مقال فلسفي حول فيروس كورونا… كوفيد-19: “حرب اللامكان” و”العدو اللامرئي”..

 

بقلم / نرجس التركي

 

تكشف ظاهرة “كوفيد 19” عن أزمة السياسية العالمية، التي انتهت بالفرد، كما يذهب إلى ذلك كارل ياسبرز، “إلى الإحسّاس بأنّه لم يعد هو نفسه إلاّ دولابا يُركّب في الآلة هنا وهناك، (وإنْ) تُرك وشأنه لأحسّ بأنّه لا شيء، وبأنّه لم يعد يدري ما يفعل…”1، وهو ما أفقد الإنسان ما به يحقّق إنسانيّته و طموحاته في العيش بسلام. ويظهر أنّ علاقة “العنف بالسلطة” لا تفتأ أن تعري فشلها في حماية الإنسان، حين تعبّر أرندت بأنّ “فهم الحقائق لا يعني إنكار ما هو مثير للاشمئزاز ولا يتمثل في الاستنباط من السّوابق ما لم يسبق له مثيل، …”بدلاً من ذلك،  (بما) يعني فحص العبء، الّذي تفرضه علينا الأحداث، وتحمله في كلّ ضمير، دون إنكار وجودها أو قبول وزنها بشكل سلبيّ، كما لو أنّ كلّ ما حدث في الواقع كان لا بّد أن يحدث”.

بهذا المعنى تنقد ارندت “تبرير السلطة لاستخدام العنف” في الأنظمة السياسية.  فعندما تبرر السلطة استخدام العنف
والإرهاب والدعاية الكاذبة، يؤدي ذلك إلى فقدان السلطة ما به تكون، أي: السلطة بماهية خلق “لمجال التعايش السلمي” داخل الدولة و خارجها، ضمن العلاقات الدولية عبر إلزامية المعاهدات والمواثيق، التي تنظم التواجد الاقليمي والعالمي، كما تذهب إلى ذلك حنا أرندت في جل كتاباتها، وبخاصة “أصول الشمولية”، غير أن ما يحدث اليوم قد اصبح مدعاة لأن يتوقف الفكر السياسي حائرا امام ما انتجه التوجه السياسي العالمي في شكل استعادة نسخ مجددة لأنظمة قديمة من الطغيان ولكن بشكل مغاير تماما لما حدث سابقا، ولعلّ المجال لا يسمح بتبين كيف انّ السلطة التي اعتمدت العنف منذ العصر الاغريقي، بل منذ بدء الوجود البشري ما يجعل أرندت تتحدّث عن ظاهرة لم يسبق لها مثيل في التاريخ السياسي.

