أحداثأهم الأحداثدولي

الصحافة الإيرانية: دور الشرعية الشعبية في سقوط مادورو

تونس ــ  الرأي الجديد

يمكن لسلوك ترامب المتغطرس أن يؤدي إلى تشكيل تدريجي وغير رسمي لتحالف عالمي ضد الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي،على خلفية اعتقال الرئيس الفنزويلي.

هزت خطوة ترامب باعتقال رئيس دولة من مقر إقامته العالم وأشعلت ردود فعل مختلفة بين أوساط الرأي العالمي. فقد أظهر ترامب سابقًا أنه لا يولي أي احترام لقواعد النظام الدولي الليبرالي، الذي يضع السيادة الوطنية ومبدأ المساواة وسلامة أراضي الدول في صلبه وفق ميثاق الأمم المتحدة. ولا شك أن وجود مثل هذا الفرد على رأس دولة تمتلك أقوى اقتصاد، وأقوى قوة عسكرية، وأقوى أجهزة استخباراتية في العالم، يمثل ناقوس خطر لجميع دول العالم، حتى لحلفاء واشنطن.

يقول الدبلوماسي الإيراني السابق، كوروش أحمدي، في مقال لصحيفة شرق، إنه بعد هذا العمل العدواني، ما الضمان أن القوى الأخرى غدًا لن تعتبر نفسها محررة من التزامات القانون الدولي وتقدم على أعمال مماثلة؟ وفيما يلي بعض أبعاد ودروس هذا الحدث:

1 ـــ إن اقدام إدارة ترامب على اختطاف رئيس منتخب يمثل بلا شك انتهاكًا صارخًا وغير مسبوق للقانون الدولي. بغض النظر عن النقاشات المشروعة حول شرعية وحكم مادورو، لا شك أن هذا العمل قد انتهك ثلاثة مبادئ ملزمة وجامعة للقانون الدولي: منع العدوان المسلح، الحصانة العامة للدول، ومنع الاختطاف غير القانوني عبر الحدود.

خلال نحو 300 عام من تطوير القانون الدولي كواحد من أبرز إنجازات البشرية، كانت مثل هذه الانتهاكات من قبل قوة عظمى نادرة للغاية. هذا الإجراء يلحق ضررًا كبيرًا بالجهود الرامية إلى تطبيق حكم القانون على المستوى الدولي، وفي غياب إجراءات تعويضية، فإنه بلا شك يضر بالجميع. وبما أن القانون الدولي، رغم نقاط ضعفه، يشكل الملاذ الوحيد للدول الضعيفة والأقل قوة، فإنه من واجب هذه الدول احترامه والمساهمة في الحفاظ عليه.

2 ـــ هذا التطور، بحسب ما ستؤول إليه السياسة والحكم في فنزويلا، قد يؤثر على تنافس القوى الكبرى. فقد كانت فنزويلا خلال العقود الماضية قاعدة مهمة للصين وروسيا في نصف الكرة الغربي. وعجز هاتين القوتين العالميتين عن دعم مادورو، لا سيما بالنظر إلى تقاعسهما في حماية نظام الأسد في سوريا، يمثل خسارة كبيرة لهما. فالصين، بصفتها أكبر ممول لفنزويلا، تواجه الآن حالة عدم يقين كبيرة بشأن نحو 60 مليار دولار من استثماراتها في فنزويلا. ما يعني أن أي تحول جذري في هذا البلد قد يشكل تهديدًا لأمن الطاقة الصيني. علاوة على ذلك، فإن وقوع فنزويلا، صاحبة أكبر احتياطيات نفطية في العالم، ضمن المدار الأمريكي، قد يغير قواعد الجغرافيا السياسية للطاقة ويضعف قدرة أوبك وأوبك بلس على تحديد الأسعار. وإذا تمكنت الولايات المتحدة من تحقيق أهدافها النفطية في فنزويلا، فمن المتوقع أن ينخفض سعر النفط تدريجيًا.

يمكن لسلوك ترامب المتغطرس أن يؤدي إلى تشكيل تدريجي وغير رسمي لتحالف عالمي ضد الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي. فقد تلعب التيارات الليبرالية في أمريكا، والحكومات الليبرالية الديمقراطية في أوروبا ومناطق أخرى، إضافة إلى الحكومات اليسارية بمساعدة الصين، وإلى حد أقل روسيا، وكذلك المجتمعات والمنظمات المدنية الدولية، دورًا فعالًا في كبح جماح ترامب والتيار اليميني المتطرف العالمي. يمكن لهذا التحالف أن يذكّر بالتحالف المناهض للفاشية بين الغرب والاتحاد السوفيتي خلال الحرب العالمية الثانية. التيارات الليبرالية داخل أمريكا هي أول حائط ردع أمام ترامب. فقد أثبت فوز ممداني في الانتخابات الأخيرة لبلدية نيويورك، رغم معارضة ترامب واستخدام ممداني لوصفه بالفاشي، قوة التيارات الليبرالية الأمريكية في هذا الصدد. كما تظهر الاستطلاعات أن الديمقراطيين متقدمون بفارق 14٪ على حزب ترامب فيما يتعلق بالانتخابات النصفية في نوفمبر. وفي أوروبا، على الرغم من دعم ترامب العلني والشديد لليمين المتطرف، لم تتجاوز أصوات الأحزاب المتطرفة قناة 20 إلى 25٪ المعتادة. إن ضرورة تشكيل مثل هذا التحالف على المستوى العالمي تتطلب من دول مثل إيران إعادة النظر في سياساتها الخارجية بما يتوافق مع متطلبات المرحلة الجديدة والعمل بطريقة تدعم هذا التحالف. وبما أن القانون الدولي يشكل، رغم نقاط ضعفه، الملاذ الوحيد لهذه الدول، فإن احترامه والمساهمة في الحفاظ عليه يصب في مصلحتها.

3 ـــ الآن، بالإضافة إلى نوع من تعليق القانون الدولي، أظهرت قوى مثل الصين وروسيا أنها ليست لديها الإرادة أو القدرة على إحباط خطط ترامب. لقد كشف اعتقال مادورو وسقوط بشار الأسد مدى ضعف الدول غير الشرعية شعبيًا. وبينما يُدان هذان التطوران، إلا أنه من الممكن أن يدفعا الحكومات أكثر من أي وقت مضى لإدراك أهمية الملاذ الوحيد الآمن، وهو الشرعية الشعبية، وضرورة السعي لتحقيقها. يجب أن تدرك الدول أنه في غياب دعم شعبها، لا يمكن الاعتماد على أي عامل آخر، لا سيما في النظام الدولي. عليهم أن يفهموا أنهم في الظروف الحالية بحاجة إلى شعوبهم أكثر من أي وقت مضى. فالشرعية الشعبية هي أعظم رأس مال لأي حكومة، ولا يمكن لأي قوة عالمية تحت أي ظرف أن تشكل تهديدًا حقيقيًا لحكومة تعتمد على شعبها. من هذه الزاوية، يمكن النظر إلى ما حدث في فنزويلا على أنه درس إيجابي على الأقل.

إضغط هنا لمزيد الأخبار

شاهد أيضا :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى