حياة كريمة وسيصبح دعامة للنمو والاستقرار. أما إذا تقاعسنا، فإن النتائج المتوقعة ستكون : ضغط على المؤسسات، وهجرة غير شرعية، وصراعات، وزيادة انعدام الأمن جراء سعي الشباب إلى أي طريق متاح أمامهم.
خطة البنك الدولي
بدورها تتبع مجموعة البنك الدولي المسار الأول مدفوعة بذلك بالشعور بالمسؤولية العاجلة والملحة لاتخاذ ما يلزم، وذلك عبر الجمع بين التمويل العام والخبرات والمعرفة ورأس المال الخاص وأدوات إدارة المخاطر، وذلك في إطار إستراتيجية للوظائف تقوم على ثلاثة محاور.
أولا: إقامة البنية التحتية، سواء البشرية أو المادية، بوصفها الركيزة الأولى. فلا يمكن تحقيق الاستثمارات الخاصة وفرص العمل في غياب كهرباء موثوقة دون انقطاع ووسائل نقل فعالة وتعليم جيد وخدمات صحية مُيسّرة. وعلى الرغم من إدراك أهمية البنية التحتية المادية، يبقى الاستثمار في رأس المال البشري عاملاً لا يقل أهمية. فعلى سبيل المثال، يقوم مركز تنمية المهارات في بوبانسوار بالهند، الذي يحظى بدعم من الحكومة والقطاع الخاص، بتدريب نحو 38 ألف شخص سنوياً. وبفضل توافق البرامج التدريبية مع الطلب الفعلي في السوق، يحصل معظم الخريجين على وظائف، أو يشرعون في تأسيس أعمالهم وإقامة مشاريعهم الخاصة، مدعومين بتدريب على مستوى راقٍ في مجالات الهندسة والتصنيع والملكية الفكرية.
ثانياً، يتطلب تعزيز بيئة الأعمال الملائمة ووضع قواعد واضحة ولوائح تنظيمية مستقرة تحد من حالة عدم اليقين وتدعم تيسير ممارسة أنشطة الأعمال. ومما لاشك فيه أن فرص العمل تُخلق عندما يكون لدى رواد الأعمال والشركات الثقة اللازمة للاستثمار والتوسع، ويمكن تسهم الموارد العامة في تحفيز هذه الديناميكية.
غير أن خلق الوظائف على نطاق واسع يتطلب الاعتماد على القطاع الخاص، لا سيما الشركات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة التي توفر معظم فرص العمل.
ثالثا، دعم الشركات للتوسع. فنحن نعمل، من خلال مؤسساتنا المعنية بالقطاع الخاص، على توفير الاستثمارات المباشرة، والتمويل، والضمانات، وتأمين المخاطر السياسية. ومن بين النماذج الحديثة، منح ضمان لتمويل التجارة لدعم بنك البرازيل. هذا الضمان يتيح نحو 700 مليون دولار في صورة تمويل مُيسّر للشركات الصغيرة في البرازيل، وخصوصاً العاملة في القطاع الزراعي، مما يوجه الموارد المالية إلى الشركات التي تسهم في تعزيز النمو المحلي.
إننا نركز جهودنا في المجالات ذات الإمكانات الأكبر لتوليد فرص العمل، عبر خمسة قطاعات تساهم بشكل مستمر في توفير الوظائف على نطاق واسع: البنية التحتية والطاقة، والصناعات الزراعية، والرعاية الصحية الأولية، والسياحة، والصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة.
كما إننا لا نستغرق في النظريات المجردة، بل نستند إلى الشواهد الواقعية والتجارب الوطنية ونتجه إلى الخيارات الصعبة المتعلقة بالمجالات التي تحقق فيها الموارد المحدودة أكبر أثر ممكن، إنها معادلة تتسع للجميع، فمكسب طرف لا يعني خسارة الآخر.
2050.. البلدان النامية: القلب النابض
وبحلول عام 2050، سيعيش أكثر من 85% من سكان العالم في البلدان النامية. هذا لا يشكل أكبر توسع في القوى العاملة العالمية عبر التاريخ فحسب، لكنه أيضاً يمثل أكبر نمو للمستهلكين والمنتجين والأسواق المستقبلية. وسواء كانت الدوافع لتحقيق التنمية، أو إظهار الإيثار وإنكار الذات، أو عوائد تتحقق أو أمن يسقر، فإن لكل واحد منا دوره وجهده وإسهاماته وموارده التي يستثمرها وسيكون العائد مربح وعلى قدر العطاء.
والبلدان النامية ستستفيد من ذلك لأن الوظائف تولد دخلاً وتحقق استقراراً وكرامة، كما تعزز الطلب المحلي وتمنح الشباب حافزاً للاستثمار في مستقبلهم داخل أوطانهم بدلاً من البحث عن بدائل أخرى.
والشاهد أن البلدان المتقدمة ستستفيد أيضاً. فمع نمو الاقتصادات النامية، ستصبح أكثر قوة كشركاء تجاريين وركائز أكثر مرونة وقدرة على الصمود لدعم سلاسل الإمداد، كما ستصبح هذه الاقتصادات جيراناً أكثر استقراراً. أما النمو في هذه الأسواق فسيسهم في زيادة الطلب العالمي ويخفف الضغوط التي تؤدي إلى الهجرة غير الشرعية وانعدام الأمن، وهي نواتج تترتب عليها تكاليف اقتصادية وسياسية حقيقية تتجاوز الحدود بكثير.
القطاع الخاص.. والإصلاحات
وبالنسبة لمؤسسات القطاع الخاص، سواء المؤسسات المالية أو المشغلون، يشكل ذلك واحدة من أكبر الفرص خلال العقود القادمة. فالنمو السريع يعني استمرار الطلب على الطاقة، والأنظمة الغذائية، والرعاية الصحية، والبنية التحتية، والإسكان، والتصنيع.
إن القيود والمعوقات لم تكن يوماً ناتجة عن غياب الفرص، بل كانت دائماً مرتبطة بالمخاطر الفعلية والمُتصورة. وهنا يأتي الدور الداعم والتحفيزي للمؤسسات الإنمائية من خلال تمويل مشاريع البنية التحتية، ومساندة الإصلاحات التنظيمية، وتخفيف حدة المخاطر.
وإذا نجحنا في ذلك، فإن القوى منخفضة التواتر التي تشكّل العالم – مثل التحولات الديموغرافية في هذه الحالة – تتحول إلى محركات للنمو والاستقرار بدلاً من أن تكون مصدراً للتقلبات والمخاطر. وإذا أخفقنا، فستظل الأزمات تلاحقنا واحدة تلو الأخرى، وسيقتصر دورنا على ردة فعل لنواتج كانت جلية للعيان قبل سنوات، بل وحتى عقود.
إن الخيار ليس متعلقاً بما إذا كانت هذه القوى ستشكل المستقبل – فهي ستفعل. بل الخيار الحقيقي يكمن في اتخاذ ما يلزم مبكراً لتطويع هذه القوى نحو خلق الفرص وتعظيم الاستفادة منها، أو الوقوف مكتوفي الأيدي وبالتالي تخلق هذه القوى حالة من عدم الاستقرار.
هذا المقال نُشِر في الأصل في بلومبرغ باللغة الانجليزية.
إضغط هنا لمزيد الأخبار
