فكيف يمكن فهم ذلك؟

إن ملازمة “السلطة للعنف”:  أدت إلى معضلة تكمن في فشل المواثيق و المعاهدات الدولية في حماية الإنسان في العالم، حين يصدق ما تنبأت به أرندت  بعجز الدول في احتواء الأزمة السياسية المعاصرة، والتي نرى نتائجها اليوم اثر ظاهرة “الكوفيد 19″، أمر لعله يثبت رؤية أرندت في التصوّر السياسي الذي انشغلت من خلاله في نقد آليات السياسات والأنظمة الحديثة وما نتج عنها من جرائم ضدّ الإنسانية، ولعلّ ما ذهبت إليه أيضا في تحليلها للظاهرة السياسية للقرن العشرين هو ما نراه بوضوح اليوم، وهو نتاج هذا التوجه، الذي جعل من “فوكوياما” يقرّ بأن ما يحدث اليوم قد بدّدَ أوهام التفوق الأخلاقي والعقلاني لأوروبا. وهو ما يدعو إلى مراجعة مقولة التقدم العقلاني، التي أظهرت وجها فاقدا للمعقولية، مما يعزّز التشاؤم الغربي من إمكانية انتشار الديمقراطيات وازدهارها، نحو تمش لا ديمقراطي فيه، حين يكشف فكر الهيمنة والتسلّط والاستبداد السياسي للأنظمة الكبرى بالاقتصاد العالمي وبالسياسة الدولية، بدء من القرن العشرين، إثر الحربين الكونيتين وصولا الى اليوم، لتنتهي أرندت إلى الاقرار بظاهرة جديدة، لم يعرفها التاريخ مسابقا،  تتمثل في اعتماد “ادوات سياسية” تشتغل بمنطق “المناورة في ايام السلم “، والتي لا تستهدف في تطبيقها تضليل الاعداء العاديين لمناورات الحروب التقليدية: “كالجنود” مثلا، “بل تستهدف التأثير على الأعداء الحقيقيين المحتملين أيضا”.  ويكمن “المحتمل” في اعتماد سباق التسلح النووي، الذي حوّل الحرب إلى شكل من أشكال “الحرب الإختيارية”، و”التي يُظهر فيها كل فريق من الفريقين المتخاصمين للفريق الآخر، ما تحمله الأسلحة التي يملكها من قوّة تدميرية. وبالرغم من أنّ هذه اللّعبة المميتة من الافتراضات النوعية والزمانية، قد تتحوّل في يوم ما، وبصورة مباغتة إلى واقع، فإنّه ممّا لا يبعد كثيرا عن التصوّر، أنّ النّصر والهزيمة قد يمثلان في يوم ما نهاية حرب لم تنشب في الواقع أبدا”1.
هكذا تتحدث أرندت لتكشف عن سياسات الدول الكبرى في بحثها المستمر عن “التفوق المطلق”، الذي غيّر ملامح العالم، حين استأثر بالبحث في “التفوق التقني” في وسائل الدّمار الشّامل، لتختفي الحروب بالمعنى التقليدي لأجندات الحروب، بكلّ ما تتطلبه من: الاستيطان الجغرافي والمواقع المحتلة وميادين القتال، والدّماء وجثث الضحايا الملقاة في كلّ مكان، وركام البنايات وتعبئة الجنود،  لتصبح “عروضا مجرّدة” لأدلة شاملة وواضحة لخبراء، لا علاقة لهم بالعسكر، بل بالتقنية اعتمادا على “أسس عقلانية”، قد فقدت عقالها منذ أن أصبحت في خدمة  مقولة: “العنف هو البداية”2، حسب أرندت، وهو أمر جعلها تنقد بشدّة التّبرير اللاّعقلاني لإدارة “الحروب والعنف على أساس  أنّهما شرّ متأصل في الإنسان، كما يذهب إلى ذلك كلّ من هوبز في كتابه “الليفياتان”، حين يقرّ بأنّنا “نستطيع أن نجد في الطّبيعة البشريّة ثلاثة أسباب رئيسية للنزاع: أوّلا: المنافس، ثانيا: الحذر، ثالثا: العُجب.”[1]

