أهم الأحداثمقالات رأي

الدبلوماسية التونسية زمن قيس سعيّد: بوصلة تشير إلى التيه


بقلم / النفطي المحضي*


لم تعد تفصلنا إلا أيام قليلة على انقضاء السنة الأولى منذ الانتخابات الرئاسية التي شهدتها تونس سنة 2019، والتي أفرزت فوز السيد قيس سعيد في الدورة الثانية بتاريخ 13 أكتوبر 2019.. هذا المرشح الذي كان انتصاره بمثابة المفاجأة غير المنتظرة، باعتباره مرشحا من خارج المنظومة الحزبية، ولم تكن له تجربة ولا تاريخ يذكر في الحياة السياسية  التونسية. 

وما يلفت الانتباه حين نتتبع الحملة الانتخابية لهذا المرشح، الذي يعتبر من خارج “السيستام”، وخاصة من خلال المناظرات التلفزية، أن تغيرات رادكالية ستطرأ على السياسات الخارجية لتونس، بما أن الدستور يعطي هذه الصلاحية لرئيس الجمهورية، إلى جانب الدفاع الوطني والأمن القومي، خاصة فيما يتعلق بمسألة السيادة الوطنية، والقضية الفلسطينية.

لكن وبمرور سنة على تواجد قيس سعيد بقصر قرطاج، لم نر إلا حالة من الفوضى والارتباك والعمل الرعواني، الذي أربك عمل الدبلوماسية التونسية المعروفة على امتداد أكثر من ستين سنة، باتزانها وعقلانيتها ومحافظتها، وهو ما يتجلى من خلال عدد الاستقالات والإقالات التي تمت في غضون هذه الفترة..

ــــ وزارة الخارجية: خميس الجهيناوي استبدل بالسيد الباشطبجي، ثم عين الوزير نور الدين الري، قبل أن تتم إقالته بطريقة غير لائقة، وتعين كاتبة الدولة، سلمى النيفر، وزيرة بالنيابة، حيث أثار تعيينها موجة من الجدل والغضب داخل الوزارة وخارجها، فيما تم مؤخرا تعيين السيد عثمان الجرندي وزيرا للخارجية في تركيبة الحكومة الجديدة..

ــــ بخصوص مندوب تونس الدائم لدى الأمم المتحدة: هذه الخطة بالغة الأهمية في الدبلوماسية التونسية، خاصة وأن تونس انتخبت لمدة سنتين (2020- 2022)، لشغل مقعد بمجلس الأمن الدولي، كعضو غير دائم، فإن الارتباك الحاصل داخل كواليس قصر قرطاج،  أثر تأثيرا سلبيا على هذه الخطة، حيث تم في فترة ستة أشهر، تغيير المندوب الدائم مرتين وبطريقة مسيئة ومذلة للكفاءات الوطنية التابعة لوزارة الخارجية، إذ يتم في مناسبتين إعفاء السفيرين (المنصف البعتي وقيس القبطني) بطريقة غير مهنية (يعلم بالقرار من خلال الفيس بوك).

ــــ على مستوى الحركة الدبلوماسية، توجد 16 سفارة في أهم الدول التي تربطنا بها علاقات اقتصادية وثقافية كبيرة، بلا سفير، فيما نحن نستعدّ لاستقبال مؤتمر دولي للفرنكفونية أواخر هذه السنة.

ــــ أما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فحدث ولا حرج، حيث اختفت مقولة “التطبيع خيانة عظمى”، لتحل محلها مواقف وقرارات، لم ترتق إلى مستوى ما كان قبل الثورة أيام النظام الاستبدادي، في حين كان التعاطي مع ملف الهجرة السرية، بشكل ضعيف جدا، ولا يرتقي إلى مستوى مفاوضات دولة تحترم نفسها، وربما اتجه الأمر للعب دور الدولة الشرطي على الحدود الجنوبية للمتوسط..

ــــ وأخيرا وليس آخرا، الموضوع الليبي، الذي يعدّ الملف الأهم بالنسبة لنا كتونسيين، إذ أن العلاقة مع الجارة ليبيا، هي علاقة تاريخية، يتداخل فيها ما هو أمني مع ما هو اقتصادي واجتماعي، وحتى ثقافي، وبالتالي فإن الدولة التونسية لا يمكن لها أن تدير ظهرها لهذا الملف الحارق، وكأن الأمر لا يعنيها، بحيث نترك “الملعب فارغا” ــ كما يقال ــ لدول بعيدة جغرافيا، لتكون هي اللاعب الأساسي.

واللافت هنا، أنّه بالرغم من حديث رئيس الجمهورية عن عدم الاصطفاف في الملف الليبي،  إلا أن زيارته الأخيرة إلى باريس، ولقاءه الرئيس ماكرون، وتصريحاته هناك، مثلت  إشارات واضحة، لتموقع الدبلوماسية التونسية في الملف الليبي، خلف الموقف الفرنسي،  الأمر الذي أغضب الأشقاء في طرابلس، وهو ما قد تكون له تبعات جد سلبية في المستقبل،  خاصة في موضوع التجارة بين البلدين، والسياحة والعلاج والوضع في المعابر الحدودية، فضلا عن مساهمة تونس في إعمار ليبيا مستقبلا.

الخلاصة، أن حصيلة سنة من عمل الدبلوماسية التونسية، التي كانت تشتغل على امتداد عقود بطريقة محافظة ومعتدلة، وبجرعات من البراغماتية، كانت دون المأمول وتخلفت بهذا القطاع إلى مستوى الهواة..

وكما يقول المثل التونسي الشهير: “جاء يتبع في مشيت الحمامة نسى مشيته”.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* عضو المجلس الوطني التأسيسي، وناشط سياسي

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فيسبوكتويتريوتيوب