إنه منطق تتبناه  السّياسات العالمية في فرض النّظام باعتماد وسيلة “العنف”، ولعل أرندت لم تكن مخطئة حين أقرت بأن العالم اليوم قد فقد كنزه الثمين: “المجال العام”، مجال التواصل و الفعل، مجال الحرية السياسية، مجال التعدد و الاختلاف في فضاء يسمح للانسان بالتعايش السلمي مع الاخرين. فبرر “اختفاء الحرب، بالمعنى التقليدي للمفهوم،  من مسرح السياسة كتحول جذري في العلاقات الدولية… دون أي تبدل في عقول الناس وافئدتهم”.
و لعل الحيرة التي تدفع الفكر إلى اعادة النظر في الأسس العقلانية التي تبرر في كل مرّة تبريرا مبالغ فيه الفوضى الراهنة الناتجة عن فكر “الردع” و “التهديد” و “الكبح” للعدو المحتمل، و التي تنذر السياسيات  التى حلّت بالعالم اليوم، عالم “الانسان الأخير في نهاية تاريخه، كما يعلن عن ذلك فوكوياما. و لعل المقصود بنهاية التاريخ، “افتراض نظام ما سياسيا و اجتماعيا و اقتصديا قد يتطور لينتهي عند نقطة نهاية التطور و التقدم الاجتماعي و الثقافي في ظل شكل آخر الحكومات (الليبرالية الديمقراطية)”،  و لعل ايضا ما ذهب إليه هيجل في أن مقولتي التطور و التقدم للمجتمعات لم تكن ناتجة عن التطور العقلاني، “بل حدث ذلك نتاج التصادم و النزعات المستمرة، التي دفعت الى الحروب و الثورات، حين تتصارع أنظمة الفكر السياسي وتذهب، نتاج الازمة، حدّ الانهيار بسبب تناقضاتها الداخلية. “[2] ..
وتبين أرندت أنّ ما يحدث اليوم على أنه “قدر” في كتابها “معاداة السامية”، لم يكن حتميا، بل حدث لمجرد توفر الأسباب التي انتجت ما هو عليه العالم اليوم من صراع موازين القوى، وفكر الهيمنة على العالم، والسيطرة على ثرواته، بل إنّه الوجه الآخر لاستخدام التقنية، التي أفرزت حربا غيرت تقليد الحروب نحو حرب “اللامكان” في مواجهة “اللامرئي”، وما أنتجه من صراع الوباء و “عقدة التأثيم” و”كبش الفداء” كما يذهب الى ذلك عبد العزيز لبيب، في خاطرة دونها حول الكوفيد 19 بأن التأثيم “ساكن في قاع القاع لدى الكثيرين منا إن لم يكن لدينا جميعا ولا يمتاز عن غيره، في هذه الحالة الأخيرة، إلا من يكون واعيا به فيكبحه ويخَرّجه إلى السطح، بلغة فرويْدية متقدمة!” (“الوباء وعقدة التأثيم الأصلي وكبش الفداء”[3]) وهي صرخة تطلقها ردود افعال العائلات… في كل أصقاع العالم إزاء هذا العدد الضخم لضحايا “كوفيد “19، حتى أن طقوس الدفن باتت لا تفي بالغرض، ليعاد الى ساحة التاريخ ذات المشهد للتخلص من جثث المنبوذين عبر المحرقة، وهو ما يكشف مقولة الخوف من للتشتت، ونهاية الفكر التضامني، والتعايش السلمي بين البشر، واستفحال نزعة الانزواء، ليتحول “التأثيم” إلى سلوك اجتماعي ناتج عن بدايات فقدان الاجتماعي في الظاهرة الانسانية، حين يخاف المرء ابنه و امه وابنته و اخته و ينقطع عنهم من اجل البقاء. و”عندما يُسلب المواطنون في دولهم حقهم المطلق في الحياة والأرض والوطن والأسرة والأمن والحماية بما هي أولى حقوق الإنسانية… ففي ذلك ما يفسح المجال لإرساء الوضع الاستثنائي، لا هنا أو هناك، بل على صعيد دولي واسع يهدد بمراجعة التشريعات أو بسن قوانين جديدة من طبيعة استثنائية متكررة بما يجعل “الحالة الاستثنائية”  تصبح هي القاعدة. لقد صار يُتذرع بالقضايا الأمنية المختلفة، اقتصادية، عسكرية، صحية علمية، وتكنولوجية، لتبرير فشل السياسيات” في حماية الإنسان حتى في الدّول المتقدمة .
وتضع “حرب اللامكان واللامرئي” وزرها على ثنائيات الوجود: البيولوجي، بين السلامة والسقم، والاقتصادي بين الكاسد والفاعل، والاجتماعي بين المفكر المثقف والبسيط العامي، وبين أصحاب رؤوس الأموال والفئات الهشة، وبين من يقيم بالبلد، ومن يغادره نحو آخر، وبين الهجرة الشرعية النظامية، والهجرة الغير شرعية والتهديد بالبقاء في العراء خارج الأرض والأمة: خارج مقولة المواطنة، بكل ما تحمله من حرمان من أدنى الحقوق، التي شرعتها مواثيق الدولية منذ الحرب العالمية الثانية على الأقل، كما يرى ذلك عبد العزيز لبيب في دراسة فلسفية مستفيضة بعنوان “العدالة في وضع استثنائي: ملاحظات في مآزقها الدولية[4].
إنها الحرب بكل أوجهها غير أنها أظهرت خسارتها الفادحة حين أقامت هجومها نحو المطلق، و لم تستثن حتى من قام بها، فحصدت أرواح الأبرياء، في شكل استعادة الهزل المقيت  “لتفاهة الشر” بشكل آخر، في “معتقلات المستشفيات”، و”البيوت المغلقة”، وصرخات النساء والأطفال والعجز المستنجدة، وانتقاء البقاء لأناس دون آخرين… إنها حرب بثوب بيولوجي، لا رصاصة ولا دبابة ولا صاروخ يطلق فيها. إنها “حرب الإنسان ضد الإنسان”، في استعادة لمقولة  “حرب الكل ضد الكل”، في شكل بارد صامت، لا أزيز و لا ضجيج، في  تعرية لعقلانية فقدت معقوليتها و حكمتها

إنها أزمة البطش والثراء المتوحشين أدتا إلى مساءلة أخلاقية للضمير البشري. فحين يجد المرء نفسه يفرّ من الوجه المقابل الذي ألفه بمجرد الشك في تحوله  إلى “عدو محتمل”، فيخافه و يرهبه و يجرمه دون أدلة جرم فعلية، فقط لأنه أثم بحمله “فيروس كوفيد 19”. تلك هي “حرب الكل ضد الكل” البادرة جدا..

حرب نتج عنها خوف من كل “محتمل” و قد يذهب هوبز  في تفسير ظاهرة الخوف تلك والتي تحتكرها السلطة في “إبقاء (البشر) جميعا تحت سلطة الخوف”[5]، وهو الوجه الآخر الذي يعبر عنه جون بول سارتر بأنّ “الأخر هو الجحيم”، غير أنّ هذا الآخر، الذي أخافه في “الحرب اللامرئية” يمثل الجانب الحميمي لي… فالخطر الكامن في هذه الحرب هو أنّها حرب ضد الآخر “المتهم المحتمل” و”العدو اللاّمرئي” الذي يختفي في لمسة الحبيب والأم والصديق والرفيق … يختفي خلف الإنسان الذي تعودنا على وجوده بيننا.
أو ليس في هذا تأكيد لضرب أسس المجتمعات والاسر وتهديد مباشر بالابادة الجماعية للشعوب؟ أو ليس هذا نتاج لما ذهب إليه ميشال فوكو بمقولته “ميكروفيزياء السلطة”، التي غيّرت مفهوم السلطة، من أجهزة للدولة المحتكرة للعنف والقهر، إلى كلّ ما يمسّ المجتمعات البشرية من أسر ودور تعلّم ومستشفيات والسجن وكل المؤسسات العلمية الحاملة لخطاب السلطة و منفذة له؟ لعلّ هذا ما يمكن أن نقرأه من خطاب التعبئة، الذي يسعى حكام الدّول توجيهه الى مواطنيهم، إثر استفحال ظاهرة “كوفيد 19″، وقد يظهر هذا في الخطاب، الذي توجه به ماكرون رئيس فرنسا، على سبيل المثال، “بأن الوضع الراهن يتطلّب التعبئة”، غير أن ما تجدر الإشارة إليه هو المفارقة الكامنة في مقولة “التعبئة” بكلّ ما تعنينه من ثقل المادة في مقابل “العدويّ الغير مرئيّ”، بما تخلفه من أزمة كونية تكشف عن دول تملك الوسائل للتعبئة، وأخرى لا تملك من الوسائل غير الدعاء والتذرع للسماء.

وكأنّنا أمام “التعبئة” في ثوبها الامبريالي في نزعة الخطاب الذي يعلن “الانتصار”  المسبق على “العدو الغير مرئيّ”… في شكل إخفاء للخوف من المجهول الكامن خلف “اللامرئي”، لحرب غيّرت منطق الحروب التقليدية في مواجهة “المحتمل” و”اللامتوقع”، والتي تكشف عن مفارقة صادمة، حين يصل الفكر التّقني إلى خلق واقع لا أحد يتوقع حدوده.

ولعلّ “هذه الإمكانيات تستدعي… مستقبلا بعيدا، غير أنّ التأثيرات الأولى للانفجار المعرفي للانتصارات العلمية الكبيرة، ما يظهر للعيان عبر الأزمة، التي وقعت داخل العلوم الطبيعية ذاتها. ويتعلّق الأمر هنا بمعرفة أنّ “حقائق” التصوّر العلمي الحديث للعالم يستحيل أن تقبل أيّ تعبير عادي في اللغة والفكر رغم أنّها تقبل البرهنة في صيغ رياضية وفي حجج تكنولوجية. وعندما يمكن لهذه “الحقائق” أن تعبّر عن نفسها في مفاهيم متسقة سنحصل على صيغ “ربّما أقلّ غرابة من دائرة مثلثة، و لكن أكثر غرابة بكثير من أسد مجنح”[6]، هكذا تعبر أرندت في انحراف المعرفة العلمية لتصبح خاضعة لسياسة مواجهة نحو”المحتمل- اللامتوقع” في مغامرة غير معلمة النتيجة، ولكن ليس بالمفهوم التقليدي للسياسات الحديثة من انفتاح وتوسع وامتداد ومدّ، بل هذه المرّة بمفهوم الانغلاق وغلق كلّ سبل التعايش الاجتماعي في إطار التجمعات، وكأنّ غلق الحدود المتبعة للدّول، مثلا كوسيلة للتوقي من الخطر الداهم، كمن يغلق بابه خوفا من جاره الذي تعوّد على مصافحته كل صباح، غير أن المكوث في البيت المغلق طويلا قد يفسد المزاج ويصل حدّ الثورة على كلّ شيء، وسيجد نفسه مضطرا لفتح الباب و الشباك أيضا لمغادرة البيت.

فمنطق “التعايش السلمي” يطرح مسألة جدّ هامة، حين يفهم حكماء العالم، بأنّه لا مناص من الجلوس والبحث في حلول للدّفع نحو ضرورة اعادة النّظر في السياسات الدّاخلية والعالمية، بإلزامها بفكر “السلم العالمي”، فالغلق للحدود قد يظهر على أنه حلّ، لكنّه حل مؤقت لا محالة، لأنّه يكشف عن أسوء لحظات التاريخ البشريّ، حين تعلن حنّا أرندت عن “الانحراف الناتج عن التّطور التقني، الذي سيلحق الهزيمة بالسياسة العالمية، لتجد الدّول نفسها عاجزة عن السّيطرة على الحكم و”مهما كانت الثّقة التي توليها إياها شعوبها أو مهما كان ثبات إقدامها على الصمود لهذا الارهاب الذي لا مثيل له من العنف الذي تطلقه الحروب العصرية من عقاله…”[7]، حروب اتّخذت منحى جديدا بتغيرها تغيرا جذريا، يظهر في مفهوم “الاختفاء”، الذي اتخذ اشكالا عدّة: بدء باختفاء العالم بضرب التعايش السلمي بين الشعوب، واختفاء الفضاء العام هذا، الذي يعبّر عن الحريّة بما هي مبدأ يرتكز عليه مفهوم المواطنة.

فمفهوم “الاختفاء” جعل من المفهوم التقليدي للحروب يختفي هو الآخر معلنا عن “عجزنا عن التفكير على صعيد السياسات الخارجية على أنّها الملاذ الأخير و لكن نتيجة الاستمرار (للحرب ) بأساليب أخرى”[8]: أساليب “الكوفيد 19” : وهو ما تظهره القرائن التي سبقت هذه الظاهرة الخطيرة والتي بدأت بعد الحرب الكونية الأولى مع بدايات ظهور تقنيات جديدة “كالقنابل النظيفة” او الصواريخ المضادة للصواريخ ” في سباق نحو التسلّح لحرب شاملة، وهو ما اصطلحت عليه أرندت ب”الكوابح” كبمدأ للرّدع “يهدف في الواقع، إلى تجنب الحرب التي تدعي الاعداد لها، لا إلى كسبها.” [9] كما يذهب إلى ذلك كل منand Harold Laswell) (Charlene Cleveland هارولد لاسويل وشارلان كليفلاند، في مقال لهما تحت اسم “العمل السياسي في ظل سفر الرؤية النووية” المدرج في كتاب “اخلاق السلطان”.

ولعل المسألة الملحة، اليوم، في قراءة ازمة “الكوفيد 19″، هو دور النخبة المثقفة في مجتمعاتها التي يوجه لها بول ريكور نقده اللاّذع  حين يتخلّى المثقفون عن وظيفتهم في أن يقيموا في العالم لا أن يهجروه نحو منطق التبرير لما يحدث، فهم بحسبه ” الذين يعرفون ويحسنون الحديث، وهم الذين يأمرون ويبادرون إلى الفعل ويقدمون على المجازفات (بما أن اقتصاد السوق هو اقتصاد يرتكز على الحسابات والمجازفات)، ولا بّد من “المثقفين” لينظروا للنّظام وليعلّموا تلك النّظرية ويبرروها في نظر ضحايا أنفسهم،… فكلّ إنسان يفكّر ويكتب دون أن يزعجه في دراسته أو بحثه نظام يعتبر عمله سلعة تباع وتشترى عليه أن يكتشف أن حريته تلك ومتعته فاسدتان…”[10]. و لعلّ بول ريكور من خلال  نظرته النقدية هذه لسلوك المثقفين، الذين نسوا ما عليهم من واجب تجاه العالم حين يعقدون العزم على “رباطة جأشهم مُتسامين عاليا بحياتهم المثقفة ليقيموا داخلها ملجأ صغيرا مُصانا من تعاسات العالم، إنّما هم لا يعبّرون عن شيء آخر سوى عن مَشْرَحَتهم الاجتماعية[موتهم الاجتماعي] /”، كما يشير إلى ذلك عبد العزيز لبيب، في نقله ترجمة عن المؤرخ الفرنسي بالكوليج دو فرانس، باتريك بوشون، جريدة ميديا بارت، 12 أفريل 2020. Par le Collège de France, Patrick Bouchon, journal Media Part,[11]

ولعلّ السؤال الملح: “أين نكون عندما نفكّر؟”[12]، هو السؤال الجوهريّ الذي وجب النظر فيه بتحديد المكان الذي يظهر أننا فقدناه منذ أن فقدنا معه عالمنا، أي منذ أن فقدنا ” قيمتـــ(نا) …(ذلك بــ) فقدان الّذي بينــ(نا) (المشترك) في انعزال الفنان وتوحّد الفيلسوف وانقطاع الإنسان لإنسان آخر في تجارب الصّداقة والحبّ”[13]..

** الباحثة في فلسفة السياسية والأخلاق

[1] Thomas Hobbes, Léviathan, Trad F. Tricaud, éd. Sirey, 1971.

[2]https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%86%D9%87%D8%A7%D9%8A%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE_%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86_%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D9%8A%D8%B1

[3] https://akhbarmouwatana.com/ د- عبد -العزيز- لبيب – الوباء – وعقدة-التأثيمFbclid=lwar2nLAeRpzs4p4l^w-QHmmm5DOIWR8D-OMI2-SOW4of_YrGhVEWULbr_WM.

[4]  اُنظر: عبد العزيز لبيب، العدالة العدالة في وضع استثنائي: ملاحظات في مآزقها الدولية”، في: (مجموعة مؤلفين، ما العدالة؟ معالجات في السياق العربي، بيروت، المركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات، 2014)، الفصل السابع، صفحة 285 -324.)

[5]   حنة أرندت، الوضع البشري، منشورات جداول، ترجمة هادية العرقي، ص53

كورونا،[6] حنة أرندت، الوضع البشري، منشورات جداول، ترجمة هادية العرقي، ص23

Hannh Arendt, The Human Condition, « Licensed by The University of Chicago Press, Chicago, 1958.

[7] حنة أرندت، رأي في الثورات، تعريب خيري حماد، الهيئة العامة لقصور الثفافة، ص 12

[8]  حنة أرندت، رأي في الثورات، تعريب خيري حماد، الهيئة العامة لقصور الثفافة، ص 15

[9]  مقال “العمل السياسي في ظل سفر الرؤية النووية” في كتاب “اخلاق السلطان” من اعداد هارولد لاسويل و شارلان كليفلاند – طباعة نيويورك لعام 1962

[10] P. Ricoeur, Histoire et Vérité 1955, Paris, Ed du Seuil, p.p. 224-225.

[11] عبد العزيز لبيب، أستاذ الفلسفة السياسية بجامعة تونس الاولى.

(Patrick Boucheron, Historien au Collège de France, article «En quoi aujourd’hui diffère d’hier», dans MEDIAPART, 12 avril 2020

[12]    مليكة بن دودة، فلسفة السياسية عند حنّة أرندت، منشورات الضفاف، 2015، ص 142

[13] حنّة أرندت، بين الماضي و المستقبل، ستةت بحوث في الفكر السياسي، (Between  past and future ) ترجمة عبد الرحمن بشناق، جداول، مراجعة زكاريا إبراهيم و تصدير و اتدقيق هادية العرقي، الطبعة الاولى 2014، ص 25.

 

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق